الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مدينة النحاس وقراب العودة

Share

أشرفنا عل نهاية المطاف حين كدنا نشرف على نهايتنا . . لاحت لنا المدينة بأسوارها الشامخة تزاحم بها السماء . . وبدت لنا أعمدتها الطويلة كأنها العمالقة أو كأنما هي فوهات مدافع . . . أو مداخن...

لم نستطع أن ندقق فيها النظر . . . أعيننا مرهقة أضناها السهر . . بطوننا خاوية . . ولو لم نكن على موعد مستمر مع السير والزحف لفكرنا في أن نشدها بحجر... مطايانا انهكها السير واضمرها الجوع والعطش حتى كلت وتراخت . . ولم يبق الا ان تنطق بحيف البشر . . . ولو كانت تنطق لما ترددت لحظة . .

وصلنا المدينة فاذا أفراسنا تتسمر أرجلها فى الارض فلا تتحرك قيد أنملة ... كأنما قوي المغناطيس تشدها . . واذا هي تميل برؤوسها يمنة ويسرة وتصهل صهيلا لا عهد لنا به . . واذا نحن مشنوهون لا ندرى أفى يقظة أم في حلم... مدينة أعظم من الصحراء التى قضينا فى قطعها أياما وليالي . . أسرارها من حديد وأبوابها من حديد . . وأمام كل باب حارسان من نحاس وبيد كل منهما سيف من نحاس ...

فوق المدينة عملاق أسود كأنه من الزبانية ، وقف ينفخ فى الصور: " من يحاول تخطى الاسوار يلق حتفه " .

تقدم جماعة منا بشجاعة تاركين أفراسهم . . أشفقنا عليهم لانهم أسياد قبائلنا وفرسانها . . توقعنا اننا لن نراهم الى الابد . . بل لم نشك في انها النهاية بيننا وبينهم . . فهذه قلوبهم فوق الاكف وعلى وجوههم الموت مخيم . . . وهم من ذلك غير مبالين . . تسلقوا الاسوار ببسالة تكاد تكون اسطورية . . وقفوا أعلاها ينظرون الى الاسفل بأعين شاخصة تكاد تفارق مواطنها . . .

اعتدل العملاق الاسود فى وقفته . . كشر عن أنياب بيضاء كبيرة كأنها صخور ناتئة . . . قهقه بصوت كأنه الرعد أو كالبركان يخرج صوته من الجبل . . . نظر الى القربان نظرة استهزاء وتحد وصاح فيهم : مرحي . . . مرحي ... واذا أصحابنا يهوون عن حالق الواحد تلو الآخر . . . . واذا بالهاوية تبلعهم آتية على آخرهم . . . واذا هم يذهبون ضحية للغاية التى سرنا من أجلها دهورا . . .

ثارت ثائرتنا . . وغلى الدم فى أعصابنا . . . لم تستسغ أفواهنا طعم الهزيمة . . . سرى الخوف فى صفوفنا بعد أن فقدنا قوادنا . . . وقام بعضنا يوصى البعض بالجلد ويرده الى صوابه . . .

صوبنا سهامنا نحو الحراس . . . أصاب بعضنا المرمى وأخطأ البعض . . .  غير أن الحراس لم يتحرك منهم ساكن . . . كأن شيئا لم يحصل . . .

وأعدنا الكرة . . فلم نلبث أن ولت النبال القهقرى نابئة . . . وتيقنا أنه المستحيل نطاوله وان مثلنا كمثل من أقبل على جبل يريد تخريبه بابرة . . . فولينا على أمل أن نعود بعد أن نتزود . . . وبلعتنا الصحراء من جديد موغلين فى طرق وفلوات كأنها خيوط بيت العنكبوت تشعبا .

قطعنا من الطريق أشواطا حتى أشرفنا على أجمة كان خوفنا منها شديدا إذ توقعنا السباع . . . وبينا نحن فى خوفنا وترددنا اذا بحماعة أشداء غلاظ بعضهم سمر والبعض الآخر فى لون الغراب ، يلتفون حول نار متأججة يبدو أنهم ينضجون عليها وعلا أو حيوانا يشبه الوعل... واذا هم يدخلون فى حديث فهمنا انه حديث جهاد ومغامرات . . فلم نشك فى أنهم قطاع طرق وأنهم سيسلبوننا أمتعتنا وأسلحتنا وينزعون عنا أثوابنا . . . بيد أن أحدهم تقدم نحونا مبتسما وكان ذا بأس ، طويل القامة ، قمحى اللون ذا شاربين عريضين ولحية كثة وعمامة بيضاء وسخة وشعر متجعد يغطى الاذنين وملامح وجه تدل على التمرس والخبرة وعلى الثقة بالنفس وعلى شجاعة لا عهد لنا بها . . تقدم نحونا قائلا : " إن شئتم أن تنزلوا علينا آمنين فافعلوا ! أين تقصدون ؟ " قلنا : " نطلب القبائل العربية ونستنجد بها لعلها تعيننا على خصمنا صاحب المدينة " .

- " ومن تكونون حتى تستنجدوا بالقبائل العربية ؟ " - " بيننا وبينها رابطة الدم ، هل أخطأنا الوجهة ؟ "

- " كلا وإنما عليكم مواصلة الطريق فلم تبق إلا مسيرة نصف يوم ." - " وهذا المكان ما يكون ؟ وانتم من تكونون ؟ " - " هذه الصحراء العربية ، أما نحن فغربان العرب."

حثثنا السير حتى أشرفنا على حي آهل فاذا نحن إزاء رجل عليه ملامح السيادة وسمات الملك يستعد للخروج الى الصيد وفرسه قائم عليه سرجه ولجامه ينتظر سيده بشئ من الضجر . . . فسألنا عن الرجل من يكون فقيل : امرؤ القيس صاحب كندة فتوسمنا فيه خيرا . . فسلمنا وانتسبنا فرحب بنا وسألنا حاجتنا فأطلعناه على أمرنا فامتثل واقفا وخطا خطوات فى بهو الامارة جيئة وذهابا وهو مطرق يعمل يده فى لحيته ولخطاه على أرض البهو وقع يدل على وقار منه وسلطان.

وفجأة هز رأسه نحونا ونظر الينا نظرة لا تخلو من صرامة وقال أريد أن أصدقكم القول : لقد بات ملك أبي مهددا وأخشى أن أضيعه فتعمل فيه الكلاب أنيابها . وها أنتم تلقونني وأنا فى حاجة ملحة الى نجدة القبائل. ولكن ليكن ما يكون " فلا صحو اليوم ولا سكر غدا . اليوم خمر وغدا أمر ! "

وودعنا وامتطي فرسه بسرعة كلمح البصر فاذا فرسه يكاد يطير والنقع من ورائه كالدخان واذا فرسه " جلمود صخر حطه السيل من عل ".

واصلنا المسير وأملنا يكاد يتحطم . . . ولما ابتعدنا قليلا عن الاحياء الاهلة وكادت البيداء تبتلعنا من جديد لاح لنا غراب آخر شديد عظيم الهامة كسر الشفتين مدجج بالسلاح يمتطي فرسا بيضاء . . فاستوقفناه فوقف فسألناه من يكون فقول : " أنا فتى بنى عبس . ما حاجتكم ؟ "

- " نريد أن نستعين ببنى عبس وما جاورها من القبائل العربية لمناوشة صاحب المدينة العظمى" .

" والله إني لأكاد وحدى أكفيكم شر صاحبكم هذا ولكن أما سمعتم تغريدا ؟ إنه صوت طائر أينما حللت فى ربع من هذه الربوع سمعته فيشجينى ! " ثم أنشد :

" يا طائر البان قد هيجت أحزاني

وزدتني طربا يا طائر البان "

وما كاد يتم إنشاد البيت حتى همز فرسه بحركة جنونية وأفلت يسابق الريح حتى لكأنه الخيال !

سألت محدثي مستوضحا - " وما شأنكم وهذه المدينة ؟ كأنى بكم ترمون صنع المستحيل فأين أنتم من عظمتها وشموخها ! وأين لحمكم ودمكم من حديدها ونحاسها ! والله إني لأخشى أن يكون مثلكم كمثل الرجل الذى حملوه رفع الصخرة الى قمه الجبل فاذا بلغ القمة دحرج الصخرة ونزل ليرفعها من جديد ! هكذا الى الأبد ! "

أجابني محدثي وكله يقين وثقة بالنفس : - " نحن قوم لا نؤمن بالمستحيل ولا نستبعد المعجزة " .

سيتصلب لحمنا ودمنا حتى يبلغا قوة الحديد والنحاس فنجعل لقصتنا مع المدينة وأصحابها نهاية ثم نرجع لنحتضن ترابنا قصتنا مع صاحب المدينة قصة أجيال ودهور . . . قصة مصير . . . قصة حياة وموت يأكلان معا على مائدتنا ويتسابقان لالتقاط رغيفنا . . . قصتنا مع العملاق الاسود ومع الحراس لا يمكن أن تهمل بل هى جديرة بأن تكتب بماء الذهب وتعلق على أستار البيوت المقدسة فى مشارق الارض ومغاربها . . فلتعلم يا رفيقى أن أصحاب المدينة أولئك الأوغاد قد أغاروا على قبائلنا فأغتصبوا أموالنا وسبوا نساءنا وقتلوا الشيوخ منا والعجائز وشردوا أطفالنا وصلبوا أهل الحل والعقد فينا . . . وملأوا ما طاب لهم من أكياس القمح الذي سها عن حصاده ودرسه آباؤنا وإخواننا واستنزفوا من أجلهم دمهم وماء وجوههم . . . لقد خلعوا خزائننا واحتجزوا العقود الملكية التى تثبت شرعية وجودنا فوق ترابنا . . ولم ينسوا أن يأخذوا كتبنا المقدسة بغية إحراقها وكذلك دواويننا وخطبنا ورسائلنا وتحفنا الثمينة التى خلفها أجدادنا فكنا نفاخر بها القبائل والامم . . . "

قلت لمحدثي :"وما غايتكم من محاصرة المدينة أترومون تخريبها ؟ " فأجابني محدثي الفدائى وقد أثرت فى نفسه الذكرى : " غايتنا لم تكن أبدا خلع صاحب المدينة عن عرشه أو تقويض ملكه . . . غايتنا كانت أن نسترجع قطع اللحم والدم التى قدت من أجسامنا " .

اشترك في نشرتنا البريدية