الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

مدينة قليبية عبر التاريخ

Share

إنى أشعر بالشرف والسعادة أن أكون معكم (*) وأشارك فى هذا الأسبوع الثقافى ولو أن مشاركتى متواضعة . لا شك أن العلاقة متينة بين السينما والثقافة بل قل إن السينما ثقافة وكيف لا وهو يشكل فى عصرنا انجع وسيلة لسبر خفايا المجتمعات بل تتنزل العدسة فى أغوار النفس البشرية لسبرها وتحليل مشاكلها وتقديم الحلول لها . فأهم أغراض الفن السابع هو الانسان كذات بشرية أو كفرد يحتضنه مجتمع بشرى .

وفى هذا يلتقى الفن السابع بالتاريخ ولست مبالغا إذا قلت إن التاريخ هو علم الانسان . إنه حقا يهدف إلى معرفة ماضى الانسان والمجتمعات الانسانية أو بعبارة أخرى يهدف علم التاريخ إلى معرفة ما يحمل الانسان فوق كتفيه من أثر أحداث عاشها وحضارات استوعبها وشارك فى سبكها واثرائها . وكيف يتعرف المرء على ذاته أى على مصيره إذا كان يجهل ما يحمل على كتفيه كالشجرة تحمل أوراقا تغذيها وهى جمالها ويناعتها .

فكما يهتم السينما بمشاكل الانسان وحلولها كذلك يعمل التاريخ على معرفة ماضى الانسان ليتعرف جيدا على حاضره ويخطط لمستقبله .

لذلك أرى أن الفن السابع والتاريخ يتحدان فى المرمى كلاهما يبحث عن الانسان وكلاهما تعبير عن حب الانسان للانسان.إن الوطن القبلى إقليم اصطفته الطبيعة لتبرز جمالها متعة للناظرين ونشوة ؛ سماء زرقاء صافية بحر كأنه الزمرد ورمال ذهبية تداعبها أشعة الشمس فتنقلب لآلئ واعتقادى أن

الكلفين بالفن السابع انتشوا بأرجوان شمس الأصيل بين القمم الشامخة ذات الخضرة السميكة وفي سمكها يرتع الخيال ويكون الخلق . فالجمال سحر والسحر يغرى ويكون التهافت على الوطن القبلى ويأتيه هواة الجمال من كل صوب .

ويشاركهم فى ذلك المؤرخون من دارسين وهواة لأن جمال الوطن القبلى لم يخف على الذين سبقونا على هذه الارض الكريمة المضيافة . سيما ولها ميزات كثيرة أخرى جعلت منها أرض مدن واستقرار وثروة وازدهار حضارى . ولعل موقعها الجغرافى بين القارة الاوروبية وشمال افريقية من اهم هذه الميزات .

لقد لعب الوطن القبلى دورا عظيما فى تاريخ بلادنا كما يشهد به القدماء من يونان ورومان وكما تشهد به البقايا الحضارية المبثوثة على الشواطئ والسهول لقد نشأت تحت أشعة شمس الوطن القبلى مدن عظيمة هدهدتها أمواج البحر وأغدقت عليها ثراء وكذا كانت الارض تفعل وهى الكريمة بخصبها لقد اهتم بعض المؤرخين باحصاء المدن التى أينعت بالوطن القبلى استنادا على الكتب واستنادا على البقايا الأثرية . وعملية الاحصاء هذه ما زالت جارية لكنه واضح أن المنطقة كانت تعج بالمدن والقرى الريفية ولعل عدها يفوق ما تحتضنه المنطقة فى يومنا .

يتبين لكم أنه من العسير أن يتحدث المؤرخ فى ساعة أو بعض الساعة عن المدن التى تحلى ويتحلى بها الوطن القبلى . لذلك اخترت أن أحدثكم عن مدينتين مرتبطين أوثق ما يكون الارتباط وهما مدينة كرركوان ومدينة قليبية . واخترت أن أخص بحديثي الفترة التى سبقت دخول العرب الى بلادنا .

قليبية :

ولكن قبل التعرف على تاريخ المدينة التى ننعم بالحضور فيها اليوم أقول بصفة عابرة أن المصادر التى يعود اليها المؤرخ فى هذا الشأن كتب وآثار . أما الكتب فغالبها من تأليف الاول من يونان ورومان نخص بالذكر منهم بوليب وهو مؤرخ يونانى عاش فى القرن الثانى قبل المسيح وديودور الصقلى الذى عاش فى القرن الاول بعد المسيح وهو يونانى اللغة أيضا .

ومن بين الرومان الذين تحدثوا عن مدينة قليبية تجدر الاشارة إلى يوليوس فيبصر وقد تعرف على المدينة وعلى قيمتها الاستراتيجية العسكرية أثناء الحرب الاهلية التى جعلته يقاتل أنصار عدوه بمبيوس وكلاهما كان يريد الاستئثار بالحكم على رأس الامبراطورية الرومانية وكان النصر حليف قيصر وألف قيصر كتابا حول الاحداث التى عاشها وأنصاره أيام الحرب الاهلية .

ومن الرومان أيضا نذكر المؤرخ الشهير تيت ليف وقد عاش فيما بين نهاية القرن الاول قبل المسيح وبداية القرن الاول بعده ، وعلى ضوء ما أورده تيت ليف يتعرف المؤرخ على بعض ما عاشته المدينة أثناء الحرب البونيقية الثانية . وتحدث عن المدينة المؤرخ البزنطى بروكوب   (Procope)   خلال القرن السادس بعد ميلاد عيسى عليه السلام .

وكيف نذكر اسماء بعض الذين تحدثوا عن مدينة قليبية او اكتفوا بالاشارة اليها خلال العصور القديمة دون أن نضيف اسم أعظم أقطاب الادب والفلسفة خلال القرن الثانى بعد المسيح وهو أبو ليوس الافريقى ذلك الذى أبهر عصره وتباهت به بلادنا . ولا يخفى عليكم أن أبو ليوس من مواليد افريقية أبوه بربرى أصيل وكذا أمه وكان أبو ليوس فخورا بانتسابه الى افريقية حتى أنه قال فى إحدى ازهاره : (( إنى نوميدى جدالى )) نسبة الى النوميديين والى بنى جدالة وهي قليبية كانت تقطن جنوب البلاد ومن آثارها اسم جدليان يطلق على منطقة توجد شمال ولاية القصرين كانت قرطاج فخورة بأديبها أبو ليوس وقيل إنه كان يتحف مواطنيه بمحاضراته وأسماره يلقيها من أعلى ركح المسرح القرطاجى على كل فالمهم لدينا فى هذا الحديث أن ابوليوس ذكر مدينة قليبية فى زهرة من الزهور التى قدمها هدية لاهل قرطاج .

وجاء ذكر مدينة قليبية فى نصوص العرب من مؤرخين وجغرافيين منهم البكرى وياقوت والادريسى وابن سعد .

هذا ويستنطق المؤرخ البقايا الاثرية التى قد يكشف عنها الغطاء وما فتئت اللقيات تتعدد كما سنثبته بعد حين .

فعل ضوء هذه المصادر الادبية والاثرية سنحاول التعرف على ماضى المدينة والدور الذى لعبته عبر القرون . ولكن لسائل أن يسأل : كيف كانت تسمى المدينة فى العصور القديمة .

جاء اسم المدينة فى نصوص قديمة عديدة كما ذكرناه آنفا ولعل من أقدم هذه النصوص ما يعود الى قلم المؤرخ اليونانى بوليب وهو كما قلت لكم من أحياء القرن الثانى قبل الميلاد . تحدث بوليب عن المدينة وكان اسمها إذ ذاك (( أسبيس )) وهذه لفظة يونانية معناها المجن أو الترس - ولعله اسم أوحت به تلك القلعة التى كانت وما زالت تتوج الربوة المشرفة على ميناء المدينة حاليا . وكانت القلعة تقوم مقام المجن الذي يتصدى لضربات العدو ويحمى المدينة كما يحمى الترس حامله .

ولقد اشير الى المدينة تحت اسم (( أسبيس )) فى كثير من الكتب اليونانية. فيبدو أنه الاسم القديم الذي عرفت به مدينتنا هو كما ذكرت يونانى الاصل . الامر الذى جعل بعض المؤرخين يستنتجون أن المدينة من تأسيس اليونان وقيل إنها من تأسيس طاغية سرقوسه وكان يدعى أغطتكولاس (Agathocles)    . يقولون إنه أسسها فى العقد الاخير من القرن الرابع قبل  الميلاد لما زحف بجيوشه على ارض قرطاج . وليس لهذه النظرية ما قد يسمح بوجودها سوى نص للجغرافى اليونانى استرابون مضمونه أن أغطتكلاس أقام قلعة فى مدينة أسبيس وحشد فيها جنودا من صقلية .

أما إذا كان الاسم يونانيا فذلك لا يعنى أن المدينة من تأسيس اليونانيين إذ من المعلوم أن بنى اليونان كانوا يترجمون الاعلام ولنا شهادات تثبت أنهم ترجموا أسماء الاشخاص : عثر على نقيشة قرب مدينة أثينا سطر عليها نص نونيقى كما سطرت عليها ترجمة النص الى لغة اليونان وفى النقيشة إشارة الى بونيقى يدعى عبد تانيت . وفى الترجمة اليونانية أصبح عبد تانيت يسمى (Artemidoros)    وكان اليونان يترجمون الى لغتهم اسماء الآلهة فاذا ارادوا الحديث عن الاله بعل حمون سموه زوس    (Zeus)    والأمثلة فى هذا الميدان كثيرة .

وترجم اليونان أيضا أسماء المدن فليس من الغريب أن يكون اسم (( أسبيس )) ترجمة لاسم بونيقى أو بربرى الاصل . ونحن نعلم من جهة أخرى أن غالب أسماء الاماكن فى هذه المنطقة بربرية الاصل نذكر منها على سبيل المثال : توغران - عين تفردوس - تزركة وغيرها كثيرة .

على أن هناك افتراضا تجدر الاشارة اليه : أورد استرابون أن أغطتكولاس أقام قلعة وحشد فيها جنودا من صقلية فاذا صحت هذه الرواية أمكن

الافتراض أن أغتكلاس أطلق على القلعة التى أقامها أو بالاحرى أعاد تشييدها اسم أسيبس أى الترس فبمقتضى هذا الافتراض يكون اسم أسيبس أطلقه      اغتكلاس على القلعة فحسب ثم سرعان ما أطلقه اليونان على المدينة وفضلوه على اسمها الاصلى . لكنه افتراض ضعيف تعوزه المستندات التاريخية .

ومهما يكن من أمر فالمدينة أقدم من غزو الطاغية الصقلى . ولا شك أنها كانت تحمل اسما يونيقيا أو بربريا لما تساعدنا الوثائق على معرفته ونرجو أن يكون ذلك يوما .

أما الرومان فسموا المدينة قلوبيا أو قليبيا   (Clupéa ou Clipea)    واللفظة لاتينية معناها المجن أو الترس . وما الاسم اللاتينى إلا ترجمة للكلمة اليونانية اسيبس . فثابت أن الرومان أخذوا الاسم اليونانى وترجموه ثم أطلقوه على المدينة . كما تشهد به النصوص والنقائش التى اكتشفت بالقرب من الحصن ، وقد تعود هذه الترجمة الى القرن الثالث قبل المسيح أى الى عهد الحرب البونيقية الثالثة لما زحف القائد الروماني رغيلوس    ( Régulus ) عل الديار الافريقية وفتح القلعة حوالى سنة 250 والخلاصة أن المدينة سماها اليونان أسيبس   (Aspis)   وسماها الرومان قليبيا ترجمة للاسم اليونانى .

والثابت فى رأينا أن المدينة ليست من تأسيس اليونان كما ذهب إلى ذلك بعض المؤرخين الفرنسيين نذكر منهم لوى فوشى  (Louis Foucher)   وجلبار بكار (Gilbert Picard) فى كتاب صدر سنة 1968 وعنوانه (( حياة قرطاج وموتها )) ولكن هل كانت تحمل اسما بونيقيا أو بربريا يعنى الترس الامر الذي يعلل تسميتها بأسبيس من طرف اليونان هذا أمر لا يمكن البت فيه بل تبقى المسألة معروضة للبحث والتنقيب حتى نجد ما قد يمن علينا بالحل الصحيح ، أما نحن فنؤثر الى أن يأتى جديد مفيد الافتراض القائل بأن اسم أسبيس ترجمة يونانية لاسم بونيقى أو بربرى معناه الترس . أما الاسم الحالى قليبية فهو تعريب صوتى للاسم اللاتينى ( Clipia ) وهذا أمر غير قابل للشك .

ما ورد عن قليبية فى كتب المؤرخين ؟ ؟

لقد تعرض المؤرخون القدامى الى الحوادث التى عاشتها مدينة أسبيس فى بداية العقد الاخير من القرن الرابع قبل الميلاد وكنا ذكرنا منذ حين أن أغاتوكلاس    (Agathocles)    طاغية مدينة سرقوزه زحف بجيوشه على الاراضى

القرطاجية وكانت غايته تكسير شوكة العاصمة البونيقية بضربها فى عقر دارها . وأورد هذه الاحداث العسكرية مؤرخ صقلى يدعى ديودور ومما رواه هذا المؤرخ أن أغاتوتكلاس جهز أسطولا وأشار بالاقلاع نحو الشواطئ الافريقية وكان ذلك سنة 310 قبل الميلاد . قطع أسطول أغاتكلاس مياه البح الابيض المتوسط والقت السفن اليونانية مراسيها قرب المقاطع ولعل المقاطع المشار اليها فى النص اليونانى هى التى يمكن مشاهدتها قرب مدينة الهوارية التى ما انفكت تدهش الاثريين والسواح من هواة الآثار القديمة . وتعتبر تلك المقاطع من أعز معالمنا الاثرية فهي التى منت بحجارتها لتشييد مدينة قرطاج . كانت الحجارة تقطع وتفصل ثم توضع على أطواق تجرها السفن حتى ميناء قرطاج فيتسلمها البناء ويستخدمها لاقامة جدران القصور والمنازل والمعابد وغيرها من البنايات قد تكون فخمة وقد تكون متواضعة يومية .

أرسى اذن أسطول أغاتكلاس بالقرب من المقاطع وتذكر أنه جمع السفن وأضرم فيها النار حتى لا يفكر جنوده فى العودة لانعدام الاسطول ولم يبق لهم الا الخيار بين الهزيمة والموت أو الاسر من جهة والنصر والغنيمة من جهة ثانية لا شك أن هذا الحدث أو هذه الرواية تذكركم برواية أخرى تتعلق بطارق ابن زياد إبان زحفه على اسبانيا (( البحر وراءكم والعدو أمامكم )) .

فتواتر هذه الرواية عبر القرون يجعلنى أشك فى تاريخيتها وترانى اعتبرها (( غرضا تاريخيا )) يستخدمه المؤرخون القدامى فى ظروف معينة وتكون قيمته أدبية لا صلة لها بالواقع التاريخى . ونحن نعلم أن للادب والسينماأغراضاعديدة هناك مثلا الليل السرعة هناك البحر وهيجانه - العواصف هناك البحيرة الوديعة تداعبها مجادف زورق صغير وقد احتضن الزورق حبيبين أسكرهما الحب . ذلك ما تغنى به لمرتين فى قصيد البحيرة وذلك ما رسمه بلزاك فى رواية له عنوانها (( سوسن الوادى )) كان التاريخ فى العصور القديمة والوسطى تغلب عليه المسحة الادبية فكان له أغراضه منها ما سبق ذكره بالنسبة لأغاتكلاس وطارق بن زياد . ومن الأغراض التاريخية أيضا القائد المنهزم - يسقط جنوده أسرى أو موتى ويتمكن هو من الفرار صحبة ثلة من أنصاره المخلصين فيلاحقه العدو فيلقى بنفسه فى مياه سيل جارف كذلك كان مصير عبد ملقراط فى اسبانيا وكذلك كان مصير مسنيسا ملك النوميديين على كل زحف أغاتكلاس بجيوشه على الاراضى الافريقية وحمل على مدينة أسبيس وفتحها ثم استخدمها قلعة تحصن فيها حتى لا تنقطع الصلة بينه وبين قواعده بصقلية . وليس من المستبعد أن يكون أضاف لقلعة المدينة بعض

الاعمال لتدعيمها ولعله لقبها اذ ذاك بالترس (( أسبيس )) أو ترجم اسمها الاصلى كما تعرضنا لذلك منذ حين .

ولعبت مدينة قليبية دورا ذا شأن فى الحروب البونيقية.لقد استولى عليها القائد الروماني ريغيلوس  ((Régulus  حوالى سنة 256 وانهزم الرومان واسترجعت المدينة حريتها . وحاول القائد   ((Valérius   خلال الحرب اليونيقية الثانية الاستيلاء عليها لكن ذهبت جهوده سدى واصطدمت الاساطير فى عرض قليبية وأرغم الاسطول الرومانى على الرحيل والخروج من المياه الاقليمية القرطاجية .

وكانت الحرب البونيقية الثالثة وحاول الرومان الاستيلاء عليها سنة 148 قبل البلاد لكن المدينة صمدت الى أن سقطت قرطاج تحت يدى شبيون وقضت القيادة الرومانية أن تحطم المدن التى بقيت مخلصة لقرطاج بعد النهب كذلك كان مصير عدد من المدن البونيقية منها نيابوليس ومنها مدينة قليبية.

على أن الملحمة لم تنته وقد عاشت قليبية الحروب الاهلية التى مزقت صفوف الرومان فى عهد القائد ماريوس وخاصة فى عهد يوليوس قيصر .

ولما وضعت الحرب أوزارها ومسك قيصر زمام الحكم كان لمدينة قليبية عهد حديد ذلك على كل ما نستشفه على ضوء بعض الوثائق الاثرية . والثابت أن قليبية أصبحت مدينة عظيمة فى عهد الرومان ولعلها بلغت أوجها خلال القرن الثانى والقرن الثالث بعد المسيح شأن غالب المدن الافريقية .

ولا شك أن المأساة الوندالية أضرت بالمدينة فتقلصت العمارة وانهارت البنايات الشامخة بانهيار الاقتصاد وانعدام الامن والطمأنينة .

على أن مدينة قليبية بقيت مركزا ذا قيمة كما يبدو ذلك فى النصوص العربية وفيها تجمع الروم لما زحف عليهم العرب ومنها رحلوا الى جزيرة قوسرة (Pantelleria)    وهي رواية أوردها البكرى فى كتابه (( المغرب فى ذكر بلاد  افريقية والمغرب )) ولكم نص الرواية (( وفيما بين مدينة سوسة ومدينة تونس جزيرة شريك تنسب الى شريك العبسى كان عاملا عليها وأم اقليم جزيرة شريك منزل باشوا وهى مدينة كبيرة آهلة بها جامع وحمامات وثلاث رحاب وأسواق عامرة وبها قصر أحمد بن عيسى القائم على ابن الاغلب وبجزيرة

شريك اجتمعت الروم بعد دخول عبد الله بن سعد بن أبى سرح المغرب وتبادروا منها الى مدينة قليبية وما حولها ثم ركبوا منها الى جزيرة قوسرة (Cossura)    وهى بين صقلية وافريقية )) . ولا شك أن مدينتنا لعبت دورا  عظيما فى الملحمة التى عاشتها مياه البحر الابيض المتوسط ابان الحروب التركية الاسبانية .

هل بقيت آثار فى مدينة قليبية تعود الى أولائك الذين سبقونا على هذه الارض ؟ لعل غالبكم شاهد البعض منها .

احتفظت لنا مدينة قليبية بأطلال تعود الى عهد البونيقيين أيام كانت قرطاج أميرة مياه البحر الابيض المتوسط . من هذه الاطلال بقايا القلعة البونيقية . يمكن مشاهدة جدرانها تحت الحصن التركى المشرف من عليائه على المدينة وهو يضفى عليها شيئا من عظمته وجماله .

ومن الآثار البونيقية التى اكتشفت بمدينة قليبية قبور بونيقية نقرت داخل الحصن وتم العثور عليها والكشف عنها بين سنتى 1957 و 1958 ولست ادرى ما وجد فى هذه القبور ولم أتمكن الى الآن من وجود من قد يرشدنا فى هذا الامر .

ولنا فى مدينة قليبية آثار بنايات تعود الى عهد الرومان منها منزل فخم نحن بصدد كشف الغطاء عنه .

ولكم باختصار رسم هذا المنزل . صحن يحيط به رواق . وتفتح القاعات على الرواق والطريف فى هذا المنزل وجود طابق أعلى يشرف على البحر وتم كشف الغطاء على قاعات الطابق كما عثر على المدرج الذى يدفع الى القاعات العليا . ومما يتباهى به هذا المنزل ألواح من الفسيفساء بديعة الاشكال والالوان . منها ألواح أشكالها هندسية ومنها ألواح تصور حيوانات مختلفة فهذه لوحة تصور نمرة تحاول شرب بقايا خمرة فى جام مطروح على الارض ولعل النمرة هى التى دفعته برأسها .

وهذه لوحة ثانية تصور ديكين يتصارعان وكانت مبارزة الديكة معروفة فى بلادنا منذ العصور القديمة .

وتحلت احدى القاعات بلوحة من الفسيفساء رسموا عليها مجموعة من الاقنعة وكل هذه الألواح ما زالت تحت الدرس .

ولعل الدراسة الخاصة بها ستنشر فى غضون السنة الجامعية المقبلة وستتولى نشرها مجلة المعهد اتقومى للآثار والفنون .

ومن بين المعالم التى عثر عليها فى السنوات الاخيرة فى مدينة قليبية تجدر الاشارة إلى البطحاء وكان يشرف عليها معبد الكبتول ، هذه حفرية تبشر بعدد كبير من الوثائق الهامة بالنسبة لتاريخ مدينتنا . على كل أصبح من الثابت أن يوليوس قيصر أحاطها بعنايته ورفعها الى رتبة المستعمرات الرومانية بما يتضمن ذلك من حقوق لسكانها وامتيازات .

تلك إخوانى نزهة عابرة خلال ماضى هذه المدينة العظيمة وما ورد عنها فى كتب المؤرخين وما بقى لنا من معالمها .

اشترك في نشرتنا البريدية