الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

مدخل لتكامل ضرورى وايجابي، بين المشروع الثقافي القومي والوسائل السمعية البصرية

Share

قبل البدء :

ان كان لابد من تبرير موضوعي للبحث عن مزيد من التكامل الضرورى والإيجابى بين المشروع الثقافي الصادر عن وزارة الشؤون الثقافية  والوسائل السمعية البصرية ) بالخصوص الاذاعة والتلفزة ( . فقد يكون هذا  التبرير الموضوعي كامنا في النقاط التالية ) وهي بعض من كل ( :

- ان زمن البناء والتأسيس الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تجتازه تونسي 1982 يحتاج لضمان نجاعة أكثر لأسلوبه الديمقراطى الى اعادة نظر في علاقة التكامل بين الوسائل السمعية البصرية والاختيارات الكبرى حتى تتاح  للجماهير فرص اكثر للحوار ، والمشاركة الفعلية ، والحماس الفاعل

- ان الخطة الثقافية الجديدة تطمح الى توظيف ذاتها لا فى مجرد النهوض بالثقافة وانما أيضا فى الانصهار فى الدورة الاقتصادية لغاية استعادة أو  تأسيس البعد الثقافي المفقود في العشرية الماضية ( للتنمية الشاملة .

وهذا الطموح المشروع يقتضى تحسيس الجماهير وكل القطاعات لكي تنخرط في المحهود العام انطلاقا من استيعاب البعد الثقافي للتنمية ، بواسطة  الوسائل السمعية البصرية ) بالخصوص الاذاعة والتلفزة (

-ان الاستفادة متبادلة بكل تأكيد بين الطرفين المتقابلين ) السمعيات  البصرية والمشروع الثقافي ( وذلك لان الطرف الاول لاغني لديه عن الثقاقة والا أصبح سياسيا توجيهيا فقط ( ولان الطرف الثاني يبقى مجرد " مشروع إذا عزلناه عن الحماهير وحرمنا هذه الاخيرة ( من حقها الشرعى فى التفاعل  مع هذا المشروع القومى الموجه للجميع

هذا المشروع الثقافي

- بالرغم من اعتماده على الاستشارة الجماعية الموسعة ) الاساتذة ، المبدعون ، الهياكل المسيرة ، الخ ( .

- بالرغم من اطلاق عبارة " مشروع " على هذه الخطة بدلا عن اعتبارها " سياسة ثقافية " .

- بالرغم من تجاوز صياغته " للكلام المعسول " وتركيزه على وسائل الوصول للاهداف المرسومة استرشادا بالاستخدام الانجع للامكانيات ، وبالاتجاه الواضح الى الطرق العلمية والتشريعات الجزئية الجريئة .

- بالرغم من توافر المعلومات الدقيقة ، والتحاليل العلمية للواقع الثقافي لضبط الخطة ووصف مطامحها والتعبير عن الرغبة فى المزيد من توافر المعلومات وتكثيف التحاليل ، بل إلى استعداد الوزارة باستمرار للاستفادة من كل نقد  أو اعتراض

فانه يحلو لبعضهم ) كما حدث بالفعل ( التشكيك أو الشك فى الاسلوب الديمقراطى الذى انتهجته وزارة الشؤون الثقافية فى ضبط هذه الخطة ) بدعوى عدم مشاركة زيد أو عمرو في أشغال اللجان الاستشارية ، أو بدعوى عجز  الميزانية المخصصة لوزارة الشؤون الثقافية عن تحقيق الاهداف المرسومة ، أو حتى باتهام ، الوزارة ، بفرض هذا " المشروع " من " فوق " . . (

ومهما كانت " مصداقية " أو عدم " مصداقية " هذه " التهم " التى تعتبر " المشروع المقترح " ، والمصاغ من طرف عدد وافر من اللجان ، ضربا من " التعليمات المفروضة " ، فان أبسط مقاربة علمية للحكم لهذا " المشروع " أو عليه تقتضى حدا أدنى من الامانة الفكرية لاقرار أن هذا " المشروع " لئن  كان مجرد اقتراح مفتوح ينطلق من الاستشارة الجماعية ويطمح الى اكتساب

شرعيته من تزكية الاسرة الثقافية الموسعة ومن تأييد القطاع العام والخاص ( فى نفس الوقت ( فانه - أى هذا المشروع الثقافي القومى - يمتاز عن  سياسات ثقافية سابقة بالخصائص التالية

أ - عدم هروبه وراء الصياغة الادبية الجميلة و " التورم " النظرى ) وما أكثرهما فى المخططات الثقافية فى عالمنا العربي (

ب - عدم تقوقعه فى خطة جامدة قد تنهار أمام المفاجآت ) قراءة حساب لمجموعة من الخطط المعاونة ( .

ج - عدم تجاهله لضرورة الاستخدام الامثل للامكانيات المادية والبشرية المتاحة او التى ينبغى أن تتاح ( تحريض القطاع الخاص على المشاركة فى  المجهود ) .

د - عدم الالتجاء الى " الشعارتية " فى ربط المشروع الثقافي بالتنمية الشاملة .

السمعيات البصرية سابقا ومستقبلا :

اذا جاز لى اعتبار التجربة الشخصية فى الاذاعة والتلفزة التونسية ) منذ سنة 65 9 1 الى الآن ( كجانب آخر من الصورة ، أو كجزء مكمل للدراسات الميدانية والاحصائية التى تقدم بها بعض الزملاء ) فى ندوة الاعلام الثقافي وخارجها ( فاننى قد يجوز لى ابداء الملحوظات التالية :

- أولا : إذا استثنينا مرحلة اشراف الاستاذ محمد مزالي على دار الاذاعة والتلفزة التونسية ، فهل يمكن بحق العثور فى شتى المراحل الاخرى على ما  . يمكن اعتباره رؤية ثقافية واضحة داخل الاذاعة أو التلفزة التونسية ؟

- ثانيا : إذا استثنينا تبديل شخص بآخر ، أو مسؤول بآخر ، فهل من السهل أن نقيم الدليل على فهم ثلاثة أرباع المديرين العاملين فى الاذاعة والتلفزة التونسية لضرورة اعادة النظر باستمرار فى الهياكل المسيرة للانتاج وفى  علاقتها بالاطار المنتج ) على نحو ما يدعو اليه كارل مانهايم ( .

- ثالثا : إذا استثنينا بعض ما يحفظ وما لا يقاس عليه من المحاولات الفردية القليلة من قبل بعض المنتجين البارعين فهل من الممكن العثور على فرق بين الاعلام و الاتصال " فى العشرات والعشرات من البرامج السياسية  والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية والعلمية فى الاذاعة والتلفزة  التونسية مع التذكير بأن الفرق بين " الاعلام والاتصال " عند الباحثين الالمان من امثال اسفيروس وهمان وغيره يتمثل فى أن مهمة الاعلام هي الوساطة  في الحوار بين فئات المجتمع وليس الادلاء بالتعليمات أو التوجيهات أو الاعلام  الموجه ) .

رابعا : إذا استثنينا النادر ، والنادر جدا ، من بعض الحصص التى يمكن اعتبار موقعها على الخارطة الزمنية للبث متوافقا ) عن قصد او عن غير  قصد مع نوعية الجمهور الذى وضعت من أجله تلك البرامج ، فهل من الممكن اقامة ما يشبه الححة على أن كل الهياكل المسيرة للانتاج ، والضابطة  للبرمجة قد حاولت دراسة شتى نوعيات الانتاج بحسب استراتيجية الوقت المناسب  لبثها ، بحيث يكون البرنامج الثقافي متواجدا بالضبط فى الوقت الذى تكون فيه كثافة الاستماع ) من طرف الجمهور المعنى بالامر ( متوفرة أثناء  البرنامج الثقافي ؟

ترى هل توجد دراسة ميدانية واحدة لدى الهياكل المسيرة للانتاج الاذاعي  والتلفزي حول استراتيحية البث ؟ ) والا فما معنى حرص المسؤولين على بث اكثر  البرامح الثقافية التلفزية التونسية  . قبل الثامنة ليلا ، أى عندما يكون أغلب  الجمهور المثقف خارج البيت ؟ أو بين " البيت والشارع ؟ ( .

خامسا : إذا استثنينا الحرص الاكيد والمتواصل لرأس الهرم في  الدولة على تشجيع هذا المنتج أو ذاك من منتجى البرامج السياسية  او الثقافية أو الاجتماعية ) بالخصوص ) . ممن يروقون له ويقتنع  بمواهبهم ويتوسم فيهم القدرة على التأثير المنشود على المجموعة او على جانب منها فهل بامكاننا أن نقيم الدليل على وجود مبادرات مماثلة من قبل الادارات العامة للاذاعة والتلفزة ، أو من قبل رؤساء المصالح ، فى مجال الاهتمام والرعاية والتشجيع للعنصر الثقافي المنتج ، ولا سيما إذا كان هذا العنصر الثقافي المنتج متخصصا فى الثقافة وغير موزع الاهتمام بينها وبين  السياسة ؟

بكلام آخر

ما يمكن ملاحظته فى مجال الحكم على افتقار الاذاعة والتلفزة لرؤية ثقافية وحضارية واضحة هو تعامل جل الهياكل البيروقراطية مع العنصر الثقافي  المنتج بكثير من الاحتراز لغاية " تهميشه " أو حمله - بشكل أو بآخر - على  " التأرجح " وظيفيا بين اختصاصات متناقضة أو متباينة لاصلاح وضعيته أو لضمان مستقبله ، أو لاكتساب شرعية الوجود ، داخل مؤسسة لم تدرج   الثقافة ، ضمن الاولويات ، وانما اعتبرتها ضربا من " الترفيه أو الهوامش

- اذا استثنينا ، بعض الفترات القليلة التى شهدت فيها برامج الاذاعة أو التلفزة انفتاحا على بعض أجزاء من الساحة الثقافية والادبية الموسعة ، فانه من  الصعب تبرير الانغلاق شبه الكامل ، فى أغلب الفترات ، على اختلاج الاسرة  الثقافية الموسعة وبالخصوص على العنصر الجامعي والطالبي

وصحيح ان ظاهرة اختلاط الخطاب الثقافي بالخطاب الايدلوجى فى  الساحة كثيرا ما جعل " البعض " يزهد في التعامل معها ، ولكن الصحيح ايضا هو عجز جل الهياكل المسيرة للانتاج على التعامل الموضوعي مع الطاقات  السليمة ) وغير المصابه بعقد نفسية أو ايديلوجية ( داخل الساحة أو فى  رحاب الجامعة .

فهذه الجسور المفقودة لئن كانت سببا فى " تهميش " الطاقات العلمية والثقافية ، فهى فى نفس الوقت دليل آخر على افتقار جل مراحل الاذاعة  والتلفزة الى سياسة ثقافية واعية ومدروسة .

أفاق جديدة للتكامل بين المشروع الثقافي القومي والاذاعة والتلفزة :

أما الآن وقد تميزت المرحلة السياسية ) الراهنة ( بالرهان على البعد الثقافي للتنمية الشاملة ، وعلى التوجه الديمقراطى ، وعلى الاقتناع بضرورة خلق التناغم بين تغير المجتمع والاختيارات الكبرى للحكومة التى يرأسها رجل فكر  من طراز الاستاذ السيد محمد مزالي ، فان آفاقا جديدة قد فتحت أمام امكانيات  التكامل بين تطلعات الجماهير والوسائل السمعية البصرية ، لا فحسب على صعيد بلورة المشروع الثقافي . وانما ايضا على صعيد افساح المجال

الواسع داخل الاعلام والثقافة لكل الاتجاهات والمدارس الفكرية شريطة تمييز هذه المدارس الفكرية والاتجاهات بين الخطاب الاديلوجى والخطاب الثقافي   لان اختلاطهما بشكل مباشر يقترب من " الشعاراتية " قد اصبح  " موضة " فى بلادنا ) .

اصل ما يشير بالخبر أيضا ويدعم الامل فى قيام هذه العلاقة التكامليه بين التنمية الشاملة والمشروع الثقافي ، هذه الاعادة للنظر فى الهياكل المسيرة  للثقافة والاعلام والمتمثلة فى تعيين مثقفين " من ذوى الكفاءة والخبرة فى المواقع الاساسية لاتخاذ القرار ) أمثال الادارة العامة للاذاعة والتلفزة  واللجنة الثقافية القومية ، ومعهد تكوين المنشطين الثقافيين . . (

ولكن اعادة النظر في الهياكل المسيرة للانتاج لا تكفى بمفردها لتطوير  الانتاج الاعلامى والانتاج الثقافي ولادراجهما فى الدنامكية التنموية المنشودة  الا اذا تجنبت تلك  الهياكل الوقوع في أخطاء الهياكل السابقة ، أى فى أخطاء الانعزال عن الاطار المنتج عموما وعن الاطار المنتج للثقافة خصوصا .

من جهة اخرى لابد من تظافر الجهود لضغط استراتيجية ثقافية فى الوسائل السمعية البصرية تنطلق من الاختيارات الاساسية التى ارتكز عليها المشروع الثقافي القومي ، وهذا يقتضى تواصلا افقيا " أكثر بين وزارة الشؤون الثقافية  ووزارة الاعلام ، كما يقتضى بعث مصلحة لسبر الآراء وللدراسات الاعلامية  حتى لا تبقى عمليات ضبط الخطط البرنامجية تحت رحمة الارتجال المعهود والتكهنات ورياح المصادفات  .

ومن الضروري احلال اللغة العربية العصرية محل اللهجة العامية ) التى ينفر منها بعض مخرجى الاذاعة والتلفزة وبعض المسؤولين الذين يتوهمون ان " العامية " هي اللغة المناسبة للتلفزة .

كذلك لابد من التفكير في ضرورة بعث قناة ثقافية عربية ) بدلا عن مشروع القراءة الاجنبية ، وذلك لاننا تونسيون عرب ولان ما يجب التوسيع فى رقعته ليس تفتحنا المبالغ فيه الى درجة الانفتاح والضياع وانما الدعم لذاتيتنا الوطنية والعربية والتجذر في واقعنا وانتمائنا الحضارى

ومن حيث الشكل الفنى للبرامج وللتنشيط الثقافي قد آن الاوان لكى يصبح الربرتاح ، او التحقيق ، او الاستجواب الاذاعي او التلفزي تعبيرا عن ادراك  المنتجين الاذاعين والتلفزيين لاصول ومناهج علوم الصحافة والاخبار لا مجرد  اشكال من " الرعوانية " والارتجال والفوضى ، وعندما يصبح " الاعلامى  قادرا على التميز بين المناهج والاساليب بشكل علمي يمكنه - فيما بعد - الطموح الى التجديد فيها عن دراية وخبرة ، والاضافة اليها عن وعي وعلم ، أما  أن يكون " التحقيق " أو " ادارة الحوار " مجرد " دمغجة " اعلامية ) تكثر فيها المقاطعات للمناقش ، أو التمجيد المضحك للمسؤول ، أو التجاهل القبيح  للجمهور الواسع ( . فان ذلك يبعدنا عن مفهوم " أوتوجريت " للاعلام  الذي هو " التعبير الموضوعي عن روح الامة وميولها واتجاهاتها وعقليتها  ويحول النشاط الاعلامي الذي يعتبره " كارل دويتش " الجهاز العصبى  للمجتمع ، الى مجرد لعبة بين يدى منتج أو مذيع  

وأخيرا ) ولا آخر كما يقال ( ان التكامل الضرورى والايجابى بين المشروع الثقافى القومى والوسائل السمعية البصرية لا ينبغي أن يعنى - بأية حال من  الاحوال - التطبيق المكانيكى لخطة ثقافية رسمية بواسطة أجهزة ) رسمية  أكثر من اللازم ( وانما ينبغي أن يكون التكامل اثراء للزاد ، وتوسيعا للافق وتجاوزا للمحدود ، وتطويرا للرصيد ، مع المزيد من تفجير المفاهيم المهترئة  والمتوقعة للثقافة ، والتوسيع للافق والنظرة والمقاربة العلمية والتناول الفني  والتشريك للاجيال والجماعات والمدارس والفئات ، والتعزيز للحوار وللغة   المشتركة وللامانة الفكرية وللاخلاص للوطن وللايمان بالمستقبل

اشترك في نشرتنا البريدية