قبل الحديث عن الدراسة بالمدارس الحرة القرآنية وتلاميذها أقدم للقراء نص وثيقة الرخصة بقلم المتفقد الطيب الذكر السيد الصادق التلاتلى رحمه الله واليكم نسختها بخط يده .
الحمد لله ، من متفقد المكاتب القرآنية والتعليم العربى الى الفاضل سيدى محمد الهادى العامرى دام حفظه بناء على مطلبكم فقد رخصت لكم بفتح مدرسة قرآنية تحت اسم المدرسة القرآنية العلمية بالمحل الذى كانت به مدرسة تحت الاسم المذكور لصاحبها الشيخ سيدى محمود عباس المتخلى عنها . والله ولى الاعانة وحرر فى 18 جويلية 1928 المتفقد الصادق التلاتلي
ثم نسخة من أبيات شعرية جادت بها قريحة الشاعر العربى المطبوع السيد أحمد أديب رحمه الله المتوفى بسوسة سنة 1938 الذى اتخذ تونس مهجرا واختار فى آخر عمره سوسة دارا ومستقرا ومدفنا صاغ الابيات التالية وحفرها بقلمه واليكم نسخة الوثيقة الادبية .
هذه عجالة فى الثناء على محبس أرض المدرسة بالمنستير والتنويه لبيان مديرها الحالى : عثمان نجل هنيه الشيخ المنستيرى حج وما أضاع النافلة بالالتفات لفعل خير غير منقطع بموت ذى أجور كافله هو جعل أرض المعهد العلمى ذا وقف فهل أبصرتمو من ماثله
من طيب نفس انجزت بصنيعها
نفعا عميما منه مكن سائله
فيه من النبلاء طائفة بهم أضحت بيوت الاستفادة آهله
بتداول القرآن والعلم الذي للمعتنين به به الاثابة كافله
ومديره المفضال أى ممجد يحيى به الذكر المذيع فضائله
العامرى محمد الهادى الذى شمس السوانح ( 1 ) منه ليست افله
الالمعي البارع المعطى احا دة ما به يرقى لاعلى منزله
يجزيه عن تهذيب كل محصل للعلم فيه ذو الهىات الكامله
حرره احمد أديب فى 8 ذى القعدة 1349
ثم أعود الى الموضوع فاقول : كانت هذه المدارس الحرة فى أول أمرها شديدة العناية بدراسة القرآن الكريم وكان مديرو هذه المدارس يخصصون لدراسة الذكر الحكيم أكبر حصة من حصص مواد الدروس الاخرى نزولا عند رغبة أولياء التلاميذ الذين كانوا انذاك حديثى عهد بدراسة القرآن فى الكتاتيب القرآنية : وكانت هذه الدراسة تقليدية محضة يعوزها التفسير وينقصها بث الوعى الدينى والتروض على ذلك لانها تشكو ضحالة معلومات الحفاظ للكتاب العزيز وقلة المعلمين الاكفاء من هذا الضرب الذين تمكنهم معلوماتهم من التضلع بالدراسة على أكمل الوجوه المفيدة الناجعة فى ميدان التوعية والتوجيه كطريقة الرسول الكريم صلوات الله عليه التى كان يعتمدها فى التبليغ والاعداد والترويض . ولم يبخل علينا العلماء الاسلاميون بتبليغها ونقلها بالرغم عن ذلك فقد أهملها المتأخرون من أجدادنا واستعاضوا عنها الحفظ المجرد فانحط الشعور وساد التخلف كل ميدان وضعف الوازع الدينى بفقد الوعى والتروض والمران نقل الينا جلال الدين السيوطى فى كتابه الاتقان فى علوم القرآن الطريقة العملية للتوجيه والتوعية فى عهد النبوءة وهى مزج المعرفة بالعمل والاصلاح بواسطة القدوة والاسوة بالتمرين والترويض قال السيوطى : قال ابن تيمية : فى كتاب ألفه فى هذا النوع :
يجب أن نعلم أن النبى _ صلى الله عليه وسلم بين لاصحابه معاني القرآن كما بين أهم الفاظه فقوله تعالى لتبين للناس ما نزل اليهم بتناول هذا وقد قال أبو عبد الرحمن السلمى حدثنا الذين يقرؤون القرآن كعثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما كانوا إذا تعلموا من النبى _ صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا الخ . . . ومعنى هذا بين والعبرة منه واضحة فالحفظ بدون فهم أمية محضة عبر عنها الذكر الحكيم بذلك فقال تعالى فى سورة البقرة _ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني _ أى تلاوة بدون فهم أى انهم لاحظ لهم من الكتاب الا قراءة الفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر اثرهما فى العمل فهو على حد قوله تعالى _ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم بحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا سورة الجمعة _ فكان هذا الاسلوب التعليمى بهذه المدارس جله عقيقا وكان الناس فى ذلك العهد يؤسفهم التنقيص من حصص القرآن أكثر مما يؤسفهم الجمود على الطريقة القديمة التقليدية للتدريس لانهم انسوا بها والفوها حتى أصبحوا لا يفكرون فى سواها ولانهم كانوا يعتقدون انذاك أن المدارس الحرة القرآنية مؤسسات يراد من ورائها تدارك مافات المقبلين على المكاتب العربية الفرنسية التى أسست في نظرهم لطمس نور القرآن وللقضاء على العربية وهم محقون فى ذلك لان العربية كانت لاول الامر مستغنى عنها والتلميذ الذى يخدم بستان المدرسة ينال عددا والذي يتقنها لاوزن له ولا يحفل بمعلوماته تزهيدا فيها ومكرا بأهلها واستدراجا لهم حتى يستعيضوا عنها شيئا فشيئا لغة المستعمر الحية النابضة التى تدر النعم على من يتعلم أدنى مباديها فيجد متعلمها وظيفا فى أى دائرة من دوائر الادارة الاستعمارية التى أصبحت بين عشية وضحاها فرنسية اللغة من ألفها الى يائها والويل للمغلوب وتعسا له ويحرم الذي يحذق لسانه العربى من معظم الوظائف بحكم الوضع والضرورة والخطة المرسومة والناس مجبولون على حب الحياة وان ضحوا بانفس ما لديهم . ومن نكاية الايام أن هذا الشعور أخذ ينتشر ويعم ويغمر الجماهير انذاك فكانوا يرسلون بأطفالهم فى شرخ طفولتهم الى المدرسة الحرة القرآنية ليتعلموا شيئا ما من التنزيل ويشدو شيئا ما من العربية فاذا جاوزوا سن الاثغار بعثوا بهم الى المكتب العربي الفرنسى ويخيل اليهم أنهم بهذه الطريقة قد مكنوا الطفل من الدين ومباديه ومن اللغة وبذلك يحفظون عقيدة أبنائهم من الزيغ ويأمنون التنكر لذاتيتهم ثم بعد أن يحرز ابناؤهم على الشهادة الابتدائية الفرنسية يؤثر الكثير منها ارجاع أبنائهم الى المدرسة ليزدادوا تمكنا من العربية والقرآن ، وقد شاهدت
طريقة اخرى فى أثناء تدرسي بالمدرسة العرفانية بتونس يسلكها قسم من أبناء الجزائر الشقيقة وخصوصا أبناء وادى مزاب فقد كانوا ينخرطون فى سلك التعليم بالمدرسة العرفانية ومعظمهم محرز على الشهادة الابتدائية الفرنسية . فيمكنون من تدارك مافاتهم من العربية بعد الحصول على تلكم الشهادة وأما بمدارسنا بتونس فمعظم التلاميذ يجرى تعلمهم على ذلكم الاسلوب المشروح انفا وبعد اتمام الدراسة يشارك بعضهم فى امتحان مدرسة ترشيح المعلمين والبعض يلتحق بالجامع الاعظم جامع الزيتونة ولكل وجهة هو موليها
وقد يعلل الذي لا يفكر قليلا فى أسرار هذا الاضطراب بظاهرة شاذة تهيمن عليها الفوضى ويغمرها التناقض ويسودها التشتت ولكن الحقيقة ان ذلك كله ناشئ عن شعور عميق دفين فى النفوس يدفعها الى التشبث بالاصالة المهددة من قبل المستعمر الذى يتربص بها الدوائر ويحاربها بوسائله السلبية ليمحق من هذه البلاد كل شعار عربى اسلامى ، فيضمحل من عند نفسه وتحل محله الذبذبة التى تخلق أمة لا من الشرق مطلعها ولا من الغرب منبتها . وتلكم هي خطة الاستعمار يترك المشاريع القومية تنهار واذا تداخل لاصلاحها أفسدها وزادها سوء على سوء . ومن نكد الحظ أن يتهافت مديرو هذه المدارس الحرة الذين تدفعهم تيارات المستعمر الى قلب وضعية المدرسة وأهدافها فعنوا بدراسة الفرنسية أكثر من عناية ادارة التعليم الفرنسي بها بتونس وتفوقت عنايتهم عندما انبروا فى هذا الميدان فحلوا فيه وضربوا الرقم القياسى كما يقول أبناء العصر فى هذا الصدد واستحالت المدارس الحرة القرآنية الى أداة نشر اللغة الفرنسية الامر الذى أثار اعجاب المستعمر الذى صمم على ادماجها وضمها مقابل حطام زائل كان يتهافت عليه مديرو ومعلمو هذه المدارس الذين اشتروا الضلالة بالهدى وأنا منهم فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين وقد أحدث هذا التنافس مشاكل يأتى الحديث عنها .

