الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

مذكرات معلم أجيال، من العاصمة الى المنستير لادارة مدرسة، بدون رخصة

Share

وقبل ان اغادر الحديث عن المدرسة العرفانية والجمعية الخيرية لا يفوتنى ان اسجل هنا انه لما جرى الانتخاب بمقر الجمعية الخيرية وبمدرستها العرفانية وحمى الوطيس واشتد النزاع واستفحل النقاش اسفر فى عام  1926 عن انتخاب هيئة جديدة للجمعية على رأسها المغفور له السيد البشير  معاوية الذى كان رئيس مجلس الاستئناف للجنح بالوزارة فى ذلك العهد وشرعت الهيئة فى العمل فقررت فصل السيد العربى مامى رحمه الله عن المجلس بمقتضى قرار نشرته الصحف اليومية انذاك وفى طليعتها جريدة الزهرة اليومية فقد نسب اليه مجلس الخيرية تهما هارية عن الصحة لان الرجل كان شديد الحماس والاندفاع فى خدمة مشروع الجمعية الخيرية وما جنى عليه الا اخلاصه وانقطاعه لانه الرجل الذى ادار ذلك المشروع العظيم انذاك وتعود بالاندفاع فعد ذلك من سيئاته .

واذا كان المحب قليل حظ                                    فما حسناته الا ذنوب

فهيأه اخلاصه لطرده من سلك الهيئة الجديدة وعند الله تجتمع الخصوم . و استفحل الخلاف بين الجمعية الخيرية وبين السيد العربى مامى ومدير المدرسة السيد الطاهر صفر رحمهما الله وطبع ونشر ووزع على العموم كتاب اسود عن سر الهيئة الجديدة للجمعية ورئيسها السيد البشير معاوية تناول الاغلاط شرحا ودرسا بالوثائق المتحصل عليها فى موضوع الاتهام ، نشر من طرف السيد العربى مامى وانصاره . وفى هذه الاثناء طبقت اصلاحات المقيم العام لوسيان سان الفرنسى التى خلقت المجلس الكبير فى صورة شوهاء لم تعدم انصارا من رواد المطامع وطلاب الهيمنة الفارغة فكتب بعض علمائنا انذاك سامحه الله مؤئدا لها وداعيا الى النزول على حكمها لانها موشحة بطابع مولانا الباى وهو كما قال ذلك العالم - ينظر بنور الله ؟ - وقد

نشر هذا التأييد والتصريح بجريدة " الزهرة " آنذاك والغاية من وراء ذلك التمجيد الكاذب الزائف الحصول على خطة القضاء بالعاصمة واخيرا رمت به فى قعر سحيق . . . واسالت ألوف الاودية من الحبر فى الصحافة التونسية فى النقد المرير - وما كل ما يعلم يقال - وقد ذكرتنا تكلم الحادثة بمقالة عالم . . . قبل هذا العالم حكى عنه صاحب الاتحاف انه لاحظ عندما حمى الوطيس فى قضية الاعانة الشائكة وحيرة المجلس النيابى آنذاك سنة 1280 ه . بان الحق فى جانب الصادق باى أمير البلاد الذى ينظر بنور الله تزلفا . . والتاريخ يعيد نفسه دواما وكل غاية خسيسة تنال على هامش الشعوب بالتلاعب بمصالحهم والعبث بحقوقهم فمآلها خيبة وخسران وسوء احدوثة فى العاجل او الآجل وهكذا كان . . . وكان هذا المجلس الذى خلقه لوسيان سان وأدمج فيه التونسيين مضيقا عليه فى انتخاباته بالنسبة للتونسيين وفى دائرة استشاراته ناهيك من انه ينظر فى ميزانية البلاد التونسية بعد ان تحرر بباريس ثم تحال على القسم الفرنسى المحظوظ بتونس قسم المستعمرين الذين ينالون من الميزانية اقصى ما يرغبون وابعد ما يطلبون وبعد ان يشبعوا نهمتهم يلقون بفتات المائدة واعظمها للقسم التونسى - حدا بنا الى هذا لنؤرخ ان المجلس الكبير او القسم التونسى منه قرر لاول مرة 1926 اعانة ضئيلة للتعليم الحر او المدارس القرآنية وكانت تلكم الاعانة الضئيلة تحال على ادارة التعليم فيتناول توزيعها متفقدون منا كانوا ضغثا على ابالة ونكبة على نكبات . كانوا لا يدينون بالانصاف ولا يقسمون بالسوية ويتبعون الهوى فى التوزيع لحاجة فى نفوسهم سامحهم الله - ولاول مرة يصل الى المدرسة العرفانية صبابة من تلكم العلالة التى لا تسمن ولا تغنى من جوع . . . فيقسمها الاستاذ الطاهر صفر الذى كان بباريس آنذاك هناك سنة I927 وكان يمضى فى حوالة الاعانة ويرسلها الينا بواسطة نائبه المأسوف عليه السيد أحمد الجعايبى الذى كان جديرا بالنيابة خلقا ومعرفة وحماسا واجتهاد وكان من خيرة المتخرجين من المدرسة الصادقية رحمه الله - واتفق ان شغرت ادارة مدرسة حرة بالمنستير فى سنة I928 فرغب منى صديقى محمد محله المنستيرى وكان ذكى الفؤاد بارعا ذا مكانة عند القوم بالمنستير وان زادت مكانته علوا عند رجال الحامية والمحمية فكان محبوبا عندهم . . - ان التحق بالمنستير لادير المدرسة ولم يرض لى ان ابقى معلما او مدارا . . وذكر لى ان صهره الشيخ محمود عباس تخلى عن ادارتها وانتظم فى سلك القضاة وانيطت عهدة ادارتها بشيخ من شيوخ العدول المعزولين انذاك . وانها فى حاجة الى شاب مخلص ينقذها مما تتحنط

فيه من فوضى فى سير بطئ واسهب فى البيان واطال فى الترغيب - والنفس راغبة اذا رغبتها - وكان قد اعطى خلابة وبيانا ومقدرة وقديما كان البيان ساحرا والخلابة مؤثرة فى النفوس وانما تنجح المقالة فى المرء اذا صادفت هوى فى الفؤاد . وقد قال الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه - ان من البيان لسحرا - فشعرت على ما اتمتع به من مكانة ورضى بالمدرسة العرفانية للجمعية الخيرية بالانجذاب نحو مدينة المنستير التى قدر لى ان اقضى بها ريعان الشباب وزهرة الحياة الى آخر طور الكهولة مندفعا لادارة مدرسة حرة بدون رخصة وقديما جاء فى الامثال - اخطا المستعجل او كاد - فاعلمت رئيس الجمعية الخيرية بعزمى عن الانقطاع عن التعليم بمدرسة الخيرية فى اواخر مارس سنة 1928 فابدى آسفا وألح على فى البقاء ، فقلت له أغادر هذه المدرسة لادير غيرها وسأبقى حافظا لعهدها وتلكم هى الحياة لا تستقر على حال . والسعيد فيها من ترك وراءه اثرا جميلا وذكرا حسنا - وانما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى - وكيف لا وقد طلب خليل الرحمن سيدنا ابراهيم عليه السلام من ربه الذكر الحسن فقال حسبما جاء فى التنزيل : - واجعل لى لسان صدق فى الآخرين - اى احدوثه حسنة وودعته ثم عدت اليه ثانية فكتب لى الشهادة التالية بخط يده رحمه الله لان مدير المدرسة لا شخصية له كما اسلفت الحديث عن اسباب ذلك وفى ثالث افريل من سنة 1928 دخلت المنستير لاول مرة فى حياتى فرأيت فى ذلك العهد مدينة متواضعة مسورة من جميع جهاتها بسور يرجع تاريخه الى القرن السادس الهجرى والثامن وقد تعاون السكان على اقامته كما رأيت ذلك مكتوبا على بعض جدران السور فيما بعد فبناء سور المنستير تبرعت به الجماعات . وقد كانت هذه المدينة فى القرن الثالث للهجرة عبارة عن حى صغير جدا لا تقام الجمعة فيه لقلة سكانه بل انه لا يحوى اثنى عشر رجلا لانعقاد صلاة الجمعة . كما رأيت ذلك فى فتوى للامام الذائع الصيت العلامة المثالى سحنون المتوفى سنة 240 ه . وقد بدأت مدينة المنستير تقوم منذ القرون حول قصر الرباط الشهير الذى اسسه هرثمة بن اعين سنة 179 ه . ليكون حلقة فى سلسلة اتصلت حلقاتها ايام الاغالبة بقصور للرباط كثيرة كانت كلها تمثل قلاعا حربية تربط بين الاسكندرية وطنجة ربطا محكما وخطا دفاعيا محصنا يرتد الطرف عنه وهو حسير وهاتفه اللاسلكى فوق منارته فلا يكاد عدو يظهر فى البحر حتى تنار المنارة . واذا انيرت سرى الخبر الى غيرها حتى يتصل بالاسكندرية وبطنجة فى اسرع وقت عرفه ذلك العهد ويستعد المرابطون لصد المغير رجالا ونساء فالرجال لساحة الوغى ومصادمة الخصوم من الاعداء

والنسوة المرابطات الطاهرات يداوين الجرحى ويدفن الموتى ويقمن بسائر شؤون المجاهدين بذا جاءت الشريعة الاسلامية السمحة تجند المرأة كتجنيدها للرجل للدفاع عن الملة والوطن وصيانة الحمى وحماية بيضة الاوطان من كل غاو ومعتد وغاصب متعسف ظلوم وفى الاحاديث الصحيحة التى رواها العلامة المتقن المتحرى محمد بن اسماعيل البخارى بيان مستفيض لمهمة المرأة فى هذا الجهاد تبين مدى المجهود الذى يجب عليها بذله فى هذا الصدد فلا نطيل بايرادها هنا . وقد كان الرعيل الاول من التونسيين يتطوع فى حماس للدفاع بالمال والنفس والنفيس سواء فى ذلك العالم او الفلاح او القاضى او الامير وكلهم مروضون على الافانين الحربية المعروفة فى ذلك العهد - ناهيك بان الشيخ أسد بن الفرات قاضى القيروان على العهد الاغلبى جمع له بين القضاء وبين قيادة الجيوش وساق الشباب التونسى الى فتح جزيرة صقلية سنة 2I2 ه . وهو الشيخ الذى قاد الشبان وسنه تجاوز السبعين من العمر كما يعلم ذلك من التاريخ . وكان ينتظم فى حماية هذا الثغر او قصر الرباط بالمنستير كل قادر على حمل السلاح يستوى فى ذلك العالم الضليع والامى البسيط كل يقوم بدوره فى اجل معين ، وكل يدافع فكان سحنون وابنه محمد والقابسى وما اليهم من كبار علمائنا يشاركون فى ذلك ويخوضون المعر كة مع كل معتد يصدونه ويحولون دونه ودون النزول والتوغل فى البلاد وهكذا ادى هذا القصر اكبر الخدمات للبلاد دفاعا عند الغارات ونشرا للمعرفة عند انجلاء وسكون الازمات وكان وهو قلعة حربية خطيرة ، ينقلب فى سرعة الى جامعة علمية كبيرة وكم مرابط كان فيه .

يثور الى الطعان حليف صدق               تثور به الحفيظة والذمام

ويقول للمغير :

ستسألك النساء النساء ولا الرجال                       فحدث ماوراءك يا عصام

واقتبلت عند دخولى للمنستير من طرف صديقى المرحوم الشيخ محمد محله اقتبالا كريما من كريم ومن الغد استقبلت من طرف اعيان البلد وفى طليعتهم رجال المحكمة الشرعية : فضيلة القاضى محمد مخلوف وكان شيخا قد بلغ من الكبر عتيا وكان شديد الحرص على القضاء فى ذلك السن المتقدم عاضا عليه بالنوافذ وقيل لى ان له بستانا بصقانس يبيحه كل يوم احد للمراقب المدنى الفرنسى سعيا وراء مرضاته . . ففضيلة الشيخ الاديب والشاعر المطبوع والالمعى المتقد الفؤاد الشيخ محمود موسى المفتى بالمحكمة فالشيخ

محمد زهرة المفتى الثانى بالمحكمة الشرعية فاعيان عدول المحكمة الشرعية الشيخان الفاضلان الماسوف عليه السيد عبد السلام شكو فالعلامة الشيخ السيد محمد السخيرى فاعضاء لجنة المدرسة وفى طليعتهم الرجل الخير المفضال راجى رحمه الله الشيخ سيدى محمد الصالح السعدى رحمه الله وهو الذى سلم الى المدرسة التى لها قصة طريقة سأقصها فيما بعد ان شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية