وان أنس لا أنس ما كان بتونس العاصمة فى أوائل الربع الثانى من القرن العشرين من الحركة الادبية المشجعة على نطاق واسع بعد العهد بمثلها قد أعادت الى اذهاننا ما كانت عليه هذه البلاد من عناية خارقة بالادب فى العهود الغابرة وما كان يعقد بها من مجالس أدبية فياضة زاخرة فى عصور ازدهارها لا سيما العصر الاغلب فالعصر الصنهاجى فالحفصى مما يطول الحديث عنه .
وكان مثابة الاجتماع بالعاصمة آنذاك نادى قدماء الصادقية الذى كانت تؤمه النخب المختارة من رجال الادب للمحاضرات والدراسات والمطالعة . والحياة باسمة والآمال فى اجواء تحقيق الاهداف البعيدة سابحة وتحرير البلاد من بين براثن المستعمرين المحور الذى تدور عليه الحركة . وقد خصص يوم الاثنين من كل اسبوع لعقد مجلس ادبى يحضره كثير من الادباء من بينهم الاستاذ عثمان الكعاك فالماسوف عليهما الاديبان الضليعان الشاعر الرقيق محمد بوشاب والحقوقى الكيس أحمد العتكى وما اليهم من كبار الادباء يدرسون بهذا المجلس فنون الادب وطرائفه من شعره ونثره وفلسفته فى بحث لطيف وشرح لاطوار الادب عميق ودقيق وكل ينثر ما فى كنانته وكل يناقش وكل يجيد اذا نثر او قال القصيد . وكنت اشارك فى هذه المجالس مغتبطا بهذه الحركة النشيطة المباركة متنعما بثمار الادب الغض مبتهجا بالامتزاج برجال الفكر والفضل ممعنا فى التهافت على مجالستهم التى يصبو اليها كل أديب ولا يتبرم بها جليس . وفى هذه العهود التى كانت تسير فيها البلاد بخطى وثيدة ثابتة لتحقيق أمانيها واحلامها كان ينبثق بأفق كل مدينة من مدن البلاد التونسية اضواء تشع للتعليم الحر تحت عنوان مدارس قرآنية أسست من طرف التونسيين لدراسة القرآن الكريم واللغة العربية وآدابها وفنونها على الطريقة الحديثة خوفا عليهما من الانهيار والاضمحلال الذى كان يهددهما من لدن ادارة فرنسية اقيمت بتونس وبإمكانياتها للسهر على نشر الفرنسية وآدابها ومضايقة العربية وطلابها بسائر ضروب المضايقات الى ان ينتهى أمرها
بالوأد واسدال ستار النسيان عليها والاستعاضة عنها بلغة اجنبية تسايرها اللغة لدارجة او اللهجة الشعبية على حد تعبيرهم . وذلك ما كانت ادارة التعليم الفرنسية بتونس تسعى لايجاده وتحقيقه رائمة من وراء ذلك القضاء على ذاتية الامة بمحو تاريخها ودينها ولغتها وبذلك يسهل ابتلاعها وادماجها.
كذلك كان مدرسوهم ورجال التوجيه منهم فى تلك العهود وحتى المستشرقون من الفرنسيين بل وكل مسؤول منهم يدس السم فى الدسم لتزهيد الشباب لتونسى فى مكونات كيانه واقناعه بالخصوص بالاعراض عن لغتهم التى هى جزء لا يتجزأ من كيانهم . وما الحيلة والمستعمرون مصممون على رميها بالعقم واعتبارها تحفة اثرية توضع بالمتاحف لتعبر عن عصور غابرة بعد ان فقدت كل شئ واصبحت غير قادرة على مسايرة الحضارات والعصور ؟ ومن الغريب ان يقتنع الكثير من الشباب بذلك ويعتنقوا هذا المذهب وفاتهم ان المستعمرين كانوا ينظرون اليهم كتحف اثرية بالية مطموسة لا تعبر على شئ الا عن العجز والفشل والتخلف والضعف والاستسلام والرضا بالتبعية والتخلص من الابتكار والجد والعمل ؟ كيف لا وانتم ولغتكم سواء هى ميتة وانتم أموات لقد فقدتم كل شعور نحوها فهى بريئة منكم ؟ نعم أجبرتم المستعمرين على الجلاء فيما بعد فأجليتم جنودهم وعتادهم ولكن لم تقدروا على ان تجلو ارواحهم التى توهمكم الى اليوم بان لغتكم ميتة : فانتم اذن أموات ايضا فى نظرهم لانكم رضيتم بالتبعية واخترتم ان تكونوا مع الخالقين بل من التابعين والمطبقين لخطط فشلت قبل ؟ ولم يقدر المستعمر على فرضها بل تراجع الى الوراء وأبيتم الا ان يكون اللسان الاجنبى القدح المعلى والى اليوم لم تقدروا على تعريب المناشير فضلا عن التعليم وما دمتم راضين بذلك فالحالة لا تتغير . ليس هذا فحسب بل كانت الخطط الاستعمارية الفرنسية فى تلك العهود تذهب الى ابعد من هذا فهناك محاولات جدية للتنصير ناهيك من ان البرلمان الفرنسى اهتم بذلك ودرس الموضوع فى حكومة لا دينية ؟ وقد ظهرت آثار هذه المحاولة عمليا بالمؤتمر الافخريستى المنعقد بتونس فى آخر الربع الاول من القرن العشرين ذلكم المؤتمر الذى اسفر عن نصب تمثال الكردينال لافيجرى بمدخل العاصمة التونسية او المدينة العريقة فى العروبة والاسلام . . يحمل الصليب بيد والانجيل باليد الاخرى ويدعو الى التنصير صباح مساء . وبذلك عبر المستعمرون عن سخف غريب واشفاق شنيع وهوج خطير وحاولوا تحقيق ما لا يمكن تحقيقه بحال الا بنصب محاكم التفتيش واعداد المراجل المملوءة زيتا تشتعل اشتعالا ليرمي فيها كل مسلم امتنع من التنصير كما وقع ذلك باسبانيا فى القرن السادس عشر قرون التعصب والوحشية . وتحرك الشعب
التونسى للمقاومة فكان الزجر الصارم وكان العبث الذى لا يقره عقل ؟ اجل انتشرت المدرسية القرآنية فى هذه الظروف واخذ التعليم الحر يشق الطريق فى عناء ومصادمة عنيفة وتمكن هذا التعليم من المحافظة على لغة البلاد ودينها ولم يستنكف من تدريس لغة اجنبية وأجبر المستعمرين على تعريب مناشرهم ؟ والكثير من تعليمهم الابتدائى . وظلت المدرسة القرآنية زمنا طويلا رهينة امكانيات لم تتوفر وكفاءات محدودة لدى معظمها . على ما كانت عليه من ضعف مادى وأدبى تعانيه فقد أقبل الشعب عليها أيما إقبال وجاد فى سبيلها وما لديه قليل ؟ وارسل اليها بابائه فى غيرة وحماس مفضلا دفع أجرة التعليم على مجانبته التى كانت تقوم بها حكومة الحماية . وجرت العادة ان ادارة التعليم تمنح شخصا رخصة فى فتح مدرسة بعد خطوب وكروب والمرخص له بالفتح هو الذى يختار المعلمين وهو الذى يضع برامج التعليم وهو المسؤول عن كل عمل بمدرسته سواء صدر تأسيسها من فرد أو من جمعية : وقد كانت الجمعية الخبرية الاسلامية التونسية فى طليعة الجمعيات التى أبرزت مشروع مدرسية قرآنية حرة اسمتها المدرسة العرفانية بالعاصمة نهج الورغى عدد 4 بالرغم عن معارضة قسم من المشتركين فى هذا التأسيس والوقوف بالجمعية عند حدود اعانة الفقراء والطلاب بالمعاهد . وقد تداول ادارة المدرسة العرفانية اشخاص كثيرون كانت تنتخبهم الجمعية وتنيط بهم ادارة المدرسة . وكان من عادة هذه المدرسة الا يسمح للتدريس فيها الا بعد اجراء مناظرة لانتخاب الكفء للتدرس وهي عادة حصيفة ورائعة وسديدة وفي مارس من سنة 1925 م اعلن مدير المدرسة وكان آنذاك الاستاذ الضليع والعبقرى النابغ والفيلسوف الزاهد الطاهر صفر بانه يريد اجراء مناظرة لانتخاب معلم لمدرسته بمقابل 250 ف فى الشهر ويزاد له 50 فرنكا بعد شهرين هكذا ظهر الاعلان فوق أعمدة الصحف اليومية : الزهرة ، النهضة . وعين اجراء المناظرة ليوم 14 من مارس فحبرت طلبا للمشاركة فى هذه المناظرة وحضرت في الموعد المضروب بمقر المدرسية فاذا الراغبون ستة عشر شخصا ولجنة المناظرة تتركب من اعيان المدرسين بالتوشح وبالصادقية ونودى على اسماء الراغبين واخذت المناظرة تسير سيرها من الثامنة صباحا مبتدئة بالقسم الكتابى وبكل ما يتعلق به من املاء وانشاء وما الى ذلك واجل الامتحان الشفوى او المناظرة الشفوية الى المساء ولما حضرنا مساء وجدنا ورقة قد علقت على حجرة المناظرة لا تشمل الا اسماء اربعة من المتناظرين ورسب فى المناظرة الكتابية اثنا عشر راغبا لم يكتب لهم النحاح . وشرعت اللجنة حالا فى استدعاء هذه البقية فردا فردا لالقاء الاسئلة الشقوية التى استمر القاؤها الى الثامنة مساء وانتهت المناظرة بالمناداة على
اسم كاتب السطور اثر حوار دار بين افراد اللجنة فى شانى لان شاركت سالفا فى مناظرة للتدريس بهذه المدرسة ونجحت وباشرت التدريس اسبوعا ثم انقطعت تلقائيا ولا ادرى لماذا انقطعت ؟ وهذا السلوك من شانه ان يزعزع الثقة فى اى شخص يصنع هذا الصنيع ولا يستقر له قرار واى فائدة ترجى من الذواقين والمتلاعبين الذين لا يقيمون وزنا للحياة ولا يحترمون تعهداتهم انه لخطأ فادح وسلوك شائن يبرهن عن عبث لا يركن الى صاحبه ... وعلى كل فالانسان هو الانسان . . فما خلا فى حياته من شطحات ونزوات وهفوات لعوامل مختلفة وقد ذكروا ان عبد الله بن المقفع اجتمع بالخليل بن أحمد مكتشف العروض فلما افترقا قيل للخليل كيف رأيت ابن المقفع ؟ فقال : علمه أكثر من عقله ... وقيل لابن المقفع كيف رأيت الخليل ؟ فقال : عقله أكثر من علمه وعلى ذلك فقس ؟ واخيرا تغلب جانب التفوق الذى أقيمت المناظرة لاجله فسايرت اللجنة الواقع ولسان حالها يقول : اقبلوا أخاكم على علاته ولعله يثوب له رشده . . . الى غير ذلك من آداب المجاملة الشرقية التى عبر عنها الحريرى فى مقاماته بقوله :
سامح أخاك إذا خلط منه الاصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه إن زاغ يوما أو قسط
من ذا الذى ما يساء قط ومن له الحسنى فقط ؟
ولو انتقدت بنى الزما ن وجدت أكثرهم سقط
والمجاملة فى مثل هذه القضية محمودة لانها وليدة واقع وترجمة عن حق اكتسب بدون محسوبية ولا محاباة ولا يشين الوضع الا العبث الذى طوت صحيفته هذه المناظرة . وختاما للمناظرة اشعرت رسميا بالتفوق على كل من ناصرنى وعهد الى بالتدريس بالمدرسة العرفانية حالا وطلبت التخلف يومين عن الموعد فأجبت لذلك للاستعداد . وفى اليوم الموعود انتظمت فى سلك المدرسين لاعمل معهم فوجدت نفسى بين ثلة من المعلمين المقتدرين انخرطوا فى هذا السلك بعد الصهر والسبك اذكر منهم الماسوف عليه الاديب الظريف والكيس الرقيق الحبيب جاء وحده المتخرج من المدرسة الصادقية ثم درس بعد ذلك بباريس ومارس الصيدلية ببنزرت ومن بينهم الذكى الفؤاد الالمعى الماسوف عليه أحمد الجعايبى رحمهما الله فالاخ الوفى والصديق الكريم العصامى الضليع الحكيم الاختصاصى الصغير العيارى وما اليهم من الافاضل وكان بالمدرسة قسم خاص برسم حفظ القرأن الكريم يلتحق به كل راغب فى ذلك يديره الشيخ فرج عباس المتخرج من الجامع المعمور جامع الزيتونة
ويساعده فى ذلك معاون يدعى السيد خميس . كانت أمنيتى فى ذلك العهد ان يباشر الاكفاء بهذه المدارس الحرة التعليم بها وبذلك نستغنى عن المستعمر ومدارسه وما بث فيها من سموم فتاكة بالدين والوطن واللغة والاخلاق .
وهكذا كان للمدرسة العرفانية آنذاك شأن وأى شأن لا سيما ومديرها من عرفنا ضلاعة وبراعة وفصاحة وذكاء واطلاعا وعناية الا وهو الاستاذ المرحوم الطاهر صفر . أما الجمعية الخيرية الاسلامية التونسية مؤسسة المدرس العرفانية والقائمة بحقوق التضامن الاجتماعى أو المسيرة لدواليب الاحسان فلم أحد لهيئتها ولا لمكتبها اثرا . وعرفت فيما بعد ان الذى يدير دواليب الجمعية عضو من اعضائها فقط كان - كل الصيد فى جوف الفرا - وهو العربى مامى بعد ان تخاذل الآخرون ولا ادرى لماذا ؟
كان العربى مامى يمثل النشاط والحزم والحماس والغيرة والانقطاع لذلكم المشروع وشاهدت بعينى آثار أعماله لفائدة الجمعية الخيرية .
ففى أوائل مباشرتى للتدريس فاجأنا السيد العربى مامى فى رمضان تلكم السنة بالمحسن الكريم السيد الدغرى الذى زار المدرسة فى أمسية رمضانية وشاهد اثناء زيارته ما سره وابهجه من آثار التعليم الصحيح فى طلاب المدرسة فترقرقت عيناه دمعا ولم يتمالك عن التبرع فى الحال ببناء مبيت كامل لمكفولى الجمعية الخيرية من الطلاب بالمدرسة العرفانية وغيرها وحملته اريحيته الاسلامية بالتبرع على مدرسى المدرسة بنفقة افطار ذلك اليوم وانجز كل ما شرع به وقديما قيل :
وكل امرئ يولى الجميل مجيب وكل مكان ينبت العز طيب
هناك جراءة أشد خطرا على المستعرين الغاصبين اخذت تنبعث شرارتها من الخيرية التى كانت تشكو وقتئذ زهد معظم اعضائها فى العمل واقتدرت الجمعية على ما هى عليه ان تقوم بأعمال ايجابية فعالة فى عرقلة سعى سياسة التنصير واستطاعت ان تمزق ما جمعه المبشرون من أطفال المسلمين الذين يعدون بالمئات جمعوهم وقتئذ ليكونوا أكبر نواة للتنصير . وبأدنى بادرة من الخيرية تفرقت جموع الاطفال وأتى بالبعض منهم للخيرية وتطور المشكل وشعر غلاة الاستعمار بان هذه المشاريع التونسية سواء منها الجمعيات أو المدارس القرأنية مكمن خطر وعش للمقاومة فتنازل المقيم العام الفرنسى بطم طميمه ..؟ لزيارة الخيرية والطواف بقاعات التدريس قاعة قاعة ودخل حجرة الدرس وأنا أدرس ليرى ويكتشف . وليس هذا عجيبا من الغاصبين فانهم يبيتون على بركان
يترصدون الخطا ، ويعدون الانفاس ويقفون فى كل لحظة بالمرصاد وكنا بدورنا نقلب لهم الامور ونبث فى روع الطلاب روح الكراهية لهم والمقت والمقاومة بطريقة مباشرة وغير مباشرة حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . . . وكانوا يمكنون وتمكر المقاومة وهى خير الماكرين والشعوب اذا توجهت حققت منذ القديم واذا ارادت ان تقاوم قاومت ومهما كانت الستور الحديدية فلا بد ان ينبثق نور المقاومة وينير الارجاء ومن محاسن الصدف ان تقرر افتتاح اكتتاب للجمعية الخيرية فى ذلك العهد واتى الينا رئيس الخيرية المنعم الغيور الذائع الصيت الحقوقى محمد بوسن فرأينا فيه شيخا اشتعل المبيض فى مسوده ولم تترك له الايام شعرة سوداء يتسلى بها أو يذكر بها شبابه وقيده الهرم ولم يبق له الدهر الا ما أبقى للاديب أبى المنهال عوف بن محلم الخزاعى الذى قال للامير عبد الله بن طاهر فى آخر قصيد وفى خاتمة عمره :
ان الثمانين وبلغتها قد احوجت سمعى الى ترجمان
وابدلتنى بالشطاط الحنا وكنت كالصعرة تحت السنان
وقاربت منى خطا لم تكن مقاربات وثنت من عنان
وانشأت بيني وبين الورى عنانة من غير نسج العنان
ولم تدع فى لمستمع الا لسانى وبحسبى لسانى
وعينت عند حضور رئيس الخيرية للكتابة فكتبت مقالا ضافيا لفائدة الدعوة الى الاكتتاب نشرته النهضة مقالا افتتاحيا وبعد بضعة أشهر دعا داعى الله الرئيس محمد بوسن فلباه وشيعه التونسيون الى مرقده الاخير وكافة تلاميذ المدرسة العرفانية بما يشيع به امثاله من العاملين لفائدة الانسانية من تأبين وتنويه واعتراف بالجميل ودعاء ونام فى جوار الله مسرورا بما قدم يوم تزلزل الاقدام ٠0٠

