فى أمسية من أماسي أواخر شهر المحرم الماضى ، فى ليل صفا جوه ورق نسيمه ، انتهزت الفرصة فذهبت اليه بداره في شارع القشاشية القريبة من المسجد الحرام ، وكان الليل ثلاثاء حيث لا يلقي دروسا بالمسجد الحرام ، فاستقبلني هاشا باشا . . انه رجل وخط الشيب رأسه وعارضيه معتدل القامة ربيعة قوى النبرات ، صريح العبارات ، يفيض بها فيضانا تلوح عليه سيما الهمة الجادة ، والعزيمة الصادمة . . الى العلم والاخلاص والصلاح . . ذلك هو فضيلة الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف العام .
وما هي الا هنيهة واذا به يتحدث في طلاقة واتساق عن آرائه فى اصلاح التعليم ، وبرنامجة فى نهضة المعارف . انه كرجل مسئول يشعر بعظم العبء الذي القى عليه ؛ وانه ليشعر بالحاجة الى الاستزادة من العلم ، ويرى ان قيامه بهذه المهمة من أعظم القربات ، وأفضل المهمات وبدأ الحديث يقول : -
اننا نريد نهضة علمية شاملة ، تشمل ناحيتي الدين والدنيا . تشمل ناحيتى العلوم الدينية والعلوم الحديثة معا . فلا نريد علما دنيويا متجردا من الدين ، ولذا فمن واجبنا ان نسعى الى " تقوية " العلوم الدينية بالمدارس جمعاء ، كما يجب علينا ان نسعى الى " ترقية " العلوم الدنيوية فى تلك المدارس . فحيث يتسق دين ودنيا ، ويجتمع علم ديني ودنيوي ، تنهض الامة وترتفع الى المستوى الشامخ . وبالاعتصام بالدين وعلوم الدين تأمن الأمة شر كبوات الفساد والانحلال الخلقي والاجتماعى ، وتنال السعادة فى الآخرة . وبالدنيا وعلوم الدنيا تنهض الامة بمقوماتها ويرتفع مستواها الى المكانة اللائقة بها كأمة لها تاريخها ولها امجادها فى العالم
ان المدارس الحكومية اليوم قد بلغت ثمانيا وستين مدرسة بالمملكة العربية السعودية فى شتى انحائها ومقاطعاتها ، وستبلغ الثمانين بالمقرر فتحها ان شاء الله . وهي اما ابتدائية واما ثانوية . فتحضير البعثات والمعهد العلمى
السعودي مدرس ثانويتان لكل منهما اتجاهها الحميد . . هذه للعلوم الدينية ومعها مبادئ العلوم الدنيوية . وهذه للعلوم الحديثة والعلوم الدينية معا . وان الفكر متجه الى زيادة عدد المدارس بحسب التدرج والامكان حتى ننشئ " جامعة " ترفدها مدارس عالية كافية .
وان جلالة الملك المعظم حفظه الله وايده لهو المشجع الا كبر لنهضة المعارف وتقدم العلوم في مملكته الفتية الناهضة وهنا قاطعته قائلا :
- هذه خطوة طيبة . فقد كنا نعهد المدارس الحكومية قبل سبع سنوات ستا وأربعين مدرسة فحسب ، فكانه زيدت اثنتان وعشرون مدرسة فى هذه المدة .
فقال :
- اجل . واننا لنرجو المزيد ، ولا نقصر فى هذا المزيد ، ولنا من توفيق الله سبحانه وتعالى ثم من عطف جلالة الملك على العلم ما ترجو ان يمهد لنا الطريق السوي ان شاء الله للوصول الى ما نصبو اليه من نهضة علمية شاملة . وقد صدر الأمر العالي اخيرا بالموافقة على تأسيس مدرسة بالرياض وطلبنا من جلالته الموافقة على تاسيس اخرى بالاحساء او تعزيز الحاضرة وانشاء فصول خاصة بالتوحيد والفقه وعلوم العربية بها ، فوافق جلالته على ذلك كما وافق على انشاء فصل فى مدرسة الرياض يكون للتوحيد والفقه والتفسير والحديث وعلوم العربية كالنحو والصرف .
والجنوب ايضا . آبها . جيزان . القنفذة . وغيرها . هذه الناحية أيضا سنسعى الى زيادة مدارسها وحسين مستواها لتساير النهضة العلمية المرتقبة باذن الله .
وكذلك الامر في المدينة . فالمدينة بلد العلم ومهبط الوحى فيجب ان يكون العلم بها راقيا ونافعا .
وكذلك جده . والطائف . وينبع . ورابغ . وعنيزة . وبريدة . وحائل .
وسائر نواحي المملكة القريبة والقصية . . سنسعى الى ايجاد نهضة علمية شاملة فيها جميعا ان شاء الله .
اننا نريد النهضة الحقيقية للعلم والمعارف . ولا نريد كلاما لا حقيقة له . تزيد ان يتخرج من المدارس الاكفاء المتدينون المقتدرون . وسنأخذ من المعهد العلمى السعودي من نلمس فيهم الكفاءة من متخرجيه للمشاركة فى هذا السبيل . ولا تقتصر الرغبة فى انهاض المدارس الحكومية وحدها . بل يجب ان تشمل هذه النهضة المدارس الأهلية التى هى قائمة بحظ طيب من هذا الشأن .
اما البرنامج الذي رأيت السير عليه فيتلخص في خمس مواد هي :
اولا - لا نقبل الوساطات والشفاعات فى ثعيين المدرسين او الموظفين فى المعارف . بل لا بد من ثبوت الأهلية والكفاءة بالاختبار وذلك من باب الاحتياط فى كفاءة من يلقي اليهم زمام اصلاح النشء وتعليمه والنهوض به .
ثانيا - لا نكتفى بالشهادات وحدها . فمع الشهادات أيضا يختبر المتقدم بطلب التعيين لتأمين ثبوت كفاءته فيما سيناط به من مهام التعليم
ثالثا - اصلاح الكتب الدراسية وان تكون من مؤلفات العلماء المشاهير الثقات .
رابعا - مراقبة المدرسين والمتعلمين بالدقة فى أن أن يقوم كل بعمله خير قيام خامسا - تطبيق المناهج المصدقة من قبل الحكومة بالعناية التامة لضمان الفائدة المنشودة .
واخيرا فان نهضة المعارف والتعليم يجب ان تشمل ناحيتي الدين والدنيا معا ، لتؤتى ثمارها المباركة زاكية طيبة وليقوم بنيانها على اسس قوية صالحة رشيدة فيرتفع البنيان في استقامة واحكام ، واننا لا نقبل شيئا من امور الدنيا المخالفة للدين " .
وهنا أذن لصلاة العشاء . فانتهي حديث فضيلة مدير المعارف العام واستأذنت منه شاكرا له حيال هذه المعلومات الهامة وراجيا له التوفيق فى القيام بمهمته على خير الوجوه وراجيا للمعارف نهضة شاملة وهذا العبد السعيد . ومن ثم نزلنا لصلاة في المسجد الحراء . وكان ذلك مسك الختام

