الروح الاسلامية فى الصدر الاسلامى هى التى اشادت صروح العبادة واقامت المآوى للعجز ، والضعفاء والبائسين واسست المستشفيات لمعالجة الامراض واسست المدارس لبث المعرفة وكانت تهدف الى الخير المحض الذى اراده الله من الانسان فى هذه الارض وفى هذا الوجود بدون ترقب ثناء من الناس ولا تظاهر ولا رياء . . وشعارها كما نطق الذكر الحكيم - لا نريد منكم جزاء ولا شكورا - وكان المرابطون الاولون بالثغور الاسلامية يتطوعون بحراستها من الاعداء ويندفعون الى حمايتها بدون طمع ولا رياء ايمانا منهم بشرف العمل الذى يقومون به ابتغاء رضوان الله الذى اراد من الانسان ذلك ودعاه الى العمل الصالح لانه صالح والى المسارعة فى فعل البر لانه خير وبر بدون ان يفسده المحسن باذى الشوائب التى تحط من قيمته وتعرضه الى الاطماع كيفما كان لونها سامية او سافله . . وتمادى المسلمون على ذلك طويلا الى القرن السادس الهجرى فقد نقل أبن خلكان المؤرخ المتحرى فى كتابه وفيات الاعيان فى ترجمة صلاح الدين الايوبى الذائع الصيت ما يبرهن على رسوخ تلكم الروح حتى لذلك العهد قال ابن خلكان ما يلى قال : قلت ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية كان مذهبها مذهب الامامية فلم يكونوا يقولون بهذه الاشياء فعمد فى القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الامام الشافعى رضى الله عنه وجعل عليها وقفا طويلا وجعل دار عباس مدرسة للحنفية وعليها وقف جيل كبير ايضا والمدرسة التى بمصر المعروفة بزين التجار وقفا على الشافعية وقفها جيد ايضا وله مدرسة بالقدس ايضا ووقفها كثير وخانقاه بها وله بمصر مدرسة للشافعية : قال : ولقد فكرت فى نفسى من امور هذا الرجل وقلت انه سعيد فى الدنيا والاخرة فانه فعل فى الدنيا هذه الافعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها ورتب هذه الاوقاف العظيمة وليس فيها شئ منسوب اليه فى الظاهر فان المدرسة التى بالقرافة ما تسميها الناس الا بالشافعى والمجاورة
للمشهد لا يقولون ايضا الا المشهد والخانقاه لا يقولون الا خانقاه السعد او المدرسية الحنفية الا مدرسة السيوفية والتى بمصر لا يقولون الا مدرسة زين التجار والتى بمصر لا يقولون الا مدرسة المالكية وهذه صدقة السر على الحقيقة الخ اهـ . الا ترون كيف كان السلف يفسرون الاعمال الخيرية فى سائر الميادين بصدقة السر التى لها اثرها فى فعل الخير المجرد ولن يعلمها الا من اقيمت لرضوانه وهو الخالق الذى اراد للانسان ان يكون بارا بغيره بدون امتنان وطالما نهى عن المن : فقد جاء فى التنزيل الحكيم - لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى - الآية سورة البقرة - وخاطب رسوله الكريم صلوات الله عليه ناهيا عن المن فقال له فى سورة المدثر - ولا تمنن تستكثر - وقد اعتنقت بعض الجمعيات الخيرية الاجتماعية فى مستهل العصر الحديث باروبا المؤسسة لاعانة الطلاب وغيرهم هذا المبدأ فكانت ترسل بصدقاتها للمحتاجين سرا بدون ان يعلم الذى وجهت له الاعانة من اى مكان مصدرها ليحفظوا له كرامته وشعوره الانسانى وعزته وينشأ حرا لا يشعر بمنة احد عليه . . . وعلى العكس من ذلك نحن المخاطبين بتلكم التعاليم فاننا تنكرنا لها وخالفناها وحاولنا الظهور بكل الوسائل ليتحدث الناس عنا . ولم نقف عند هذا الحد بل لما ضعف ايماننا فى القرون الحالكة انبرى من بيننا جهلة اغرار يبتكرون الطرق لحمل الناس على فعل البر فأخذوا يضعون الاحاديث النبوية الكاذبة على لسان الرسول الكريم بدعوى الترغيب فى الصالحات والتشجيع على ذلك فأكثروا من الاختلافات فى ذلك : من ذلك الحديث الذى رووه على الرسول الكريم صلوات الله عليه بزعمهم : من رابط بالمنستير ثلاثة ايام وجبت له الجنة عن أنس الذى قال بخ بخ يا رسول الله وهلم جرا من الموضوعات السخيفة كسخف واضعيها وقد تسربت هذه الافكار الى ادمغة العامة فاخذتها حقيقة فى كثرة من هذه الاحاديث التى لا اصل لها .
ثم كانت المدرسة القرآنية الاولى المؤسسة 1913 بالمنستير تنتقل من مكان الى اخر مقابل كراء يدفع وظلت كذلك بضع سنين الى ان انبعثت من افاق رجل الخير راجى رحمة ربه الحاج عثمان هنية المنستيرى اريحية كريمة تبشر بانفراج ازمة تنقل المدرسة الى حيث تلقى من الترحال عصاها ويستقر بالمكان المتبرع به نواها فاعلن عزمه على التبرع بالمكان وانتهز الفرصة المرغبون فى الخير المعلل فلقنوا المؤسس ان يشترط فى وثيقة التبرع بمحل المدرسة شرطا استثقلته نفوس اولياء التلاميذ وسياتى نصه وقد تسبب ذلك الشرط فى تعطيل النفع بذلك المشروع زمنا بين اخذ ورد وكتائب فى الصحف التونسية وآثر اولياء التلاميذ دفع الكراء على الدخول تحت ذلك الشرط الذى رأوا فيه
تبرعا معللا وبرا قصد من ورائه المقابل وصدقة يشوبها المن . وصدر ذلك التبرع او التحبيس فى ذى الحجة سنة 1337 الموافق ل 14 سبتمبر 1919 . ومحل الحاجة من الوثيقة التى تضمنت التحبيس والشرط ننقله عن وثيقة التبرع حرفيا واليكم ذلك بعد وصف محل التبرع : قالت الوثيقة وذلك - اى التحبيس - على التلاميذ الذين يتعلمون الكتابة والقرآن العظيم ومبادى العلوم الدينية بالمكتب المعبر عنه بالمدرسة القرآنية بالمنستير على اختلاف طبقاتهم على ممر الايام والدهور تجعل الدار المذكورة مكتبا لهم يشتمل على عدة اقسام بحسب مراتبهم يتعلمون فيه الكتابة العربية وقراءة القرآن العظيم ومبادى العلوم الدينية مقاصد ووسائل ومبادى العلوم العصرية ان احتيج اليها ؟ على الدوام والاستمرار ما تداول الملوان واختلف الجديدان طبقة بعد طبقة ونسلا بعد نسل وجيلا بعد جيل على شرط ان تقرا التلاميذ الذين تقرءون بالمكتب المذكور عن كل يوم تقع القراءة به قل هو الله احد احدى عشرة مرة والمعوذتين والفاتحة مرة واحدة ويهدون ثواب ذلك للمحبس الخ اهـ واصر اولياء التلاميذ على موقفهم واصر المحبس على التمسك بشروطه وبسطت القضية لدى وزارة الطيب الجلولى وكتبت الوزارة فى هذا الشأن كتابا مؤرخا فى 17 قعدة وفى 6 أوت من سنة 1338 هـ - الموافق سنة 1920 بما خلاصته : استفيد من التحبيس الذى وجهتم نسخة منه ان المدرسة اشتملت على المرافق المطلوبة زيادة عن الاقسام والتنظيم وحسن الموقع وان المحبس اشترط قراءة سورة الاخلاص احدى عشر مرة والمعوذتين والفاتحة مرة مرة واولياء التلاميذ استثقلوا الشرط بما فيه من الكلفة وفى نظرنا ان توقيف فتح المدرسة مع الاحتياج اليها ولياقتها من كل الوجوه غير مستحسن بالمرة لا سيما وان المحل الذى يقرأ به التلاميذ الآن مسوغ باثمان وهو دون المدرسة فى الاهمية والاليقية من كل الوجوه فالمراد اعلام من يلزم بان ما اشترطه المحبس من القراءة الراجع ثوابها للمحبس من التلاميذ يتعين المحافظة عليه واقناع اولياء التلامذة بترك المعارضة وفتح المدرسة فى القريب العاجل الخ وقد اجاب القاضى وقتئذ عن الكتاب بعد ان استدعى اولياء التلاميذ واجماعهم على الرفض والتمسك بالمعارضة واخيرا آنحسم الخلاف وثاب اولياء التلاميذ الى الموافقة وفتحت المدرسة فى نوفمبر من سنة 1923 م تحت مسؤولية وادارة الشيخ محمود عباس الذى كان يتعاطى الاشهاد بالمحكمة الشرعية واستمر مديرا لها الى ان عين للقضاء سنة 1928 وتخلى عنها وتسلمتها فى ثالث افريل من سنة 1928 من الشيخ الفاضل سليل الاخيار الافاضل محمد الصالح السعدى رئيس اللجنة المالية للمدرسة فشرعت فى العمل فى حماس اغير برامج المدرسة وأبذل ما لدى من
جهود فى اصلاح شؤونها والسير بها قد ما فعلت ذلك ولا رخصة بيدى - والذى جربته من عمرى ان حسن النية مع الاخلاص كفيلان بالنجاح حب من حب وكره من كره لان المدير المتخلى عنها سامحه الله قلب لى ظهر المجن محاولا ان يفسد ويخرب جميع ما بنيته ويعرقل السعى الذى سعيته فاحال على رئيس اللجنة نقدا اطلعنى عليه واشعرنى تغمده الله بالرحمة والرضوان بسوء نية الناقد ومناورته المفضوحة وحقق لى انه يعرف الحقيقة وانه يمنحنى من ضميره الطاهر النقى تأييده وتشجيعه ولا يحفل ابدا بالترهات والاباطيل بل هو مستعد للقضاء على تلكم المناورة التى اثارها الحسد وفعلا انجز ما وعد وحقق ما صرح به واليه توجه وقصد وبرهن عن اخلاص وروائع شيم يزينها الخلق الكريم رحمه الله .
