الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مدينة بجاية واثرها في الثقافة الاسلامية

Share

كان ذلك الشعب البربرى ، الذى يدعوه البرابرة صناق ، وينطق به  العرب " صنهاجة " ؛ اوفر قبائل البربر عددا ، واعظمها شأنا . وكانت شوكة بربرية رهيبة : امتدت مواطنها ما بين سلسلة جبال  اوراس وساحل البحر المتوسط على الخط الساحلى الذاهب شرقا لغرب من مصب وادى سيبوز بمرسى بونة ( عنابة ) إلى مصب وادى الحراش بخليج الجزائر شرقى سهول متيجة ؛ فى مسافة الف كيلومتر تقريبا . تلك هى شوكة " القبائل " الى شعبى كتامة وصنهاجة التين اعتزتا بمنعتهما وعددهما ومالهما من شدة البأس ، وطول الباع فى الملك ، كما يقول ابن خلدون

ولما اتصلت بالبلاد المغربية ، آتية من المشرق ، حركة الدعوة الشيعية ؛ ظاهرها سرا ، ثم ناصرها جهرا ، عامة " القبائل " من كتامة وصنهاجة . فكانوا هم الذين اطاحوا بالدولة الاغلبية ، واقاموا دولة الشيعة العبيديين .

و كان زعيم صنهاجة ، زيرى بن مناد ، بمقام ملك بين قومه ، فكان له مع العبيديين ، عند ثورة الخوارج من زناتة عليهم بقيادة ابى يزيد مخلد بن كيداد ، موقف مناصرة ذو شأن ، به ضمن المنصور اسماعيل العبيدى  ذلك النصر الذى انقذ به عرشه من على شافة الدمار ، فى منتصف القرن الرابع

وبتلك اليد التى اسدوها الى العبيديين ، عظم شان صنهاجة ، وتاكدت سيادة زيرى بن مناد فيهم ، وعظم شأن العمران الحضرى فى المدن الصنهاجية الاسلامية مثل اشير ومليانة وجزائر بنى مزغنى ( عاصمة الجزائر )

ولما اضطرب امر العبيديين ، فى اخريات ايام مقامهم بالمغرب ، بصمود المقاومة السنية لهم ، وعظمت الاحداث بالمغرب الاوسط ، قبل استقرار قرار المعز على نقل تخت ملكة الى المشرق ، كان لزيرى فى تلك الاحداث ، من عظيم المواقف فى خدمة العبيديين ، ما حمل المعز العبيدى على ان يولى ابن زيرى وخليفته فى زعامة صنهاجة ، وهو بلكين ، الذى ابدل المعز اسمه يوسف

وكناه بابى الفتوح ، وملك بلاد المغرب كلها ، باستثناء ليبيا وصقلية ، سنة 362 ثم اضاف اليه ليبيا سنة 367 ، فاصبح ملكه شاملا ما بين برقة ومضيق جبل طارق

وبذلك علا نجم صنهاجة ، وخلصت السيادة لها ، لا سيما وقد نزح اخوانهم من كتامة مع العبيديين الى المشرق ، ليكونوا هنالك عصبة الدولة الفاطمية فاصبحت صنهاجة وعلى راسها يوسف بن زيرى عماد الحكم فى بلاد المغرب ، مستقلة بالامر تحت السيادة العليا لفواطم مصر

ولما توفى يوسف سنة 373 خلفه فى ملك افريقية ابنه المنصور ، وتوزع بقية ابنائه : اخوة المنصور ، الولايات . وكان من جملتهم حماد بن يوسف الذى ولاه المنصور على عاصمتهم القديمة مدينة اشير

واستمر حماد على ولاية اشير ، بعد وفاة المنصور ، فى عهد باديس . وعظم استقلاله بولايه المغرب الاوسط . فاختط مدينة جديدة فى جبل عجيسة من سلسلة جبال الادنة اشتهرت بالاضافة اليه وهى " قلعة حماد " او " قلعة بنى حماد " التى تمصرت وعظم شأنها اول القرن الرابع

ودب التنافس بين مملكة صنهاجة بالقيروان وولاية بنى حماد فى القلعة حتى انتهى الى القطيعة والانفصال فى عهد المعز بن باديس

وكانت قلعة بنى حماد مدينة عظيمة مستبحرة العمران ، ذائعة الصيت فى القرن الرابع ، آهلة بالعلم والصنائع والحرف ، تشد اليها الرحلة من اطراف البلاد المغربية . فسرعان ما ضارعت القيروان او قاربتها . واعانها على الصعود الى تلك المنزلة ، القطيعة الناشئة بين الفاطميين بمصر وبنى زيرى بالقيروان ، فاستغل آل حماد تلك القطيعة ، ووثقوا صلاتهم مع الفاطميين فاتخذوا بدلك حصنا وقاهم بعض شرور الزحفة الهلالية ، زيادة على ما افادهم موقعهم الجبلى المنيع من حصانة فى وجه تلك الهجمة . وكان ذلك معينا على نشاط الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتعاظم الحضارة والعمران . وقد وصف ابو عبيد البكرى فى كتاب المسالك والممالك قلعة بنى حماد بانها يومئذ - منتصف القرن الخامس - كانت مقصدا للقوافل من الشرق والغرب ودار تجارة عظمى

ولكن تيار الزحفة الهلالية طغى حتى عجزت القلعة الشماء عن الوقوف فى وجهه . فقطعت الاعراب دونها طرق المواصلات وآل امر بنى حماد الى ما آل اليه امر بنى زيرى بافريقية ، فكما اضطر هؤلاء الى الخروج من القيروان ،

فاستقروا بالمهدية اضطر اولئك الى الخروج من القلعة ، والنزول عنها الى الساحل ، حيث اسسوا مدينة بجاية فى حدود سنة 457

كانت بجاية الى حد ذلك التاريخ ، ميناء حصينا يحميه جبل شاهق ، تأوى اليه قوارب لصيادى البحر من البربر ، وفيه بيوت لهم قليلة حقيرة

فلما ترك بنو حماد قلعتهم ، اتجهوا شماليها نحو البحر ، فاسسوا عاصمتهم الجديدة على ذلك الجون الحصين فى عهد ملكهم الناصر بن علناس بن حماد ، وسميت بجاية لذلك " الناصرية " ، واسس الناصر قصره المسمى " اللؤلؤة " وكان ، كما قال فيه ابن خلدون " من اعجب قصور الدنيا " وبنى الجامع العظيم و " المبانى العجيبة المؤنقة " واستقر هنالك سنة 461 واقبل الناس على سكنى " بجاية " او " الناصرية " واستعاضوا بالمواصلات البحرية عن المواصلات البرية التى قطعتها فتنة الاعراب فكانت بجاية كما قال ياقوت " دار مملكة تركب منها السفن وتسافر الى جميع البلاد " واعتز بذلك آل حماد واستفحل ملكهم وعظم شأن ايامهم . ونشطت فى ظلهم الحركة العلمية التى كان الجامع الاعظم مدارها . وتفتقت المواهب الادبية والملكات الشعرية التى كان قصر اللؤلؤة مجلاها . وزاد عمران بجاية اتساعا ، وحركة العلم والادب فيها نشاطا وانتشارا ، فى عهد المنصور ابن الناصر ، وفيه يقول ابن خلدون : " وهو الذى حضر ملك بنى حماد وتأنق فى اختطاط المبانى ، وتشييد المصانع ، واتخاذ القصور ، واجراء المياه فى الرياض والبساتين "

ولقد خلد شعر ابن حمديس الصقلى مبلغ نعمة الحياة فى قصر اللؤلؤة على عهد المنصور ، فى القصيدة الشهيرة وعين عيونها قوله

فلك من الافلاك الا انه

حقر البدور فا طلع المنصورا

ولما كانت بحاية قائمة فى كيانها الروحى على اطلال قلعة بنى حماد ، فانها كانت - كما كانت القلعة قبلها ، عاصمة من تلك العواصم الافريقية التى تسلسلت ، منذ تاسيس القيروان ، من روح المجتمع الاسلامى الواسع الذى تذوب فيه العصبيات ، وتتقارب العناصر ، وتتفاعل الثقافات والحضارات . ولما كانت مؤسسة على الروح الاسلامية ، والروح الاسلامية روح ثقافية . لانها روح ايمان ومعرفة ونظر ، فان الصبغة الثقافية كانت السائدة على عمرانها ، والحركة العلمية كانت قوام حياتها الاجتماعية ، كما هو الشأن فى

القيروان و تونس وتلمسان وفاس وغيرها من العواصم الفكرية للاسلام بالمغرب العربى . وبتلك الروح الثقافية استطاعت تلك العواصم ، ومنها بجاية ، ان تثبت على زعازع الاحداث

فقد تالف المجتمع البجائى لاول تكونه ، من بربر وعرب ، ومشارقة ومغاربة . وصلت بينهم الروح الثقافية . فلما نشأت الفتن السياسية وانشقت عصبية زناتة بظهور المرابطين ، لم يتاثر بذلك المجتمع البجائى ، بل بقى متماسك الوحدة ، وثيق الرباط . وكان له فى كل دور من الادوار المتتابعة من بعد ما اصطبغت به حياته من اثر ثقافى حييت به بجاية على مر القرون وتفاعلت مع غيرها من العواصم المغربية بما ملا حياتها الثقافية من اخذ وعطاء

ففى اوائل القرن السادس كان منها مطلع الدعوة الموحدية ، واول مانزل المهدى ابن تومرت عائدا من المشرق نزل بها ، وفيها اعلن اول مرة ، دعوته بتغيير المنكر ولما قامت الدولة الموحدية ، تحت راية عبد المؤمن بن على ، فى منتصف القرن السادس انتظمت بجاية فى مملكته وانتهى بذلك حكم صنهاجة فى المغرب الاوسط ، كما انتهى حكمهم بافريقية على يد عبد المؤمن ايضا

و كان انتطام بجاية فى حكم واحد مع بلاد الاندلس وعواصم المغرب الاقصى وتلمسان وتونس ، ممكنا له طرقا جديدة للتواصل والتفاعل الفكرى والحضرى مع البلاد المغربية باسرها

واستوثقت بها تلك المواصلات مع البلاد التونسية بصفة خاصة لانتظامهما مع فى الحكم الحفصى ، عند تفرق الدولة المؤمنية

فكان القضاة ، وأهل الفتوى ، ومدرسو العلوم يتنقلون بحكم الارتباط السياسى والادارى بين تونس وبجاية وذلك ما سمح لمشائخ العلم واوابد الفكر ، ان تروج مرددة الاصداء ، بين جامع الزيتونة الاعظم بتونس والجامع الاعظم ببجاية فتفتقت فى بجاية زهرة العلم بسبب ذلك بصورة لم يسبق لها نظير ، فى قرنى العظمة الحفصية السابع والثامن

ويكفينا تصويرا لذلك ، السجل الحافل الذى وضعه الشيخ ابو العباس الغبرينى فى اواحر القرن السابع ، وهو كتاب " عنوان الدراية فى من عرف من العلماء فى المائه السابعة ببجاية " وقد نشر بالجزائر 1328 بعناية الاستاذ المرحوم الشيخ محمد ابن ابى شنب . وفى هذا السجل يجد الناظر شواهد القطع على ما كان ببجاية من اثر فى انتاج العلوم الاسلامية على اختلافها من

الرواية والدراية فقها واصولا وكلاما وتصوفا وحكمة وطبا ورياضيات ، وعلوم اللسان العربى ادبا وآلات ، والانتاج الادبى شعرا ونثرا ونقدا وتاريخا وتراجم

ويتبين فيه ما كان لبجاية من الصلات الوثيقة مع عامة مراكز الثقافة الاسلامية ، من الاندلس الى اصفهان ببلاد العجم وما كان لها من اثر فى ربط اعلام تلك المراكز برباط التعارف والمقابسة ناهيك بانها شاركت تونس فى ابن زيتون وابى عبد الله الخزرجى وابن الغماز ، وهذان ولى كل منهما قضاء تونس وقضاء بجاية وفى ابى عبد الله ابن شعيب وقد ولى قضاء بجاية وقضاء القيروان . وشاركت الاندلس فى عبد الحق الاشبيلى وابن سيد الناس وابن خالد الحاتمى وابى عبد الله الكدشى والشيخ محيى الدين عربى . وشاركت المغرب الاقصى فى الحرابى . وشاركت طرابلس فى ابن ابى الدنيا . زيادة على الذين انفردت بهم من الناشئين فيها والمستوطنين اياها من اهل قلعة بنى حماد وابناء زواوة واهل المسيلة واهل الجزائر

حتى لم تبق ، فى اواخر القرن السابع ، دار اتصال ومقايسة بين العلماء فقط ، بل اصبحت مركز توجيه مطلق ، يسير به المغرب العربى باسره ، فصارت فتوى اهل بجاية متعمدة متبعة ذات اثر واضح فى التطور الفقهى . واصبحت طريقتهم التدريسية فى الفقه ، ماخوذا بها فى عامة مراكز الدراسة الفقهية فى البلاد المغربية . فان عدول الدراسة الفقهية عن طريقة المدونة الى الطريقة الجديدة ، طريقة مختصر ابن الحاجب الفرعى ، انما كانت بتاثير الشيخ ناصر الدين المشذالى الزواوى فقيه بجاية . فقد رحل الى مصر وتخرج هنالك فى الفقه المالكى على طريقة ابن الحاجب ، وبين يدى تلاميذه . فلما رجع الى بجاية اتبع تلك الطريقة واشاعها ، والتزم مختصر ابن الحاجب ونشره بين اصحابه ورغبهم فيه ، فعم سائر الامصار المغربية وعكف الفقهاء بالمغرب عليها وهجروا لاجله المدونة والامهات الاولى - وبدا هذا التاثر واضحا فى البلاد التونسية فاقبل فقهاؤها على شرح مختصر ابن الحاجب واعتماده واقبل طلبتها على حفظه ودرسه واصطبغ الفقه من ذلك بأثر اختلف به عن الطريقة القديمة وبذلك عظم اعتزاز اهل بجاية بانفسهم ، وعظم اكبار فقهاء المغرب لبجاية واهلها واصبحت منظورا اليها بألاكبار ، متوجها نحوها بالاعتناء . ولم تزل معالمها فى القرون التالية تلقى فى روع ناشئتها نخوة الاعتزاز بذلك الماضى العلمى المجيد . فتحفزهم الى الحفاظ وتدفعهم الى المزيد .

اشترك في نشرتنا البريدية