رحم الله اسلافنا الصالحين فقد كانوا ديمقراطيين اكثر مما نتصور كانوا ممتازين فى تعبيرهم الرقيق ، ومتفوقين حتى فى حديثهم اللطيف ، وحذرين في سلوكهم العجيب ، فكانوا يقولون عن تلاميذ مالك بن أنس أمثال أشهب وابن القاسم ومن إليهما من فطاحل الفقهاء الذين تلقوا عن مالك : " اصحاب مالك " ؛ ويقولون عن تلاميذ سحنون الذائع الصيت بهذا المغرب : " أصحاب سحنون . وقد تعود مؤرخونا القدامى بهذا التعبير الرقيق إذا تحدثوا عن تلاميذ عالم من علمائهم فيقولون عن تلاميذه أنهم أصحابه . وذلكم فى الواقع اقتباس من الهدى النبوى الشريف ، فالرسول الكريم صلوات الله عليه هو المعلم الأعظم والهادى الأكرم والمرشد الأكبر أطلق على تلاميذه وخريجى مدرسته الزاخرة الحافلة النيرة اسم " الصحابة " لطفا وتواضعا ، ولا يخفى ما في هذا التعبير من طلاوة وعذوبة وطرافة ورقة تهش لها الأرواح وتهتز لها النفوس ، لأن المعلم هنا لا يريد بحال أن يشعر من لنظره بأنه الينبوع الذي يكرعون من فيضه أو المنهل الذى يرتوون من معينه ، فضلا عن أن يلوح إليهم بأنه صاحب الفضل عليهم أوله التفوق على أصاغرهم أو كبارهم ، وإنما هو واحد منهم يحرص كل الحرص ألا يخاطبهم بكلمة تنبو عن السمع أو تحمل المنة فى تضاعيفها
فكان لهذا التعبير الأثر العميق في التأنس بالتلقي والانجذاب إلى الأستاذ والإقبال على ما يبينه ويقرره ، والرسوخ فى الكمال فرسخت الفضائل في نفوس الأصحاب على هذا الغرار طيلة العصور والأجيال
وبهذا الاعتبار فأصحابى بالمدرسة العلمية بالمنستير فى أثناء منتصف القرن العشرين م لا يعدون كثرة ولا يطمع طامع فى ضبط أسمائهم فضلا عن الإشارة إلى خصال كل واحد منهم . ولعل البعض منهم يتهمنى ولعله ينقدني وينقد إغفالي ويعزوه إلى ما آنا براء منه وله أن يتهمنى بما يخيل إليه إلا أنني وأنا ) فى ارذل العمر ( كما قال بعضهم لا سامحهم الله فكيف لي بالنفاق ؟ وكيف لي بالمداهنة ؟ ومن اين يكون لمن هو فى أرذل العمر اندفاع إلى الطمع ؟ افلا يقول هذا إلا الأبله المعتوه ؟ فأى حاجة إلى المداهنة ؟ وأي داع إلى الطمع بعد أن قضيت واجبى فى الحياة وعلمت البشر أربعة واربعين سنة حتى ) ألقت عصاها واستقر بها النوي كما قر عينا بالإياب المسافر ( ؟
أجل سأتحدث عن البعض من أصحابي ، وأعود ما تذكرت إلى ذكراهم ، لا سيما من لمست الفضل فيهم ، وعرفت الشريف الكريم من أخلاقهم ، وآثروا فى نفسى وهى نفس الصاحب الأكبر بحسن سلوكهم حتى أصبحوا المثل الأعلى للخلود والقدوة الحسنة والمفخرة لكل من علم وتعلم والمصابيح المتألقة لمن يحاول أن يقتدى بهديهم وينسج على منوالهم في الاعتراف بالجميل لأهله . ولست الوحيد الذي دون ذلك فقد نقل التاريخ تراجم أفذاذ زانوا الفضيلة بتحليهم بها ، وأذكر من ذلك مثلا فأقول : عندما
وصل الناصر الموحدى سنة 601 ه إلى فاس وهو فى طريقه إلى تونس يجر وراءه الخيل العرمرم ليقضى على الثورة العاتية الشهيرة ببلادنا وفد عليه في مخيمه الحربي بفاس امام جامع القرويين ؛ فسأله الناصر عمن ترك عوضه بجامع القرويين ؟ فقال : يا امير المؤمنين تركت عوضى مولاى أى معلمي . وفي الأثر من علمك آية من القرآن الكريم فهو مولاك . فحل لتلك الآية أكبر الأثر في سعادة المتعلم . وقد قال الرسول الكريم صلوات الله عليه من لا يشكر الناس لا يشكر الله " . فشكر له الناصر صنيعه واستشهاده وفضله باعترافه بالجميل لمن شارك في بناء صرح حياته ولو بوضع لبنة في أسها . وأمثال هذا الإمام كثيرون لا يحصون . وبالاخرة فإن أصحابي كلهم خيار ولم أر من أحد ما أنكره إلا النادر الشاذ الذي لا يقاس عليه ولا ينبني حكم على سلوكه لأنه من . الندرة كاد يختفى ويغمره فضل الأصحاب الآخرين الذين برهنوا بما لا يقبل الريب ولا الطعن بأنهم جديرون بالعلا والمكارم و صالحون لأن يكونوا قدوة للأجيال الصاعدة فى الاعتراف بالجميل لمن أرشد وعلم وهذب . وهنا لا يتمالك المعلم الأول عن المباهاة بهم وتدوين مكارمهم للأسوة الحسنة ، وفي طليعتهم الصاحب الأفضل والرجل الذي بني حياته بكده وجده وعصاميته الآستاذ محمد مزالى مدير هذه المجلة ورافع راية الفكر بهذه البلاد عرفته طفلا سليما ذكي الفؤاد يأتي به والده الشيخ إلى الفصل الذي أدرس به وقد حاطه بحنانه ومثل أمامه حرص الوالد الغيور على تثقيف أبنائه بتهافته على أمكنة الدراسة وإن لم يكن عارفا ويحاول بكل ما أوتى من جهد أن يتدارك ذلك فى آبنائه كذلك كان محمد الغزالي الشيخ العامي يحرق الأرم على ذهاب
وقته في غير الدراسة ويلح إلحاحا غريبا على المربين بأن يعلموا ابنه حامدا ويلهب شعورهم فكان له ما أراد بعد موته ، قضى ذلك الطفل الذي عرفته فى صحبتى فترة حذق العربية ومباديها فى اثنائها وتجلت فيها روحه الكريمة التى ازدادت فيما بعد تفتحا وابتهاجا ورسوخا فى الكمالات الإنسانية والمعرفة وكانت العادة الجارية آنذاك أن المدرسة هي المعبر الذي لابد للطفل من المرور عليه ، وكالمنهل لا مناص من الورود من معينه بالنسبة للسان العربى ، فإذا حذق الطفل مبادئ لغته ومبادئ دينه يمر من هناك إلى المكتب العربى الفرنسي ليدرس الفرنسية التى كان يعنى بها ذلك المكتب المؤسس خصيصا لها . والعربية فيه آنذاك كقدح الراكب وهو لا يكون إلا من خلف . ولا يبالي التلميذ بما يلاقيه من الإعراض عن اللسان العربى ما دام قد تلقي الكثير منه بالمدرسة كذلك كان الناس يتجهون بأبنائهم نحو المدرسة في عنفوان الطفولة وينظرون إليها نظرهم إلى المدرسة الأولى القادرة على طبع الطفل بالطابع العربى الإسلامى وكأنهم يتداركون بذلك ما فات اطفالهم من تلقين الكتاب العزيز الذي كان المادة الأصلية للتعليم بهذه البلاد . ولما اهملت الكتاتيب والتحق الأطفال بالمكاتب ضل الجمهور يحن إلى التعليم الأصلى ويعلن في كل مناسبة شكواه وتذمره من زهد الناس فى ذلك . لذلك كانوا يرسلون بأبنائهم فى أول الأمر إلى المدرسة التى تحمل اسم القرآن ثم ينقلونهم إلى المكتب فكنا نتألم من مغادرة تلامذتنا ونتمني من صميم آفئدتنا آن نباشر تعليمهم الابتدائى بدون أن يكون للأجنبي يد فيه ولكن الإمكانيات المحدودة وقلة الاكفاء آنذاك من معلمي الفرنسية كانت تفرض هذا السلوك علينا وعلى الجمهور
إلى أن تغلبنا على الصعوبة وذللناها وتمكنا من إقرار التلاميذ بمدرستهم زمنا ليس بالقصير . ويلي الاستاذ مزالي في مذكراتى الصاحب الأكمل عبد السلام غديرة الذي كان والده الشيخ إذا مر أمام المدرسة ينحني أمامها انحناء العابد أمام معبوده فنقول له لماذا تفعل ذلك ؟ فيقول إن مدرسة ثقفت ابني عبد السلام وهذبته وأهلته وأنقذته ، تستحق الانحناء . وتمكن هذا الصاحب بحزمه وكده وذكائه من النجاح الباهر وكان كأخيه محمد مزالى وفيا مخلصا ومثلا في المكارم والمحاسن وسمو الأخلاق طيلة الدهر سائرا .
