1) علوم الدلالة الثلاثة :
يهتم ((علم الدلالة))(1) بدراسة معانى الكلمات . الا أن بعض الملاحظات والنظريات والآراء الحديثة تطرح حاليا من جديد هذه المشكلة القديمة ؛ ومثل كل العلوم المتجذرة فى القدم والضاربة فى الحداثة ، فان ((علم الدلالة)) يشكو من كونه لم يحدد بعد ميدانه ولم يوضح مصطلحاته ، لذلك يجد كل من ( الباحث ) المختص و (الدارس) الجاهل نفسيهما تائهين أمام استعمالات هذه العبارة التى يتعرضان اليها كل يوم .
صدحت (صحيفة) ((نيويورك تايمز)) (New York Times) عبر ثلاثة أودية : ((ان علم الدلالة)) سلاح الحمر فى حربهم ضد المؤسسة الحرة)) (2) واذا ((كانت الفلسفة تشكل علم الدلالة)) وتركيب لغة العلوم فكيف يمكن لصراخ رضيع أن يكون ارتكاسا دلاليا ؟ وما معنى ((الدلالة)) الجاز أو (رياضة) الكاتش أو اللافتة الاعلانية ؟
ذلك أن الكلمة التى كانت تعنى فى الاصل فى علم الدلالة فرعا خاصا فى دراسة اللغة قد استعارها منه المنطقيون وعلماء النفس وأصبحت تابعة من الآن لثلاثة فروع معرفية مختلفة .
ان (عبارة) ((دلالة)) المشتقة من الجذر اليونانى ((سييمانو)) (Semaino) الذى يعود بدوره الى ((سيما)) signe sema (دل) هى ، فى الاصل ، صفه مناسبة لكلمة ((معنى)) (sens) ان التغير الدلالى هو تغير فى المضمون ،
وما القيمة الدلالية للفظة ما الا فى ما تقصد اليه من معنى ، ونتوسع فى تطبيق ذلك على كل علامة ، ونتحدث (أيضا) عن الوظيفة الدلالية للالوان فى فن الشعارات أو بيارق البحارة وكذلك القيمة الدلالية لحركة أو صراخ أو أية علامة بواسطتها نبلغ رسالة وندخل فى تواصل مع الغير ، ويعد من (مشمولات) علم الدلالة كل ما يتعلق بمحتوى علامة ابلاغية ما ، والالفاظ منها بخاصة . وهناك ثلاثة أنواع ( أساسية ) من شواغل (( علم الدلالة )) :
أ) المشكل النفسانى : لماذا وكيف نتبالغ ؟ وما معنى (( العلامة )) ( signe ) ؟ وماذا يجد بأذهاننا وذهن مخاطبنا عندما نتواصل ؟ وما هى الحركية الجسدية والنفسانية لهذه العملية ؟ الخ ...
ب) المشكل المنطقى : ما هى علاقة العلامة بالواقع ؟ وفى أية ظروف تصبح علامة ما ((مطابقة)) لشئ أو مقام له وظيفة دلالية ؟ وما هى القواعد التى تضمن دلالة ما ؟ الخ ...
ج) المشكل الالسنى : أو على الأصح عدة مشاكل ، اذ أن كل نظام من العلامات له قواعده المميزة التى تتعلق بطبيعته ووظيفته .
ان ((علم الدلالة)) الالسنى ، المهتم أساسا بالغرض ، والذى هو موضوع تصنيفنا هذا ، يدرس موقع الكلمات داخل اللغة ... اذ ماذا يقصد بلفظة ما ؟ وما هى العلاقات ما بين شكل ومضمون كلمة ما ؟ و ( كذلك ) ما بين الكلمات وكيف يتم لها أداء وظيفتها ؟ الخ ...
ان ((علم الدلالة)) يتعلق أذن مباشرة بثلاثة علوم مختلفة : علم النفس والمنطق والالسنية ، وهى علوم تدرس ، كل واحد منها لفائدته الخاصه ، مشكلة دلالة وغرض العلامات . ولم تطرح ( زيادة ) فى الغالب هذا الموضوع تحت الاستعمال (( دلالة )) ، والكثيرون يمارسون (( علم الدلالة )) ((دون وعى به)) ، ولكن منذا زمن قريب نسب ، من جهة ، تيار منطقيين علانية لنفسه استعمال العبارة ؛ و ( فعل ذلك أيضا ) ، من جهة أخرى ، مجموع من علماء النفس ، وأصبح هناك منذ الآن بجانب ((علم الدلالة)) ( الالسنى ) نظير له ((فلسفى)) يرجع الى المنطق الرمزى و ((علم دلالة عام)) ، هو ضرب من الدراسة النفسانية - الاجتماعية للعلامة .
ان هذه الاستعمالات الثلاثة للكلمة المناسبة لثلاث ظواهر لقضية واحدة تبقى فى ترابط متين ما بينها ، وتتجارى وتتشابه ميادينها ومشاكلها بلا انقطاع .
2 - علم الدلالة الالسنى
ان هذا الغموص يتفشى فى كيان الالسنية حيث لا يزال محتوى علمنا على شئ من التفسير السئ . ان علم الدلالة الالسنى قد وجد مصدره عند النشأة فى دراسة تبدلات المعانى ، ثم اقترن بعض الاقتران بتحليل مجاز البلاغة الكلاسيكية ، و (عمد بعد ذلك) الى احياء ملاحظات وفرضيات المنطق وعلم النفس ليوسع رحابه نحو وجهات جديدة مثل نظرية العلامة الالسنية والوظيفة النفسانية الاجتماعية للغة والابنية المعجمية الاجتماعية ، فزاد غموض مصطلحات كانت مهددة به منذ المنطلق .
لقد كان النحاة يستعملون منذ مطلع القرن التاسع عشر عبارة ((سيمازيولوجى)) (Semasiologie) أو (( دراسة الدلالات )) باعتماد - دائما - الجذر الاغريقى ((سيما)) (sema) ((علامة)) (signe) وكان الالسنى الفرنسى ((ميشال بريال)) (Michel Breal) قد استبدل (تلك العبارة ) بـ ((سميانتيك)) (Semantique) ((دلالة)) ليقصد ((علم الدلالات)) و ((القوانين التى تعمل على تحويل المعانى)) (3) . ويذكر لنا أنه ((ميدان بحث جديد جدا الى درجة أن اسما لم يسند له بعد ..)) وفى الواقع فان هذا العلم يعود بالنظر ، بعد احيائه وانمائه الى (( دراسة الدلالات )) (Semasiologie) .
ان الكلمتين تتشابهان منذ الآن ، وتضع كثرة استعمالها حدا ]لشيوع[ عبارات حديثه مثل : سيماتولوجى (Semattologle) (دراسة تغير المعنى) وفلوسولوجى (Glossologie) (اصطلاحات علم ما) وريماتيك Rhematique)) وريماتولوجى (Rhematologie) الخ . . . وهى لا تبرز الا بأشكال مشتتة .
ان كلمة ((سمونتيك)) (Semantique) - المتبناة عندنا - لآخذة الآن فى تعويض ((سيمازيولوجى)) (Semasiologie) على الاقل بفر نسا والبلدان المستعملة للانجليزية حيث ضمنت أعمال ((بريال)) (Breal) لنفسها الانتشار .
تحت هذا العنوان سأستعرض مجموع المشاكل التى تطرحها دراسة الكلمات من حيث معانيها وقد يكون هذا التعريف شديد الحصر فى نظر البعض وكثير الاتساع عند البعض الآخر ، وسوف لا نستغرب من أن تعترض سبيلنا ، طى الصفحات الموالية ، مشاكل ونظريات لم يشر اليها مؤلفوها بعبارة (( دلالة )) (Semantique) أو نزلوها عمدا خارج حدود علم الدلالة كما عرفوه .
علم الدلالة هو دراسة معنى الكلمات :
ان الكلام وسيلة ابلاغ ، واللغة أداة تمكننا من إيصال أفكار . ان الجملة (( أيها الندول ، واحد بوجولى)) (Garcon un beaujelais)تبلغ لشخص معين رغبتى فى الحصول على شئ معين (أيضا) ، وهذا الشخص يفهمنى : ان الفكرة أى صورة كأس الخمر المرتسمة فى ذهنى ، تتشكل بدورها فى مخيلته .
انها عملية معقدة تشرك الاشياء ، والصورة الذهنية لها ، ونشأة الاصوات وتنسيقها فى نظام معين ، و (كذلك) الاصغاء وتكون الصورة فى ذهن المستمع ، وهى مشاكل متعددة تتعلق بالابستمولوجيا وعلوم المنطق والنفس والفيزيولوجيا وعلم الاصوات ... والالسنية .
وفى الشكل الموالى يمكن لنا أن نوزع سلسلة التلفظ الى ثلاثة عناصر : الاصوات والكلمات والتراكيب النحوية المعرفة ، فى نفس الوقت ، بشكلها ووظائفها .
الاصوات الكلمات التركيب
الشكل
الوظيفة علم الدلالة
وسيؤخذ هذا الشكل فيما بعد بالتوضيح والتعليل ، ولنسجل الى حد الآن بأن ((علم الدلالة)) يقدم مشكلين أساسيين من وجهة التعريف :
1) مشكل المعنى : لماذا تعنى كلمة ((بوجوليه)) بالفرنسية كأس خمر ؟ وهل لا توجد لها معان أخرى ؟ وكيف ولماذا ومتى تحصلت على هذا المعنى ؟ وما هى علاقاتها بالكلمات الاخرى ؟ الخ ...
2) مشكل الدلالة : مامعنى كلملة ما ؟ وما هى وظيفتها ؟ وكيف تحققها ؟ ان (مصطلح) ((دلالة)) قد اعتبر فى هذا السياق من ناحية معنى فعله المتعدى (signification)
وهى عملية نفسانية بينما لعبارة ((معنى)) (sens) قيمة سكونية . انها الصورة الذهنية التى تنتج عن العملية .
وسنتجنب الخلط بين اللفظين كما تعمد الى ذلك لغة التخاطب العادية التى تستعمل استعمالا مخالفا دلالة أو معنى كلمة ما (4) ان الدلالة تعود بالنظر الى علم النفس ، وما موضوع علم الدلالة الالسنى الا دراسة معانى الكلمات ، ولكن المعنى يوجد فى علاقة متينة مع إوالية العملية الدالة ، لذلك يتحتم قبل مباشرة تحليل أو مجرد التعريف للمعنى والدلالة ، طرح واعتبار اجمالا مشكل الدلالة الذى يمثل الكلام فيه وضعا خاصا .
ان علمنا ، من حيث هذا التعريف ، يغطى ميدانا كثير الانفساح ، يمتد ، وان أرجع لحدود اللغة الضيقة ، الى تخوم علوم المنطق والنفس ونظرية المعرفة و (كذلك) علم الاجتماع والتاريخ .. الخ ... لقد كان (هذا العلم) موضوعا ، فى كل هذه الفروع لادب جسيم ، الا أن حدود هذا الكتيب ألزمتنى أن أهمل بعض المسائل (مثل البلاغة وعلم الاشتقاق ودلالة بريال ...) وذلك لفائدة ظواهر أقل معرفة وأكثر حداثة ، و (ألزمتنى كذلك) أن أختصر مشاكل لها من الصعوبة والفوارق والتعقد ما (يمثل) جوهرها فى حد ذاته ، وذلك بتلخيصها بخطوطها الكبرى واقحامها فى اشكال مبسطة .
فلا يكون اذن فى هذا التأليف ( حديث ) غير الحديث عن مدخل لتصانية أكثر شمولا ، نخص بالذكر منها (( المعنى )) و (( تغيرات المعنى )) (Meanning and changes of Manning) ((لستارن)) ( stern ) الذى يمثل دون شك مجمع الامثال الاكثر غزارة والترتيب الاكثر انسجاما وتأويلا المتوفر لدينا الى حد اليوم ، و (كذلك) كتاب ((مبادئ الدلالة )) the principles ) (of semantic لاولمان (Uloman) ويكمله ((مجمل علم الدلالة الفرنسى)) (precis de semantiques francais) ويعتبر الاثر الموجز الاكثر تنظيما وحداثة واحياء ، وسيعثر القارئ (على هذه الكتب) مذكورة خلال الصفحات الموالية ، وكان يجب أن نقوم بذلك فى أغلب الاحيان اذ أنه كثيرا ما نتتبع أثرها أو نعترض سبلها .

