الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مذاهب الشعر فى كلام الاعراب

Share

كان لزحفة بني هلال وبنى سليم ورياح وزغبة على افريقية التونسية - اواسط القرن الخامس للهجرة - تأثير قوى على لغة التخاطب بين السكان إذ تزحزحت اللهجات المحلية أمام هذا التيار المتغلب على كل النواحي ، فتقهقرت لغة البربر الزناتيين المتوطنين فى السهول والجبال ، والتجأ متكلموها الى سكنى بعض المعاقل المنيعة النائية مثل مطمامة وغمراسن والدويرات والسند وجزيرة جربة المحيطة بالبحر ، هذا من ناحية ، ومن اخرى تسربت لهجة هؤلاء البدو الى كلام أهل الحضر - من عرب وافارقة - المقيمين في المدائن الكبرى كالقيروان وتونس وصفاقس وسوسة فغيرته تغييرا محسوسا ، ذلك الكلام الحضرى الموروث من زمن الفتح عن الجاليات العربية الوافدة على البلاد من لدن الدولة آلاموية فى الشام ثم عن جنود بني العباس القادمين من العراق وخراسان

وكان من مفعول الصدمة الشديدة التى اوقعها اولئك الاعراب بالقطر التونسى أن أدخلت انقلابا حاسما على التقاليد القديمة الراسخة فى البلاد من عهد بعيد ، وحولت الكثير منها الى عوائد عربية عدنانية تمت بأصولها الى عادات وأخلاق منقولة عن أهل الحجاز ونجد وتهامة ، مواطن عرب هلال وسليم الاصلية ، فلم يمض قرن ونصف القرن على الزحفة الهلالية الاولى حتى امتزجت القبائل المتغلبة من الاعراب بالعناصر الاهلية امتزاجا متينا ، اما بحكم الغلبة أو بالمصاهرات ، فنشأت هيئة جديدة من الجيل الصاعد أخذت عن المتغلبين الكثير من أوضاعهم فى لغة التخاطب علاوة على ما اقتبسته من التقاليد والعادات فى الحياة الاجتماعية

وقد اضطرت الحكومة المحلية الفتية من بني حفص الى استعمال الشدة تارة والى مجاملة أولئك المهاجمين تارة أخرى رغبة منها فى استمالتهم للانضمام الى قواتها واستخدامهم فى جيوشها ، وتارة ثالثة كانت تبذل الجهد للاغراء

من القبائل البدوية لقمع أطماع اصحاب الشوكة من بطونهم وأفخاذهم . أن كثيرا منهم كانوا يحاولون بسط هيمنتهم وفرض سلطانهم الفوضوى على نواحى الجهات المتحضرة من البلاد وأطرافها

ولا جدال أن هؤلاء الاعراب حين نزوحهم الى المغرب واستقرارهم بجهاته كان لهم من العصبية القبلية ، ومن النجدة الحربية ، ومن النخوة والانفة التي اكسبهم اياها استقلالهم بسكنى الصحارى وانتجاعهم بالقفار ، وتقلبهم في الفدافد ، وابتعادهم ما أمكنهم عن الاختلاط بالحواضر والامصار المتمدنة واتقاء الاحتكاك بالسلطة المنظمة ما جعلهم يمتازون ببلاغة القول في الكلام . وبسرعة البديهة ، وبصوغ الشعر المطبوع القريب من أقوال الجاهليين ، كل ذلك نتيجة محافظتهم على لغة عربية سليمة من شوائب التحضر ، بعيدة عن التصنع والتقليد والتشدق .

ولله در مؤرخنا الخالد عبد الرحمان بن خلدون حينما يصف بلاغا الاعراب الزاحفين فيقول : ) 1 (

" ولهؤلاء الهلاليين فى الحكاية عن دخولهم الى افريقية طرق فى الخبر غريبة . . فيروون كثيرا من الاشعار ، محكمة المباني ، متقنة الأطراف ، وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع ، لم يفقد فيها من البلاغة شىء ، وانما أخلوا فيها بالاعراب فقط ، ولا مدخل له فى البلاغة . . الا ان الخاصة من أهل العلم بالمدن يزهدون فى روايتها ، ويستنكفون عنها لما فيها من خلل الاعراب ، ويحسبون أن الاعراب هو أصل البلاغة ، وليس كذلك . . .

" ومن هذه الاشعار كثير دخلته الصنعة ، ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بايامهم ووقائعهم مع زناتة ، وحروبهم في المغرب ، وضبط لاسماء رجالاتهم وكثير من أحوالهم .. وربما يشعر البصير بالبلاغة بالمصنوع منها ويتهمه ، وهذا قصارى الامر فيه  "

ومن حسن الحظ أن وصل إلينا شىء كثير جدا من الاشعار المنسوبة اليهم فى الملحمة المشهورة ( بسيرة بنى هلال ) وتعرف ايضا باسم ( قصة أبى زيد الهلالى ) المطبوعة غير ما مرة ، وهى - كما لا يخفى - سمر شيوخ اعرابنا حتى الان ، كما انها ما تزال تروى فى المقاهى العتيقة فى مصر وفى

غير مصر ، لكن الناقد البصير يدرك بالبديهة مسحة الاصطناع على تلك الاشعار المضافة كما نبه اليه مؤرخنا الكبير فيما تقدم .

ومن حسن الحظ أيضا أن يصل الينا نص ثابت الرواية من ذلك القريض البدوى ، وهى قصيدة فريدة أشار اليها ابن خلدون فى تاريخه ، قالها أحد رؤساء قبيلة عوف من بطون بنى سليم ، وهو ( عنان بن جابر ) شيخ مرداس من بنى جامع بن عوف .

وبنو عوف هؤلاء كانوا فى العقد الثالث من القرن السابع للهجرة - يسيطرون على سائر ضواحى افريقية - من قابس الى بونة ( عنابة الآن ) - تغلبوا عليها قسرا ، وكان من سياسة السلطان أبى زكرياء أول بني حفص أن أثبت كثيرا منهم فى ديوان جنوده المرتزقة ، ورسمهم في زمام العطاء واختص بالولاية منهم أولاد جامع المرداسى وقومه ، رهط عنان بن جابر لما كانوا يظهرون من الطاعة والولاء السلطانة .

هى وقت ما تنكب أبو زكرياء العاهل الحفصى لقبيلة مرداس وأغرى بين رجالها وبين قبيلة ( علاق ) ، فنشبت فتنة دموية بين الفريقين كادت تقضى فى النهاية على جميعهم ، وعقب هذه الاحداث سخط عنان بن جابر - يعسوب مرداس وشيخها الكبير - على سلوك السلطان الحفصى مع قومه بعد مكانته المكينة من الدولة ، فذهب مغاضبا ورحل بناجعته من مرداس ومن اليهم من بني عوف الى ناحية ( زاعر ) بصحراء المغرب الاوسط - قبلى جبل تيطرى -

وبعد حين ظهر للسلطان أبى زكرياء أن يسترضى قوم مرداس ليعودوا الى مواطنهم الاصلية من بلاد افريقية - ما بين قابس والقيروان - رغبة منه فى الاستعانة بهم وضمهم الى جيوشه المرتزقة ، فكلف السلطان حاجبه المقرب منه الاديب الطائر الصيت : ) أبا عبد الله محمد بن ابي الحسين ( بمخابرة عنان بن جابر رئيس مرداس لتحريضه على العودة الى الاوطان ، فسارع الحاجب بمخابرة عنان وأرسل اليه بقصيدة أولى لا نعرف منها غير الطالع الذى أورده ابن خلدون :

قد المهامه بالمهرية القود            واطو الفلاة بتصويب وتصعيد

ومن الاسف الشديد انا لا نعلم ما كان جواب عنان بن جابر عن هذا القصيد اذ لم يتعرض لذكره المؤرخون ولا أصحاب المجاميع الادبية ، لكن بعد مدة أخرى خاطب الحاجب ابن أبى الحسين بقصيدة ثانية عنان بن جابر في

الغرض نفسه ، يؤنبه فيها عن المقاطعة ، ويلح عليه فى الرجوع الى الاوطان التونسية كما يحثه على مراجعة السلطان والحصول على رضاه .

وهذه القصيدة الثانية مع جواب عنان بن جابر عنها شعراهما اللذان عثرنا عليهما ضمن مخطوط قديم كثير التحريف ، فوددنا ادراجهما بأكملهما مع التعرض الى شرح شىء من الفاظهما

هذا ، وقد بحثنا طويلا عن أصل ثان للقصيدتين رغبة فى المقابلة والتصحيح ، فلم نعثر لهما على عين ولا أثر فى مجاميع الادب التونسى ولا فى التواريخ المخطوطة منها والمطبوعة ، اللهم الا ما أورده ابن خلدون مر طالعهما فى تاريخه ) 1 (

والواقع أن القصيدين - الخطاب والجواب - يمتازان باسلوب مخصوص ونهج مخالف لما عرفناه من أوضاع الشعر الحضرى الجارى فى المخاطبات بين ادباء ذلك العصر

وسيرى القارىء من خطاب ابن ابى الحسين ) الحاجب الحفصي انه ربما تكلف بعض التكلف فى القول لما اراد أن يسلك الطريقة المعهودة في أشعار بنى هلال وبنى سليم ، فساق كلامه باستعمال ما كان مألوفا من الالفاظ والتراكيب المطروقة عند اعرابنا بخلاف ما يشاهد فى قصيد الجواب الصادر عن عنان ابن جابر البدوى ، فانه أعرب عن غرضه بسجيته وأرخي العنان لسليقته التى فطر عليها ، والفرق واضح كل الوضوح لمن يتأمل مليا من القولين

ومهما يكن من أمر فان القصيدتين - لا سيما الثانية - فريدتان في بابهما فى الادب التونسى ، وهما مثال رائع لاشعار أعرابنا الصرح من هلال وسليم بعد نزوحهم الى القطر التونسى واستقرارهم به

وقد اورد الحاجب فى قصيدته أسماء بعض الاماكن التونسية يشير بها الى وقائع حربية معروفة كانت دارت بين ثوار الاعراب والحبش الحفصي حينما كانت قبيلة مرداس تناصر عساكر أبى زكرياء الاول قبل انتقال تلك القبيلة الى اواسط البلاد الجزائرية

ويا حبذا لو تنبه أدباءنا فى مطالعاتهم الى مثل هذا القريض البدوى الغض فيشهروا فضيلته الشعرية ويلحقوه بادبنا التونسى فيكسبه ثروة ثمينة وطابعا جديدا يميزه عن الشعر الحضرى المعتاد .

وها اليك أولا قصيدة الحاجب محمد بن ابى الحسين ) 1 ( في مخاطبة عنان ابن جابر المرداسى

وهذه قصيدة محمد بن ابى الحسين يخاطب بها عنان بن جابر التى صارت سمير النادي وهجير الحاضر والبادى

سلوا دمنة بين الغضا والسواجر هل هل استن فيها واكفات المواطر ) 2 (

والا فعندى ديمة مستهلة تطلع ما بين الحشا والمحاجر

مساحب أذيال ومركز نبل ومربض آساد وملهى جآذر

عهدت بها عليآء لا السر عندها مذاع ولا جد الوصال بغابر

إذا طرق الشوق المبرح ززرتها  طروق خيال بين راع وسامر

ولو لا حذارى ان تراع لزرتها باسم عسال وأبيض باتر

ومرد على جرد إذا اشتجر القنا ترى الجن تعرورى ظهور الكواسر

فديتكم ما الشوق آل ولا الهوى  ببال ولا قلبي الغداة بصابر

دعوها فان يسمح بها الدهر اغتفر له ولها ذنب الليالي الغوابر

ودونكم يا للرجال تحية يخص بها عني ) عنان بن جابر (

فتي ما دعته زلة فأجابها فكيف طوى كشحا على نفس غادر ) 1 (

وقد كان بيني - يا عنان - وبينكم     بواطن صناها بحفظ الظواهر

وفى كل عام كان للجيش وقعة          نجر بها أذيالنا جر سادر ) 2 (

على كل خوار القنان كأنه ربيب سعال لاح في شكل طائر

يريك على عطفيه مسحة مؤمن  ويكتم فى جنبيه أضغان كافر

نمد لها سمر القنا فتخالها  كلين القنا ما بين أذن وحافر

فتختال أعطاف وتعسل سمرنا  وتهتز كالسمر ابتغآء المفاخر

نشاوى على خيل نشاوى كأننا واسيافنا لم نستفق من تساكر

تظللنا الرايات وهى خوافت على كل رئبال بخفاق خادر

وحشو القباب الحمر بيض أوانس عفيفات ما تحت اشتمال المآز

يطالعن من بين الشفوف كأنما  يطالعن خلسا من الازاهر

اذكرك العهد الذى كان بيننا وان كنت عنه ساليا غير ذاكر

ألم يعلق التوحيد قلبك ناشئا  ألم تتكفل حفظ تلك الاواص

وكنت تجير الناس فى خير دولة فأصبحت جارآ فى هلال بن عامر

وكنت كليث الغاب عزا ومنعة فصرت كامثال الرئآ النواف

وكنت نزيل الملك تجني ثماره  أفانين من أفنان كريان ناضر

وكنت تلقي العز تحت ظلاله فها أنت تلقى الذل تحت الهواجر

وكنت ترى الابال كوما غضاضة  فأصبحت فى اتباع شاء وباقر

تبدلت بالسهلين والعطف زاغرا ) 3 (  وبالصافنات الجرد جرب الاباعر

كأن لم تجرر فى زرود ) 4 ( وصبرة ذيول التصابى فى حسان غرائر

ولم تلو خطا بأكناف عمرة ) 1 ( ولم تثن بالقصرين أعصاف ضامر

ولم تدرك الاوتار بالقرن ) 2 ( غالبا  ولم تقض بالالواح أوطار زائر

عزيز علينا - يا عنان - ضلالة حدث بك لا تلوى على زجر زاجر

تبصر ولا تحمل على النفس غيها  أعيذك من كرات دهر جواسر

فديتك لا تشر الضلالة بالهدى فديتك لا تشر العمى بالبصائر

وما العرب العربآء الا بعهدها فمن كان أوفى كان أول فاخر

فكم حفظت من ذمة قوس حاجب وكم مثل أبقى السموأل سائر

كذلك كان الناس يوفون فابتغوا سبيل الوفاء كابرا إثر كابر

وفى يوسف الوافى عليهم زيادة أبى هجرس الندب الصفى المثابر

رأى الرشد حيث العز ألقى جرانه فخيم مثواه عزيز المجاور

رأى الغى من يتبعه يصلل سبيله فآوى الى ظل من الحق باهر

غلام غذاه مذ كان يافعا وفى وما وفيت يا للعشائر

ولم فتية من آل منصور أسعدوا لدى خير منصور وأكرم ناصر

لدى ملك يعفو ويغفر دائما فأين الفرار من عفو غافر

ومن ننفع الذكرى تلافى تلافه وكشف عن وجه من الرشد سافر

هدتك الهوادى يا عنان وأمطرت ذراك الغوادى بين باد وحاضر

جواب عنان بن جابر عن قصيدة الحاجب

خليلى عوجا بين سلع وحاجز بعوج (3) عناجيج نواج ضوامر

قلاص (4) خماصن شازبات عرامس مواض نواض مرقلات عوابر

طوال الهوادى ( 1 ) لا يخفن تنوفة هلملعة الاطراف هدل المشافر

وعوجا على دار لنا فى جنابها أفانين لهو دائم غير دائر

بحد وشيج )(2 ) واختلاف سلاهب ومجمع غادات وغان وسامر

وقولا لسعدى والرباب هل انتما على العهد أم ساعدتما زجر زاجر

وهل فيكما موف بوعدى وقلما يكون الوفى من صامتات الاساور

خليلي مالي كلما رمت سلوة دعانى منادى الشوق دعوة جابر

ولما رأيت الود قد بان وانقضي دعوت ونار الشوق تغزو ضمائرى

ألا أيها الغادي على متن ضامر سليم القرى ) 3 ( عبل الذراعين فاطر

يزف ) 4 ( زفيف الخاضبات وينثنى كحقب لحتها لا فحات الهواجر

عليه غلام لا يمل من السرى عليم خبير بالصوى ) ٥ ( والمخاطر

تحمل الى ( ترشيش  ) 6 ( عنى تحية كما سلم الاحباب عند التزاور

" بلاد بها نيطت على تمائمى "  وفيها لما عقلي ولبى وخاطرى ) 7 (

وبلغ لندب ) 8 ( أريح سميدع سلاما يؤدى عنان بن جابر

الى الماجد الاسنى الى فارس الوغى مروى القنا يوم التقاء العساك

أبى عابد الله الكريم نجاره حليف الايادي والندى والمآثر

بعثت أبا عبد الاله بدائعا محبرة منظومة كالجواهر

تذكرني الود الذي كان بيننا  وتزعم انى سالي غير ذاكر ) 1 (

ليال وأيام نعمنا بوصلها على كرم منا وحفظ سرائر

وكنا إذا ما الجيش صفت جنوده ترانا على خيل عتاق ضوامر

عراب طراب صافنات سلاهب خفاف التوالي مدمجات الحوافر ) 2 (

نجر القنا المران فوق خدودها نقدها للطعن لا عين تشاجر

نخوض وغاها والقنا تقرع القنا بكل حسام مشرفى وباتر

فلما بدا لي بعض ما كنت أتقي وحانت أمور ضيقات المصادر

وعادت على الارض حلقة خاتم  بلا ذلة مني سوى طوع آمر

رأيت رجالا من رياح ومالك وعنوف ودباب وزغب وماجر

لهم مرقب دوني وقد كنت قبلهم بسيفى ورمحى في الوغي وعشائرى

تبينت حالا لا أطيق احتمالها فحدث بنفسى عن عدو وجائر

وسلمت أرض الشرق لا عن مذلة  ويممت أرض الغرب لا عن تخائر

الى بلد لا يعرف البذل أهله كرام الحشايا من هلال بن عامر

فسقيا لها من بلدة جادها الحربيا ولا زال فيها واكفات المواطر

بلاد بها للغانيات مراتع منمنمة اكنافها بالازاهر

وعز يصون النفس عن طارق الاذى  ويحمى الفتى عن جور باد وحاضر

توافى الينا كل يوم قبائل  موشحة بالماضيات البواتر

فمنها صديق صادق الود منصف ومنها عدو كاشح غير ناصر

فمن كان منا نال عزا ورفعة ومن حاد دسنا أرضه بالحرافر

فلا لوم ان الجود فيما فعلته فللموت أحلى فى الحشا والحناجر

من الذل ان الذل عنا بمعزل  وما شأننا غير اكتساب المفاخر

وفي الارض أوطان وماوى ومسرح وفي الناس من يرجى لدفع الضرائر

وسفى ورمحى واعترائى وسابقي ودرعي وقومي كالاسود الهزار

حميت - أبا عبد الاله من الاذى ولا زلت تسمو فى جميع المآثر

وعقب هذه المراسلة التحق ) عنان بن جابر ( بالخليفة السعيد من بني عبد المؤمن بمراكش محرضا له على محاربة آل بنى حفص ملوك افريقية ، لكن المقادير حالت دون وصوله الى مرغوبه اذ انه هلك في سبيله هذه ، ومات بمدينة ) سلا ( من بلاد المغرب ، ولم ينل ما كان يصبو اليه ) 1 (

الاصمعيان

رأيت - ايها القارى الكريم - ان عنان بن جابر بني قصيدته المتقدمة على قواعد علم العروض المعروفة ، كما راعى فيها شروط الاعراب ، وهذا قلما يأتى فى الاشعار المنسوبة الى بنى هلال وبني سليم حين نزوحهم الى افريقيا بل الغالب على قريضهم - وان روعيت فى كثير منه الاصول العروضية - انه كان خاليا من الاعراب الكامل ، حسبما جرت به العادة في اكلام جميع الاقطار الناطقة بالضاد من اول القرن الثانى للهجرة وربما قبله . و قد نقلنا لك فيما سبق رأى ابن خلدون فى الموضوع

ونود أن نضيف إلى ذلك - اتماما للفائدة - ما اورده - رضي الله عنه - فى التعريف باساليب الاعراب الضاعنين الى افريقية فى قريضهم البدوى وطرائقهم فى أشعارهم الخالية من الاعراب ، قال : ) 2 (

فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم المستعربون فيقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الاعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ، وياتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر واغراضه من النسب والمدح والرثاء والهجاء ، ويستطردون فى الخروج من فن الى فن في الكلام ، وربما هجموا على المقصود لاول كلامهم ، واكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ، ثم بعد ذلك ينسبون ، فأهل امصار المغرب من العرب يسمون

هذه القصائد ) بالاصمعيات ( نسبة الى الاصمعى راوية العرب في اشعارهم وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر ( بالبدوى )) 1 (

ثم قال : " وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى اشعارهم هذه ما عدا حركات الاعراب فى أواخر الكلم ، فان غالب كلماتهم ) أى قصائدهم ( موقوفة الاخر ، ويتميز الفاعل من المفعول ، والمبتدا من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الاعراب " ا ه

والحقيقة التى لا مراء فيها ان العربية وجدت نفسها قبيل ظهور الاسلام - بين لهجات مختلفة تعود باصلها الى لغتين كبيرتين ، الاولى : لغة ) عدنان ( وتعرف أيضا بلغة مضر ، وهى لسان أهل الحجاز ونجد وما والاهما من شمال الجزيرة العربية - والثانية : لغة ) قحطان ( سكان جنوب الجزيرة يعني اليمن وحضرموت وما والاهما ، واللغتان الشمالية والجنوبية - وان كانتا فى أرومتهما من دوحة واحدة وأصل متحد ، فقد تختلفان فى مفهوم كثير من الالفاظ وفي كيفية النطق ببعض الحروف ، وهذا الاختلاف مشهور معروف أبان أسبابه علماء اللغة والنحو من عصر جمع مواد اللغة العربية فى القرون الاولى من الهجرة ، ونسبوه الى تغاير اللهجات التى كان يتكلم بها القبائل وهذا صحيح واضح لا يحتاج الى بيان

ودأبت كل قبيلة متمسكة بلهجتها وبنطقها الخاص الى ما بعد ظهور الاسلام ، فلما جاء عصر الفتوح ، وقد اشترك فيها أبناء جميع القبائل ادخلوا الى الامصار المفتوحة مختلف لهجاتهم بما فيها من التباين والفوارق ، واستوطن الكثير منهم فى العواصم الموجودة فى البلاد . او التى خططوها بايديهم ، وبعد حين من الزمن امتزجت لهجاتهم بعضها ببعض وكونت فى كل جهة من جهات العالم العربي الجديد لغة حضرية تتميز كل واحدة عن غيرها بالمؤثرات الاقليمية وبالنطق المحلى ، بالاضافة الى ما تخللها من

المفردات المقتبسه من لسان الاهالى الاصليين ، شأن تطور كل لغة عن انتقالها من أمة الى أمة . ومن أقليم الى اقليم آخر ، فكان ذلك السبب الاول فى ايجاد الخلاف المشاهد الآن فى اللهجات بين الاقطار المتكلمة بالعربية

ومن المناسب أن نأتى هنا بأمثلة مما بلغنا من أقوال الاعراب الهلاليين دخولهم المغرب ، فمن قول بعض شعرائهم يفتخر بقومه من ) دريد ( ويحن الى منازل القيروان - وهى صبرة - التى حلوا بها لاول مقدمهم

تحن الى أوطان صبرة ناقتتى لكن مع جملة دريد حوارها

دريد سراة البدو للجود منقع كما كل أرض منقع المآء خيارها

وهم عربوا الاعراب حتى تعرفت  بطرق المعالي ما يوفى قصارها

وتركوا طريق البارمين ثنية  وقد كان ما تقوى المطايا حجارها

ومن مروياتنا الخصوصية عن صديقنا المرحوم ) محمد احمد علان ( رائد الصحراء الكبرى وخيراتها ، قوال الجازية واتسمى سعدى - أخت حسن بن سرحان أحد أقيال هلال ورئيس عشيرة دريد ولدها الصغير وتنصحه :

لا خير فى الطفل الصغير إذا نشا  وكان رقاد كثير همائده

إذا ما قض الشرق والغرب والسوا  وقطع بين الثنايا مزاوده

إما يموت ويرتاح من عيشة الردى  والأ يعود كما الصقر مالي مخالبه

وفى هذا القول من بديع التشبيه ما يكفى للدلالة عل بلاغة البدو الخالية من الاعراب .

ويلاحظ أن الجزء الرابع من هذا المقطوع على غير روى الاجزاء الثلاثة المتقدمة ، وهذا من مذاهب قريض الاعراب وأساليب شعرهم ، وقد تنبه إلى ذلك ابن خلدون حيث يقول .

ولا عراب هذا الجيل فن آخر كثير التداول فى نظمهم ، يجيؤون به معصبا على اربعة اجزاء يخالف آخرها الثلاثة في رويه ، ويلتزمون القافية الرابعة في كل بيت الى اخر القصيدة تشبيها ( بالمربع ) ( المخمس ) الذي احدثه المتأخرون من المولدين . "

لنعد الى اقوال بنى هلال وبنى سليم ، فانهم ينسبون الى ( الحازية ) ( 1 )

هذه كلاما منظوما كثيرا فى معنى الحكمة والموعظة ، وفيه من حسن الديباجة وحلاوة التعبير ما لا مزيد عليه

وكان للجازية من الجمال البدوى الباهر ، ورصانة العقل ورجحان التفكير ما يجعلها بطلة " الزحفة الهلالية " وأبرز ذواتها عندهم . فمما يحكى أنها كانت ذات يوم فى خيمتها وقد نظرت الى وجهها فى المرآة فاعجبها جمالا وصباحته ، وخطر ببالها أن زوجها بدرا - ويدعى عندهم بدران - شيخ كبير علا رأسه الشيب ، ففاهت بعبارة تحسر على شبابها ولم تنتبه أن زوجها بدران كان من ورائها ينصت الى حديث نفسها ، فقال على البديهة يخاطبها :

تعائرني جزاة الناس أخت أبو علي  تقول ثبت يا بدران شيبك لاح

فقلت : ما في الشيب شئ يعيبني ولكن أيام الشباب صباح

حنا إذا شبنا وشابت لحانا ان ناخذوا من سود العيون ملاح

وأنتن إذا شبتن وشابت شعور كن

تغدن كراديس حلفا في سنين شحاح

فانظر - يا رعاك الله - الى قوله : ) كراديس حلفا فى سنين شحاح ( وما فيه من التشبيه الغريب ، مما يذكرك باشعار الجاهليين ، ثم انتبه الى المحافظة على ) نون النسوة ( في كلامهم ، وما زالت هذه النون مستعملة الى يوم الناس هذا فى تخاطب أعرابنا المتوطنين الان فى الناحية الجنوبية من البلاد التونسية ، فهى جارية على ألسنة قبيلة ) المحاميد ( و ) المرازيق ( ) اولاد يعقوب ( وغيرهم ، فيقولون مثلا : ) النساوين يشربن ( و ) ياكلن ( و ) يغزلن ( وقس على ذلك ، لكن هذه النون ضاعت من لهجة أعراب شمال القطر التونسى ووسطه ، ولم يحتفظ بها سوى عرب الجنوب منهم

وفيما عدا تونس ترى ) نون النسوة ( منتشرة فى كلام الاعراب المقيمين فى ناحية طرابلس وبرقة من الهلاليين والسليميين ، وهى مبثوثة فى قوالهم الشعرية ، ونجدها سائدة أيضا فى كلام الاعراب من بنى سليم المستقرين الآن يمصر في جهة الفيوم والبهنسة من الصعيد ، وقد سمعتها بنفسى من أفواههم فى تخاطبهم ، وما زالت كذلك رائجة فى لهجات عرب الحجاز ونجد وتهامة وبين عشائر العراق والشام وفى اليمن وحضرموت وم والاها من الاصقاع العربية الاخرى

وكم كنا نود لو كان لدينا من أشعار أعراب الحجاز - أجداد الهلاليين وبنى

سليم - ومن بقاياهم قبيلة ) حرب ( المخيمة الان بين ) جدة ( و ) مدينة الرسول ( ، اذن لتمهدت لنا السبل للمقارنة بين أقوالهم الحالية وأشعار أسلافهم المنتقلين الى افريقية فى أواسط القرن الخامس

وسمعت أنا فى احدى زياراتى الى الحجاز بدويا من قبيلة ) حرب ( يحدو جماله ببيتين من الشعر ، أثبتهما هنا ، ولا أدرى أكان الجمال هو القائل لهما أم هما من محفوظه ، وهو الغالب على الظن

وظبيان من وادى تهامة أقبلا  وقالا لنا حنا نبى منكما حسنا

فقلت أبسطا كفيكما وتخضبا   وحنا على المضنى بوصلما حنا ( 1 )

وفى هذين البيتين من الجناس الكامل ما هو ظاهر

ومن المفيد هنا أن نورد مقطوعة من الشعر العامي التونسى قبلت بلا شك فى العصر الحفصى كما تدل علية الفاظها وسبكها ، والشئ يذكر مع ما يجانسه ، وهى ) 2 ( :

غربتك الجمال يا حفصه من بلاد بعيد

بمن سجلماسة ومن قفصه وبلاد الجريد

ومن المؤسف جدا ان لم يصل الينا من الاشعار الحضرية التونسة الا هذه القطعة ، أما اشعار البادية من كلام الاعراب الهلاليين فقد تعهد ابن خلدون بإيراد قسط كبير منها حسبما ياتى بعد .

وليس لدينا من الاقوال الشعبية للحضر فى العهد الحفصى الا ما ينقل مر كلام الشيخ الصالح ) أحمد بن عروس ( المتوفى 868 ه ، وزاويته مشهورة بالحاضرة التونسية ، مثل قوله :

صوبت للواد نشرب   بطلعت من ثم ضامئ

كلمت من ليس يفهم    أواه ! خسارت كلامى

وله أشعار كثيرة من هذا النمط ساق البعض منه مؤلف مناقبه الشيخ عمر الراشدى ، وقد أكد أن ما قاله الشيخ من الملحون " لا ينافر الميزان العروضى ولا يخرج عنه لموافقته وزن الرجز من الاوزان " ) 1 (

الإعراب أهل ) القالة (

وهناك مظهر آخر يستحق الانتباه اليه وهو ان بنى هلال وبنى سليم المستوطنين فى البلاد التونسية ، سواء أهل الجنوب منهم أو الشمال ينطقون دائما أبدا ) القاف ( بصيغة ) القاف المعقودة ف ( كما هو جار عند جميع الاعراب في أطراف العالم العربى ، من الخليج الفارسي الى المحيط الاطلنطى . ولهذا السبب نفسه يطلق أهل الحواضر التونسية اسم ) أهل القالة ( على اعرابنا ولا يخفى أن أصحاب القراءات القدامى أكدوا أن أهل البيت النبوى كانوا لا ينطقون الا بالقاف المعقودة حتى فى تلاوتهم للقرآن الكريم

ومن المفيد جدا أن نرجع فى هذا الخصوص الى ما رواه علامتنا ابن خلدون عن نطق العرب بحرف القاف ، قال :

ومما وقع فى لغة هذا الجيل العربى لهذا العهد حيث كانوا من الاقطار شأنهم فى النطق بالقاف ، فانهم ) أى الاعراب ( لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الامصار كما هو مذكور فى كتب العربية ، بل يجيؤون بها متوسطة بين الكاف والثقاف ، وهو موجود للجيل أجمع ، حيث كانوا من غرب أو من شرق حتى صار ذلك علامة عليهم بين الامم والاجيال ومختصا بهم لا يشاركهم فيها غيرهم ، حتى أن من يريد التعرب والانتساب الى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها ؛ وعندهم انما يتميز العربى الصريح من الدخيل فى العروبية والحضرى بالنطق بهذه القاف ، ويظهر بذلك أنها لغة مضر بعينها ، فان هذا الجيل الباقين معظمهم ورؤوسهم شرقا وغربا من ولد منصور بن عكرمة . . بن سليم بن منصور ) أى بنى سليم ( ومن بنى عامر بن صعصعة . . بن هوازن بن منصور ) بنى هلال ( . . وهم لهذا العهد أكثر الامم فى المعمور وأغلبهم ، وهم من أعقاب مضر ، وسائر الجيل منهم فى النطق بهذه القاف أسوة ، وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هى متوارثة فيهم متعاقبة

ويظهر من ذلك أنها لغة مضر الاولين ، ولعلها لغة النبى صلى الله عليه وسلم بعينها ، وقد ادعى ذلك فقهاء أهل البيت ، وزعموا أن من قرأ فى أم القرآن : ) اهدنا السراط المستقيم ( بغير القاف التى لهذا الجيل فقد لحن وأفسد صلاته ولم أدر من أين جاء هذا فان لغة أهل الامصار أيضا لم يستحدثوها وانما تناقلوها من لدن سلفهم ، وكان أكثرهم من مضر لما نزلوا الامصار من لدن الفتح ، وأهل هذا الجيل ) أى من الاعراب ( لم يستحدثوها أيضا الا انهم أبعد من مخاطبه الاعاجم من أهل الامصار ، فهذا يرجع فيما يوجد من اللغة لديهم انه من لغة سلفهم ، هذا مع اتفاق أهل الجيل كلهم شرقا وغربا فى النطق بها ء وانها الخاصية التى يتميز بها العربى من الهجين الحضرى ، فتفهم ذلك والله الهادى المبين " اه

أقول ان شأن هذه القاق غريب فى تقلبات نطقها على مر الدهر ، فقد تقلب إلى ) أ ( فى كثير من المدائن العربية المتحضرة ، مثل مدائن المغرب الاقص وتلمسأن ، وكذا كان أمرها في كلام أهل غرناطة بالاندلس ، وفي جزيرة مالطة الى الآن . وفى قسم كبير من الاقليم المصرى وغيره

وفى اعتقادنا أن هذا النطق يرجع الى عوامل حضرية بحتة ، لان أهل المدن فى سائر المعمورة يميلون غالبا الى ترقيق الحروف فى مخارجها تسهيلا للتلفظ بها .

ويتلخص مما تقدم أن حرف القاف فى هذا العهد لها ثلاثة وجوه ف النطق بها : ) قاف حضرية ( كما ينطق بها أهل مدينة تونس و ) قاف معقودة ( كما هى عند الاعراب شرقا وغربا ، و ) همزة أ ( فى كثير من الامصار .

فى غير ) القاف ( اعتبر التغاير الملحوظ فى النطق بحرف ) الجيم ( كيف يتحور ويتباين من ناحية الى أخرى ، فبعضهم يلفظ بها كالقاف المعقودة ) ف والبعض يجعلها جيما لينة - كما فى تونس - والبعض الآخر ينطق بها ) جيما معطشة ( الى حد أن يصير مخرجها ما بين ) التاء والشين ( مثل الجيم التركية ، كما هو الشأن عند عرب الصعيد والعراق ، الى غير ذلك الاوضاع التى يكسبها النطق فى سائر البلاد العربية

هذا ، ولا تظنن ان اختلاف النطق ببعض الحروف مما انفردت به العربية بل هو مشاهد فى كل اللغات الكبيرة فى العالم ، خذ مثلا الامم الجرمانية فانها غير متفقة ولا متحدة فى التلفظ بحرف " الكاف " فقد تكون أحيانا ) ك ( وتارة ) خ ( وأخرى ) ش ( فى الكلمة الواحدة فى مثل اسم المدينة الالمانية المشهورة ، فقد يلفظ بها ) مونيك ( و ) مونيخ ( و ) مونيش ( وقس عليه .

وهذا التغيير واضرابه لا يدخل تحت حصر الا لمن يعالج البحوث اللغوية والصوتية منها حروف الصفير خاصة .

ومن باب ابدال نطق حرف باخر فى اللهجة التونسية : قلب حرف الجيم الى الزاى ، فيقولون مثلا فى لفظ : عجوز ) عزوز ( - وفي الجزار ) الززار ( - وفى المجاز ) مزاز ( - وفى فعل جاز ) زاز ( وفى مضارع يجزئ ) يزى ( بتشديد الزاى ، وقس على ذلك ، ولا يقع هذا الابدال الا فى الكلمات التى فى متنها ) ج ( و ) ز ( و ) السين ( من حروف الصفير وهى قاعدة مطردة تكاد لا تختلف في جزء عظيم من أقاليم المغرب كالبلاد التونسية وطرابلس وبرقة

وفى اعتقادنا ان عرب هلال وسليم انما قلدوا الامم البربرية فى اتخاذ هذا النطق ، وقد يفيدنا ابن خلدون عند تفسيره لاسم ) زناتة ( : " ان أصلها مشتق من ) جانا ( وهو أبو القبيلة ، فجمع أهل القبيلة فى اسم ) حاناتة ( ولم يكن نطق البربر بهذه الجيم من مخرج الجيم عند العرب . . فهم ) اى البربر ( يبدلونها ) زايا ( محضة . "

وأمثلة هذا القلب كثيرا ما يجرى فى لغة التخاطب الشائعة لدى البدو والحضر على السواء ،

ولسنا نقصد فى هذه العجالة بدراسة مخارج الحروف وما يعتريها من القلب والابدال فقد وضع فى هذا الغرض عشرات المؤلفات ، وانما تعرضنا لبعض العوامل النطقية التى تدخل بكثرة فى المفردات الواردة في الاشعار الشعبية فتظهر مظهر الغلط والوهم لمن لم يستوعب تطور اللهجات العموم وما يعرض لحروفها من القلب والتغيير

واذا ما وصل بنا البحث لهذا الحد فلنضع بين كفتى الميزان ما قام به اعراب بنى هلال وبني سليم من الفساد ، وتخريب المعالم ، وتعطيل الحضارة النضرة التى كانت تتمتع بها افريقية قبل مجيئهم ، وقضائهم على الامر العام الذى كان سائدا فى البلاد ، وتقويض السلطة الحاكمة المحلية التى سعت وسعها للنهوض بالقطر ، والرفع من شأن سكانه في شتى الميادين المادية والادبية

وما كان لهؤلاء الاعراب من مزية تذكر ، فانا نرى أنهم أسدوا الى اللغة العربية فى عموم المغرب - وفي افريقية خاصة - أجل الخدمات ، اذ انهم بامتزاجهم باقوام البربر الاصليين أجبروا العناصر الاهلية بحكم الغلبة على استعمال اللغة العربية في تخاطبهم بدلا من لهجاتهم البربرية التى لم تزل وقتئذ رائجة فى جميع البلاد ، فأخذت من ذلك الحين فى التقهقر رويدا رويدا أمام لغة المهاجمين ، والتجأت بقاياها الى الجبال والمعاقل المنيعة ، لكن العربية

البدوية لحقتهم هنالك وزعزعت منعتهم ، وتسربت الى ابنائهم وأحفادهم فاضطرتهم الى استعمال العربية خاصة ، وتقليد أوضاعها وآدابها وأشعارها

وقد أثبت ابن خلدون سريان اللغة العربية قسرا الى القبائل البربرية وتغلغلها بينهم عندما تكلم على ) هوارة ( وهى من أضخم مجموعاتهم فقال : ) 1 (

" وصارت قبيلة هوارة ظواعن فى عداد الناجعة عرب بنى سليم فى اللغة والزى ، وسكنى الخيام ، وركوب الخيل ، وكسب الابل ، وممارس الحروب ، وايلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلولهم ، وقد نسوا رطانة البربر ، واستبدلوا منها بفصاحة العرب ، فلا يكاد يفرق بينهم "

فهذه المزية العظيمة هى الوحيدة التى يمكن ان توضع فى ميزان الاعراب اذ أنهم فرضوا لغتهم العربية على سكان البوادى والارياف فرضا دائما مستمرا ، وبفضل ذلك أيدوا بصفة نهائية ماكان قام بنشره عرب الفتح العربى فى الحواضر والعواصم الافريقية ، أربعة قرون قبل هذا العهد

واعتبر أيضا تمسك بقايا بنى هلال وسليم بتقاليدهم العربية لا فى اللغة فحسب بل فى كل مظاهر الحياة الاجتماعية كعاداتهم فى الافراح والاتراح وحتى فى العاب صبيانهم المنقولة عن سكان جزيرة العرب

والواقع أن هذا الموضوع الهام يحتاج الى دراسة عميقة واستقصاء شامل يجتهد فيه الى ابراز خصائص تلك التقاليد الموروثة ، وعن أصولها ، واظهار خفاياها للعيان .

ولله در ابن خلدون فى الفاته النظر الى أهمية هذا النوع من الابحاث ، حيث يقول : " وكثير من أمثال هذه الاخبار التى لو انصرفت اليها عناية الناقلين لملأت الدواوين "

وأرجو أن يتاح لسواى من الباحثين بما لم يتح لى من البيان فى الموضوع وانى لارجو أخيرا أن يحقق هذا الغرض شبابنا المثقف ، وليس ذلك على همته الوطنية وغيرته على تراثه القومى بعزيز !

اشترك في نشرتنا البريدية