الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مدينة العم جابر

Share

1

عمل المهندسون حولا كاملا وعبثا حاولوا اقناع العم جابر أن مدينة بلا نوافذ وأبواب ستختنق وان الاطفال سيبحثون عن الشمس وسيتسلقون الاسوار المرتفعة ، فقد أصر ان تكون المدينة على أعلى الجبل بلا نوافذ وأبواب حتى لا يدخل اللصوص ولا يسرقوا أحمال العنب التى تتعب بغال العم جابر وقد تعودت فى كل يوم أن توصل عبئها بدون أن تمتد اليها الايادى وحتى لا يتكشفوا الحريم لان حريم المدينة يجب أن يكون للمدينة

وكان العمل . . تبرع الفلاحون والصناعون والموظفون بعمل حول كامل وبنوا المدينة ولكنها كانت كالسجن بلا نوافذ وأبواب سوى باب حديدى يمر منه الملاحون عبر البحر غربا لتهريب أموال العم جابر

ومرت السنون على مدينة العم جابر وكان الاطفال والنساء والرجال يكدون ويعرفون ، ويشبعون ويجوعون لكنهم لم يفكروا يوما أن يخرجوا على طاعة سيد المدينة وان يسرقوا من أحمال العنب والزيتون التى تتعب كل يوم البغال التى تمضى الى السوق

لسيد المدينة سانية عنب لم تعرف العطش يوما رغم الجفاف الذى يصيب المدينة كل سنة او سنتين ويترك أرض الفلاحين بورا خلاء اذ لا يفيدها عرق ولا نتل مسحاة .

لسيد المدينة فدادين العنب والزيتون . وكان باب المدينة الحديدى يفتح فى كل فصل من السنة ليفرغ الملاحون شحن الآلات الميكانيكية التى عبرت البحر لتصعد الماء من جوف الارض وتسقى فدادين القمح والزيتون والعنب وكان الفلاحون يقولون : العم جابر حفيد الاولياء الصالحين وخيرات الاجداد تبقى للاحفاد ، أما نحن فعرق أجدادنا سقي أرض الاولياء ولم يبق لنا الا العرق وكان العم جابر يقف فوق المنبر ليخطب فى الفلاحين وهم يصلون صلاة الاستسقاء . كان يقول :

أرضكم لا ينفعها الا الله ، صلوا واستغيثوا واستزيدوا لعل الله ينزلها غمامة صفراء حمراء وتكون غمامة صفراء حمراء تنزل التراب على الارض التى تقول : أريد الحديد يمزق صلبى حتى انفجر كما انفجرت أرض العم جابر ويظل الفلاحون صابرين لان سيد المدينة من رجالهم فماذا يقولون لرجل حفيد الاولياء الصالحين جعلوه سيدا فبنى مدينة بلا نوافذ وأبواب

2

قال المخرف : فى مدينة العم جابر عمال وفلاحون وموظفون وملاحون . وكان كلهم يعتقدون ان العم جابر سيظل سيد المدينة بلا منازع ، ألم يشر اليهم ببناء المدينة ، ألم يقد بنفسه الاشغال رغم نصائح الاطباء ، وكان يقول لهم المهندسون ، مهندسون لا يعرفون الا الخطوط الطويلة والمستديرة ولكن منطق رجال السياسة يختلف عن منطق المهندسين : المدينة ستظل بدون نوافذ

ولم ينفك يترأس الاشغال حتى تجاوز البناء مواضع النوافذ وعندها ارتاح قائلا : الآن فقط أمنت شر المهندسين

ورغم غضب المهندسين والموظفين فرح فرج كما فرح الفلاحون فهاهو ينظر لى زوجته الشابة قائلا : ياوليه ، البركة فى العم جابر ، الآن أمنت عليك ، لن أخاف اللصوص ، باب المدينة حديدى والداخل والخارج باذن من سيد المدينة .

لكن ظل معترفا بحكمة سيد المدينة فوقف معه فى صلاة الاستسقاء ولم يجرؤ على أن يقول له : ليس هذا حلا لمشكلتنا يا عم جابر ولم يجرؤ ان يقول له : انى جائع زوجتى وأولادى يسكن الجوع فى عيونهم ولم يجرؤ أن

يقول أيضا : أنت كاذب يا عم لانك تعلم أن المطر يستعصى علينا مرة بعد اخرى وانت تدعونا الى صلاة الاستسقاء

وكان ينظر الى بغال العم جابر وهي تعبر الشوارع منفردة بلا حراس ويرى الرجال والاطفال والنساء يوسعون لها الطريق وكانت تقف عند السوق حيث يأخذ حملها الملاحون ويفتحون الباب الحديدى لكى يعبروا به البحر

قال المخرف :

ومع ذلك ورغم كل شئ كانت مدينة العم جابر مدينة فاضلة ، ترى البغال تشق الشوارع منفردة محملة بالعنب ولا تمسها يد وكان الناس يموتون جوعا وعطشا على قارعة الطريق ويرون البغال تعود فى أعدالها الذهب والفضة ولا يفكرون فى اغتصابها ولا يحاولون . لكن " فرجا " كانت تخامره فكرة خطير منذ أيام وهو يرى أطفاله لا يجدون ما يأكلون : لماذا لا نسرق شيئا من أموال العم جابر ، أبناؤه يأكلون وأبناؤنا يموتون ؟

لكن كيف تحدثه نفسه عن السرقة ولم يسرق أحد فى المدينة منذ اقامتها ؟ واجتمع الفلاحون فى بيته ثلاثة أيام يبحثون فى أمرهم . وبعد الجدال رفضوا فكرة السرقة : كيف يسرقون سيد المدينة وقد أمنهم على بغاله وأمواله وفكروا جميعا فى مقابلة العم جابر

3

رفض العم جابر استقبال الفلاحين فى بيته واعتبر اجتماعهم تطاولا على سلطة المدينة وتجاوزا لأسوارها وأمر حراسه أن يجلدوا " فرجا " وأصحابه مائة جلدة وأصدر قرارا بمنع التجمع فى الشوارع العامة حتى يكونوا عبرة لمن يجرؤ على أن يرفع صوته فى وجه العم جابر ، فكيف يشكوه هؤلاء الناس وقد بنى المدينة ورفع أسوارها ؟

وعاد " فرج " والفلاحون الى دورهم وقد دميت أقدامهم وقد اقتنعوا جميعا أن سيد المدينة قد اخل بواجبه فقد تبرعوا بعمل سنة كاملة وهم الذين جعلوه سيدا عليهم وها هم الآن يموتون جوعا وبغال العم جابر تمر محملة بالخيرات ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئا .

تزعم " فرج " الفلاحين . اتفقوا على أن يجتمعوا رغم اقدامهم الدامية لكن اجتماعهم هذه المرة سيكون سرا لانهم اصبحوا يخشون العساكر والحراس ولكنهم رغم العساكر والحراس سيجتمعون

واجتمع والفلاحون يبحثون عن حل لامرهم . واختلفوا . عند ذلك احد " فرج " أفقر الفلاحين الكلمة متزعما :

يا جماعة ، نحن بين أمرين ، اما أن نحطم الاسوار المحيطة بالمدينه ونخرج بعيالنا ونهم على وجوهنا فرحمة الله واسعة والرزق فى كل مكان او ان غلق الاسوار ونلقي القبض على الملاحين ونقتسم أحمال بغال العم جابر لان رزق المدينة يجب أن يبقى للمدينة

وضج الفلاحون ، كيف نهدم الاسوار التى بنيناها بعرق جبيننا ، كيف نهدم الاسوار التى تكاتفت فى تشيدها سواعد الفلاحين والعمال وعقول المهندسين . صحيح ، كانت الاسوار بلا نوافذ وأبواب لكن لا يجب أن تفتح مدينة على البحر والصحراء يسرقها الملاحون وقطاع الطرق . وقال الفلاحون بصوت واحد : لا للحل الاول . لا للملاحين وقطاع الطرق ، عند ذلك قال فرج " : رزق المدينة يجب أن يبقى للمدينة ، أرزاق العم جابر يجب أن توزع علينا ، الآلات الميكانيكية يجب أن تكون ملكا للجميع ، يجب أن تفتح أبوابا ونوافذ فى أسوار مدينتنا حتى يدخل منها نسيم البحر وريح الصحراء لكن العساكر والحراس يجب أن يقفوا أمامها حتى يدفعوا الملاحين وقطاع الطرق

وما أن انهى فرج كلامه حتى انقض عليه عيون العم جابر وقدم للمحاكمة وكان الفلاحون شهودا عليه ، وجلد مائة جلدة ثم قتل مشنوقا لانه يثير البلبلة فى قلوب الفلاحين الطيبين . وقال العم جابر : سدوا الطريق على هذا المارق وانتظروا رحمة الله ، فرحمته واسعة .

قال المخرف :

شنق " فرج " أبو الاولاد الخمسة على قارعة الطريق وظلت جثته ثلاثة أيام معلقة والناس يذهبون ويجيؤون يتشقون الرائحة الكريهة من جثة " فرج " وفى اليوم الثالث ضج الفلاحون وأحاطوا بجثة " فرج " . هذه الجثة يجب أن تأخذ مكانها الطبيعى من هذه الارض رغم العساكر والحراس ورغم العم جابر .

وللمرة الاولى يذعن العم جابر لسلطة خارجة عن ارادته ووقف مع الفلاحين يصلى على الرجل الذى أمر بشنقه على قارعة الطريق

( 4 )

قال المخرف

كانت مدينه العم جابر مدينة فاضلة ، ظلت بغال المدينة سنين طويلة تشق شوارع المدينة منفردة محمله بالعنب والزيتون ولا تصل اليها يد . وذات يوم وقفت البغال ولم تغادر المكان وظل العم جابر وأعوانه ينتظرونها يوما كاملا وفى نهاية اليوم بلغه أن يدا امتدت الى العدل وسرقت عنقودا من العنب كان الرجل جائعا .

قال المخرف : كان العم جابر وليا من أولياء الله الصالحين وعبثا حاول أن يجد اللص ليقص له يده اليمنى وعندئذ غضب غضبا ومد يده الى التراب وقال : يا رب هذه المدينة بعونك يجب أن تنقلب .

قال المخرف :

كان الله مستجيبا لاوليائه الصالحين وانقلبت المدينة وانتقلت من أعلى الجبل الى أرض منخفضة يغمرها الماء في كل سنة .

اشترك في نشرتنا البريدية