(1)
كانت مدينة قليبية اسمها مدينة " أسبيس " فى القديم وهذه اللفظة يونانية ومعناها الترس او المجن او الدرقة . ولعله اسم اوحت به القلعة التى تقع على جبيل وتسمى البرج وبسفحه الغربى تقع مدينة قليبية دائرة به كالهلال المفتوح الى الشرق . وقد كانت هذه القلعة تقوم مقام المحن وتتصدى لضربات العدو وتحمى المدينة وما وراءها كالترس الذي يحمى صاحبه.
واسم اسبيس يبدو انه الاسم القديم لمدينة قليبية ولذلك استنتج بعض المؤرخين انها من تأسيس اليونان وكانت القلعة تسمى ايام الرومان قليبية أيضا . وقد بناها على ذلك الجبل الفينيقيون فى القرن الثامن قبل (1) عندما انتصبوا بجزيرة قوصرة Pantelleria ليستولوا على المضيق الذى يفصل بينها وبين قليبية ولتكون مفاتيحه بأيديهم . ثم امتلك هذه القلعة عاهل سرفوسه بصقلية الطاغية اليونانى اغاتوكلاس الذى تحارب مع القرطاجنيين وسماها أسبيس بعد ان ترجم هذا الاسم عن اسمها الاصلى الذى هو الترس الذى يحمى المضيق . وأعاد اغاتو كلاس تشييد القلعة بعد تهديمها فى ذلك الصراع وحشد فيها جنودا من صقلية وتحصن بها ودعمها باضافته لبعض الاعمال بها . وقيل انه اسس مدينة قليبية سنة 310 قبل البلاد واقام
فيها دار صناعة لبناء السفن (2) ولكن تأسيسها فى الواقع كان قبل ذلك كما ذكرنا .
واذا كان اسم " قليبية " يونانيا فلا يلزم من ذلك انها من تأسيسهم كما ذهب اليه بعض المؤرخين الفرنسيين ذلك بانهم كانوا يترجمون أسماء المدن والاعلام والالهة ونحوها الى لغتهم ولذلك فقد يكون ان " أسبيس " ترجمة لاسم بونيقى او بربرى لان كثيرا من اسماء الاماكن فى منطقة قليبية بربرية الاصل مثل تاهرت وتاقديمان وتافخسيت وتامزرات وتاوشت وغيرها كثير . وربما سمى أغاتو كلاس يومئذ البرج " القلعة " باسم أسبيس ثم سرعان ما اطلق اليونان هذا الاسم نفسه على المدينة وفضلوه على اسمها الاصلى البربرى او البونيقى ، اما الاسم الحالى " قليبية " فهو بلاشعك تعريب صوتى للاسم اللاتينىClipea أو Clupea
وقليبية سماها الرومان CipeaاوClupea وهذه اللفظة لاتينية ومعناها المجن ايضا وهو ترجمة لكلمة اسبيس Aspis اليونانية . وقد يعود اسم Clupea الى عهد الحرب البونيقية الاولى (264-241 . ق . م ) حيث احتل قلعة قليبية القائد الرومانى ريغيلوس وفتح المدينة ونهبها وحطمها حوالى سنة 256 قبل الميلاد وقد نهب جنوده منازل الشيوخ الريفية هناك واستولوا على الماشية واستعبدوا آلافا من السكان البونيقيين (3) . ولم يطل هذا الاحتلال فقد انهزم الرومان بعد ذلك بقليل امم البونيقيين فاسترجعت المدينة حريتها من جديد . ثم حاول القائد الرومانى فاليريوس الاستيلاء عليها من جديد خلال الحرب البونيقية الثانية ( 218-201 . ق . م ) لكن جهوده ذهبت ادراج الرياح وضاع سعيه سدى فاصطدم اسطوله مع اسطول البونيقيين فى عرض البحر بقليبية فارغم اسطوله على الخروج من المياه الاقليمية القرطاجنية وعلى الرحيل.
وفى أيام الحرب البونيقية الثالثة ( 149-146 ق . م ) عزم الرومان على لاستيلاء على قليبية فحاصرها بقواته العظيمة الحرارة البحرية والبرية كامل صيف سنة 148 ق . م . بقيادة القنصل الرومانى بيزو رغم ذلك لم تستسلم عندما استسلمت نابل وبنزرت وانما بقيت وفية لقرط ج صامدة بفضل قلعتها
" البرج " الحصينة المنيعة ولكن ما ان اتت سنة 146 ق . م . حتى سقطت مثل قرطاج تحت يد القائد الرومانى شيبيون الاصغر المعروف بشيبيون الافريقى ، وكانت القيادة الرومانية امرت بتحطيم المدن التى بقيت مخلصة لقرطاج بعد نهبها فخربت نابل وبنزرت وقليبية فقد احرقها الرومان وعات فيها فسادا وحطم قلعتها ايضا رغم وعده الصريح من قبل بان لا يمسها بسوء ولا يتعرض لها بمكروه .
وعاشت قليبية الحرب الاهلية التى مزقت صفوف الرومان ايام القائد ماريوس وخاصة فى عهد يوليوس قيصر الذى عاش فى القرن الثانى قبل الميلاد وبعد ان وضعت هذه الحرب اوزارها ومسك قيصر بزمام الحكم كان لمدينة قليبية عهد جديد فقد احاطها بعنايته واهتمامه ورفعها الى رتبة المستعمرات الرومانية بما يتضمن ذلك من حقوق وامتيازات لسكانها فاصبحت مدينة عظيمة خاصة وقد أسس قيصر سنة 39 . ق . م مستعمرة بقليبية بقرب مدينة قديمة (4) . فبدأت بذلك تنتعش من جديد ويظهر فيها نشاط اقتصادى نشيط ولعلها بلغت اوج عظمتها خلال القرنين الثانى والثالث بعد الميلاد شان غالب المدن الافريقية التونسية .
كانت الحياة الاقتصادية بقليبية حتى هذه الفترة طيبة ومزدهرة لما تتمتع به من فلاحة متنوعة وخصبة ذلك ان اول ما زرع البربر من الاشجار وبالوطن القبلى وبقليبية شجرة الزيتون وذلك قبل مجىء الفينيقيين الى البلاد التونسية وبدل على ذلك اسم بلد " ازمور " باحواز قليبية وازمور هو الزيتون فى اللغة البربرية . ولما جاء الفينيقيون الى افريقيا التونسية جلبوا الى الوطن القبلى زراعة الكروم والتى والحبوب والخضر فازدهرت الفلاحة وصارت قليبية ومنطقتها من اعظم المناطق الزراعية استهلاكا وتصديرا ووجدت الصناعات التقليدية من تصبير ونجارة وحدادة ونسج صوف وقطن وكتان وبردى وخصوصا ما يصلح للفرش والغطاء واللباس والملاحة وبذلك أضحت قليبية مدينة تجارية عظيمة ومرسى نشيطا للتبادل التجارى وللصيد ومركزا حربيا هاما ذا خطر .
وفى سنة 439 ميلادية احتل الوندال البلاد التونسية فكان ذلك مأساة لكل البلاد فاضرت ولا شك بقليبية ايضا فتقلصت العمارة وانهارت البناءات
الشامخة بانهيار الاقتصاد وانعدام الامن والطمأنينة وتأخرت الزراعة والانتاج ورغم ذلك فان مدينه قليبية بقيت مركزا ذا قيمة حتى بعد دخول المسلمين اليها كما يبدو ذلك فى النصوص العربية فقد ذكر ياقوت (5) ان الروم لما زحف عليهم العرب الفاتحون تجمعوا فى مدينة قليبية وما حولها ثم رحلوا منها بحرا الى جزيرة قوصرة Cossura التى هى جزيرتان صغرى وكبرى وتبعدان عن قليبية بنحو سبعين كيلو مترا شرقا وتظهران للعين المجردة فى الايام الصاحية (6)
قليبية بعد الفتح الاسلامى
كان المؤرخون والجغرافيون العرب يكتبون كلمة اقليبية بالف قبل القاف الساكنة لسهولة النطق بالساكن وظلت كذلك تكتب الى اوائل هذا القرن حيث كثر حذف الالف منها ثم هجر تماما الآن
وكانت مدينة قليبية خلال الغزوات الاسلامية لفتح البلاد التونسية المرسى الكبير الذى يفر منه اهل قرطاج واهل الوطن القبلى من نصارى البربر والفينيقيين والرومان الذين اختاروا الانتقال الى قوصرة وصقلية وسردانية وجنوب ايطاليا وغيرها ولكن كثيرا منهم بقى بمدينتنا لاسباب مختلفة فانتعشت بذلك قليبية فى الحياة العمرانية والاقتصادية والوطن القبل عامة.
وفى القرن الاول الهجرى كانت قليبية - نظرا لموقعها الحربى الممتاز - نقطة الانطلاق للاسطول الاسلامى الناشىء لفتح الجزر البحرية المجاورة ولعلها أضحت ذات حركة فتح واقتصاد ناشطة جدا وذات نشاط بحرى حربى هام ولعل اسطول قليبية القديم جدد شبابه ايام حسان بن النعمان منذ سنة 77 ه وما ان اتى القرن الثانى الهجرى حتى ازدهرت قليبية بحريا واقتصاديا وعمرانيا فقد اكثر المسلمون ايام الدولة الاغلبية من زراعة الكتان والبردى والقطن فى الوطن القبلى لصناعة الحبال والقلوع للاسطول ويبدو أن القمة الحضارية فى القرون والعصور الاسلامية السابقة بلغتها قليبية فى عصر
العبيديين الذين غزا أسطولهم شواطئ الجزر الاوربية سنة 935 م . وغيرها وخاصة فى عصر الفاطميين الذين كانت لهم السيادة البحرية المطلقة على البحر الابيض المتوسط (7) .
ظلت قليبية مزدهرة الى زحفة بنى هلال على البلاد التونسية منذ سنة 1051 م فقد كانت فى اوائل القرن الحادى عشر الميلادى ذات رخاء كبير وثراء واسع وانتاج نشيط متنوع وكثرت رحلات التجار بينها وبين صقلية وايطاليا وغيرها من جزر البحر المتوسط (8).
ان زحفة بنى هلال اثرت بلا شك على ازدهار قليبية وعمرانها فاصابها ما أصاب جميع البلاد التونسية من الخراب الاقتصادى والتأخر العمرانى والاجتماعى والتقهقر الشامل خاصة ان قبائل بنى هلال سكنت بكثرة كاثرة مدينة قليبية وضواحيها ويدلنا على ذلك كثرة الاماكن وضيعات الارياف التى سكنوها وامتلكوها فسميت باسماء قبائلهم ، ومن ذلك الزيتون العتيق المعروف " بزيتون الكعوب " الذى بنى فى مكانه اخيرا مقر معتمدية قليبية الحالى , والكعوب هم قبيلة هلالية ومنهم الآن كثير بولاية القيروان ، ويدلنا على سكنى قبيلة اخرى منهم بمدينة قليبية " زيتون مرداس " العتيق الذى صار الآن حى الزهور الشرقى بقليبية ، ومرداس هى قبيلة من بنى جامع بن عوف وقبيلة عوف هذه من بطون بنى سليم الهلالية (9). وبنو عوف هؤلاء كانوا فى العقد الثالث من القرن السابع الهجرى " القرن الرابع عشر الميلادى " - يسيطرون على سائر ضواحى البلاد التونسية وتغلبوا عليها قهرا . وكان من سياسة السلطان ابى زكريا الحفصى ان اختص بالولاية منهم اولاد جامع المرداس وقومه (1) .
فى هذه الفترة صارت البلاد التونسية منذ الزحفة الهلالية نهبا بين بنى هلال في الداخل والنرمان في السواحل فقد انتهز النرمان ضعف الدولة وزحفة بنى هلال عليها فهاجم السواحل التونسية وفيما بين سنتى ( 1080-1108 )
وقعت من طرف النرمان غزوة على مدينة قليبية وقلعتها فاحتلوهما وذلك فى ايام تميم بن المعز بن باديس ( 454-501 ه ) وحاول تميم ان يسترجع قليبية فلم يوفق . وبعد وفاته تولى ابن يحيى حكم البلاد (11). وهيأ الظروف اللازمة لاسترجاع المدن الساحلية وغزا مدينة قليبية فهزم النرمان وفتحها كما يقول ابن ابى دينار (12). " ولما استوثقت له الامور عدل فى رعيته وجرد عسكرا الى قلعة قليبية ففتحها وكان ابوه لم يقدر عليها " .
ودأب النرمان على غزو السواحل التونسية فى القرن السادس الهجرى فاحتلوا سوسة وصفاقس سنة 536 ه . والمهدية سنة 543 ه . ولم يلبث النرمان ان ملك معظم الثغور ولم تنج مدينة قليبية من غزواته فقد غزاها روجار ملك صقلية النورماندى سنه ( 542 ه - 1147 م ) ولكنه خاب فلم يفتحها لمناعة قلعتها وكثرة القوة التونسية التى دافعت عنها ، يقول ابن أبى دينار : " نازل ( روجار ) قلعة قليبية فلم يقدر عليها لتجمع اكثر العرب فيها " (13) . وقد ظلت قليبية بعد هذا التاريخ بأكثر من قرن تتمتع بمكانتها المرموقة وازدهار اقتصادى وعمرانى لاباس به بحيث اختار كثير من مسلمى مالطة السكنى والاستقرار بها وبغيرها من مدن الساحل التونسية وذلك عند اجلائهم من مالطة سنة 124م (14) .
وفى ايام ابى حفص عمر الحفصى ( 1282-1293 ( اصبحت البلاد التونسية لضفعها وعجزها عن الدفاع عن نفسها - عرضة لاعتداءات متكررة يقوم بها بحارة صقلية وجنوب ايطاليا ( مملكة نايلى ) باذن ملكها ملك ارغونة الاسبانى وكان اهم تلك الهجومات على السواحل التونسية هو احتلالهم جزيرة جربة لمدة نحو نصف قرن ( 683-740 ه - 1284-1339 م )
لم يكتف اولئك الغزاة بذلك بل شنوا غارات كثيرة على عدد من مدن السواحل بما فيها مدينة تونس العاصمة وقليبية ، ولعل ما اصابها من النهب
والتخريب والاسر والسبى قضى على آخر ما كان بها من حياة ذلك بان المقصود من تلك الغارات انما كان فى الغالب النهب والقرصنة وبث الرعب لا النزول والمكث كما كانت أحيانا تقع بمبادرات بعض القواد البحريين وبلا اذن مسبق من السلطة العليا .
ان تلك الاحداث الجسام والظروف العصيبة تعاضدت معها عوامل خطيرة اخرى عجلت بخراب قليبية وتحطيمها كتغلب اعراب بنى هلال عليها الذين تغلبوا على القرى والارياف لما ضعفت الدوله الحفصية وذلك منذ اواسط القرن الثالث عشر ولم يكسر شوكتهم بعد استقلالهم بالحكم نحو قرن من الزمن وعيشهم فى البلاد فسادا الا ابو العباس احمد الحفصى ( 1037-1394 ) يقول فيه ابن ابى الضياف (15): " وكبح الاعراب عن التغلب وانتزاع ما بأبديهم من القرى والاقطاعات " . وربما انتقم من مدينتنا كغيرها بعض الامراء الحفصييين لانتصارها لبعضهم على بعض عندما تنازعوا الحكم او لانتصارها حينا لبعض الثائرين عليهم كالدعى بن ابى عمارة الذى استولى لمدة نحو العامين على سلطنة الحفصيين سنة 1283 ، فمثل هذه الاحداث تسرع بخراب البلدان وتحطيمها بلا ريب .
فبعد ان خربت يومئذ مدينة قليبية العتيقة ظهرت للوجود فى النصف الاول من القرن الرابع عشر مدينة قليبية الحديثة الحالية خليفة للاولى على بعد نحو اثنين من الكيلومترات شماليها كى تكون فى مأمن من مفاجآت العدو وهجوماته .
سكان قليبية
لقد سكن البربر قبل الاسلام مدينة قليبية ومنطقتها ، ونعلم ذلك من كلمة "هوارية " مثلا ، فهواة هى قبيلة بربرية وهى اكبر قبائل اللوبو او الليبيين الاولين الضاربين بليبيا واليهم تنسب بلدة الهوارية ، فقد استوطنت هذه القبيلة بالوطن القبلى فى عصور قديمة جدا ونعلم سكنى البربر بهذه المنطقة من الاسماء الاخرى ذات الصبغة البربرية لبعض الاماكن ، وهى غالبا تفتح بتاء وألف ( تا ) التى هى أداة التعريف فى اللغة البربرية بمعنى ( ال ) فى اللغة
العربية ومنها بقليبية وضواحيها تاهرت بمعنى اللبوة وتاوشت بمعنى الذئية وتامزرات اسم قبيلة بربرية وكذلك تافلون ، وتاقديمان وعين تاقردوش وتافردة وتافخسيت وتازمور بمعنى زيتون وازغران بمعنى الحمراء وافلفرت وتابودة .
وقد سكن قليبية وكل المنطقة بلاشك اجناس الفاتحين من فينيقيين ورومان ووندال ويونان وعرب ثم بعض المسلمن المطرودين والفارين من جزر البحر المتوسط كجزيرة قوصرة وجنوب ايطاليا ومالطة وحتى سردانيا الخ . وبنو هلال الذين عمروها كثيرا جدا والذين سميت لذلك باسماء قبائلهم وبعض بطونها الاماكن التالية بقليبية وضواحيها مثل : منزل ابراهيم ومنزل عيسى ومنزل لحية ومنزل بلقاسم ومنزل تميم ومنزل حر وبنى خنيس وبنى حماد الاقرع وبنى رزين وبنى عياش ، وبنى خطار وبنى مالك وبنى رياتل وأبان وبنى خيرة وبنى عبد العزيز وأولاد امحمد الذين منهم سكان وادى الخطف وهم ابناء عمومة لاولاد سعيد بالساحل .
عمارة قليبية وآثارها
لعل الشئ الذى لا ريب فيه ان مدينة قليبية العتيقة كانت محاطة بسور حصين شأن غيرها من المدن فى تلك الفترة من التاريخ ، والذى يلفت النظر فى هذا الشأن انها كانت متصلة ومرتبط بالقلعة ( أى بالبرج ) الواقعة على الجبل شرقيها بطريق طويل يهبط منحدرا فى خط مستقيم من القلعة بأعلى الجبل الى المدينة بسفحه . وهذه الطريق هى مسلك طويل نحو مائتى متر فى عرض اربعة امتار واقع بين جدارين يرتفع كل منهما نحو خمسة أمتار وفى سمك ثلاثة أرباع المتر . حدار متين البناء جدا من الشمال وآخر مثله من الجنوب ، ويمر هذا الطريق بينهما الى الغرب من الركن الشمال الغربى للقلعة حتى يتصل بالمدينة ، ويسميه العامة " ممشى بنت الرى " أى طريق بنت الملك ، ولعل دوره كان يتمثل فى نجدة حامية المدنية من قبل الجنود المرابطين بالقلعة ( بالبرج ) ساعة الحاجة ماديا وعمليا وما الى ذلك ، وهذان الجداران ما يزالان موجودين اليوم فى تهدم كبير على طول اكثر المسافة المذكورة وهو جدير بالدراسة والكشف عن الدور الذى كان يقوم به فى حياة مدينتنا قليبية التاريخية الطريفة والذى لم ينتبه اليه اى احد حتى اليوم بل ظن الناس انه كان طريقا تمشى فيه بنت ملك الرومان الى حمام هناك غربى مدينة قليبية العتيقة وهى فكرة بلا شك اسطورية.
آثار مدينة قليبية العتيقة الاثرية كثيرة جدا ، وقد عرف العامة منها الكثير على مر العقود من السنين كبناءات عديدة ذات اسطوانات مختلفة القيمة وارضيات جميلة التزويق والزخرفة ، وقناة الماء الصالح للشراب المجلوب من مكان بعيد ، ومقبرة رومانية بجانب المدنيه الشمالى وبقبرين منها صندوقان من الرصاص بهما هيكلان انسانيان ، ودواميس كثيرة وجد أحدها ، وكان فسيحا جدا ، مليئا بالجماجم الانسانية فقط دون بقية الهياكل .
لقد عنيت ادارة الآثار التونسية منذ أواخر الستينات بآثار مدينة قليبية التاريخية فكشفت بها عن بناءات كثيرة هامة يعود بعضها الى عهد الرومان بها كتابات لاتينية عديدة ، ومنها منزل فخم ذو صحن يحيط به رواق تفتح عليه قاعات وبه مدرج يفضى الى طابق اعلى يشرف على البحر ذى قاعات ايضا . وبهذا المنزل ألواح من المزوق Mosaique بديعة الالوان والاشكال الهندسية بها صور لحيوانات مختلفة كالنمر والديك ، ومن البناءات التى تم الكشف عنها البطحاء التى كان يشرف عليها معبد الكانتول واسطوانات مرمرية ضخمه قيمه ذات رؤوس بديعة الزخرفة متقنة الصنعة ، وحجارة مرمرية أيضا كبيرة كانت تزين واجهات متعددة بها نقوش جميلة جدا وزخرفة رائعة الخ .
مرسى قليبية
كان لمدينة قليبية العتيقة مرسى عظيمة تجارية وحربية لعبت مع القلعة دورا هاما وكبيرا جدا فى ازدهار المدينة والدفاع عنها وعن كل هذه الجهة الشرقية من الوطن القبلى ودامت لها تلك الاهمية الدفاعية حتى القرن السادس عشر ايام الصراع الاسبانى التركى على البلاد التونسية ، ولكن هذه المرسى اندرست معالمها وتنوسيت عند كل الناس جميعا وقد بحثت عن وجودها وعن مكانها حتى اهتديت الى معرفتها دون اى انسان آخر ولم اصرح بذلك الا الآن ، فاذا هى تقع براس مصطفى جنوبى مدخل الميناء الحالى بقليبية ، وهى اليوم تظهر واضحة لكل متأمل رغم تهديم مياه البحر للحاجز الصخرى الواقع جنوبيها والذى يفصلها عن البحر .
ابن هذه المرسى حوض مستطيل كبير محفور ومنحوت فى الحجر بعمق نحو عشرة امتار وممتد الى الغرب نحو مائة متر فى عرض نحو ثمانية وعشرين مترا وان مما لا شك فيه انها كانت تمتد الى الغرب اكثر من ذلك ولكن البحر هدم مقدمتها الغربية وابتلعها بتطاول القرون ويعرف هذا الحوض الكبير الذى لم
يتفطن اى انسان لحقيقته عند العامة اليوم " بدويرة سيدى الغازى مصطفى البحرى " الرابض مقامه بحافته الشمالية على نحو عشرة امتار منه .
اليوم لم يبق من الحاجز الصخرى الطبيعى الفاصل بين هذه المرسى جنوبا وبين البحر الا بضعة امتار من صخور متآكلة ومفلجة على طول نحو مائة مترو وذلك بسبب مياه البحر وامواجه العاتية طيلة قرون عديد ، ونشاهد اليوم بعض الحجارة ملقاة بهذا الحوض تحت الماء يبدو أنها القيت فيها قصدا ولعل بعض السفن ملئت بالحجارة والتراب واغرقت فيها قديما بقصد تعطيلها عن اداء رسالتها فى التجاء السفن الحربية اليها ساعة الخطر واحتمائها من أمواح البحر ، فلقد كانت هذه المرسى طيلة عديد القرون حصنا منيعا للاسطول البحرى والصيدى من اغارات العدو فهى لذلك جد قمينة بالدراسة الجدية والتعريف بتاريخها المحيد من قبل رجال الآثار التونسيين .

