بين مكتب سيدنا والمدرسة الحديثة ) * (
وانخرطت في سلك الذاهبين الى المدرسة الجديدة أو المكتب العربي الفرنسي يهزنا الشوق ويحدونا أمل الاطفال الذين يطربهم ويروق لهم التنقل من حال الى حال . وحب التنقل تابع لغريزة حب الاطلاع نزعة انسانية طبع الانسان عليها لا تفارقه من المهد الى اللحد وفيها الخير وفيها الشر . لم يسلم من شرها آدم أبو البشر فانه مل الجنان وآثر الانتقال الى دنيا الهموم والنصب والمشاق والتعب بعد ان كان ينعم تحت وارف الاشجار ويتفيا ظلال النعيم فظلم نفسه حتى عير بالانتقال وقد عير أبو الطيب المتنبى ابناء آدم بغواية أبيهم فقال
أبوكم آدم سن المعاصي
وعلمكم مفارقة الجنان
كان ذلك الانتقال في سنة 1914 فشعرت بشئ جديد في حياة الطفولة لم يكن مألوفا لدى فى شرح طفولتى وريعانها فبعد ان كنت اجلس بمكتب سيدنا على حصير بال أكل الدهر عليه وشرب وأحمل لوحا من خشب صقيل أمحوه كل يوم لأكتب فيه ما يمليه علينا سيدنا من آيات الذكر الحكيم ، وجدت نفسي فوق مقعد خشبى يجاورني أو يقاسمني فيه زميل من زملائى وقد اعد لنا درج فى ذلك المقعد لنضع فيه ادواتنا الجديدة للتعليم الجديد - لوح اشد سوادا من الليل الحالك وكراس أوراقه سخيفة وأمامنا لوح مستطيل وضعت فيه محبرة فى نقرة نقرت لذلك فكتب عليه فروضنا وعن ايماننا وعن شمائلنا صففت ونسقت مقاعد تنسيقا جميلا وعلى كل جدار من جدران قاعة التدرس قد علقت صور فاتنة جذابة الفتت انتباهنا بسحرها الرائع حتى كنا نلهو بالنظر اليها ونشتغل بها عن الدرس ونأسف ان سيدنا القديم لم ينتبه الى تعليقها بمكتبه ففاته أمر عظيم ؟ والعذر لسيدنا لانه من قدماء بني آدم ونحن اليوم نتصل بالمحدثين من ابنائه ؟ ولاول مرة فى حياتنا الطفولية نتصل بالرومي الذي
حذرتنا منه جدتنا فى المنزل وقالت : اذا دعاكم الى الكفر فلا تكفروا يا ابنائى فانه شرير . وقالت : كنا نظن وبعض الظن مأثمة انه سهل المأخذ لين العريكة فلما عجمناه وجدناه صعب المراس قد تمرس بكل حيلة ولم يعجزه شئ ؟ ولم يغلبه أمر الا حيلة الموت ؟ . فاحذروا يا ابنائى من شره فانه شيطان فى صورة انسان . . ولكن ما الحيلة والاقدار القتنا بين يدى الرومى ليثقفنا ؟ وما نفع حذر من قدر كما يقولون . . . وقلت على كل حال استرحت من العصا الثخينة والعصا الطويلة والفلقة . . والترنم والضوضاء ومردة العذاب . وعند الصباح بحمد القوم السرى . فهنا النظام والجمال والجلال والكمال . وحمدت الله ان اختفت عصى سيدنا فلا أثر لها هنا وحانت منى التفاتة فرأيت ويالهول ما رأيت . رأيت مجموعة من العصى على مقربة من مكتب معلمنا الجديد فكدت اجزم بصدق ما اخبرتنا به جدتى عن الرومى من انه شيطان يستخدم حيلته خلق كل شىء ولا يعجزه شئ وخيل الى انه استعمل ما لديه من خبث فجلب عصى سيدنا : أو أنه اغتصبها منه جريا على عادة قومه المستعمرين الذين يبخسون الناس أشياءهم ويغتصبون متاعهم عنوة واقتدارا كما يتحدث الناس عنهم فى نواديهم آنذاك ؟ واخذت أناجى رفيقي والفت نظره الى تلكم المجموعة من العصى واقول له ان سيدنا الجديد اغتصبها من سيدنا القديم فقال لى نأمل جيدا إن مجموعة سيدنا الجديد ليست كعصى سيدنا القديم لان هذه قصيرة مستقيمة ودقيقة ملساء وعصى سيدنا العتيق طويلة وثخينة وخشنة وان المجموعة الجديدة أشد وقعا في إلهاب أجسادنا من عصى سيدنا القديم وفهمنا ما وقعنا فيه واننا انتقلنا من سئ الى أسوأ ومن داهية الى نكبة واننا ندخل تحت قول أبى الطيب المتنبى
اذا تداويت من داء بداء فاقتل ما اعلك ما شفاك
وكنا كمن فر من الموت وفي القتل وقع ؟ ورأينا كيف يرهف معلمنا الجديد الحد لمن يجرف النطق أو يسئ فهم مدلولات الفاظ لغته فضلا عمن يهزأ برطانته ولا ينتبه لتلقينه او لم ينظر جيدا الى لوحه الاسود الذى ملك معظم جدار قاعة الدرس . ولو رآه سيدنا القديم لاستعاذ بالله منه . . وولى منه فرارا لشدة سواده خصوصا وسيدنا كثير التشاؤم يبز ابن الرومى فى تشاؤمه والمعرى فى ضجره وتبرمه وتشاؤمه من الحياة ومن البشر . .
يروق مرأى لبني آدم وكلهم فى الذوق لا يعذب
افضل من افضلهم صخرة لا تظلم الناس ولا تكذب
ونزلنا على حكم القدر ورضينا أن نرب بالعنف وبالهاب الجلد ) مكره أخاك لا بطل ( لا بالموعظة الحسنة ولا بطريقة اللين وسنظل عبيد العصا ما دام المعلم العتيق والمعلم الجديد متفقين على تلكم الخطة الشنعاء وسواء علينا أحببنا أم كرهنا فلا رأى لمن لا يطاع ؟ : وما نظريات المربين القدامى والمحدثين فى العقاب المادى الا خيالات يحمل عليها النظر المجرد والفكر الذى يتصور المدنية الفاضلة فى هذا الوجود المضطرب ؟ فلا مدلول لتلكم النظريات فى الخارج والطبع البشرى غلاب . والظلم من شيم النفوس ؟ وتأبى الطباع على الناقل ؟ وقضينا معظم الوقت في تعلم الفرنسية الى أن دق الجرس فخرجنا الى ساحة المدرسة لنستجم قليلا ثم طلب منا بلسان الجرس ان ننتظم من جديد فاذا معلم العربية يقف حذونا عابسا مكفهر الوجه غير وضاء الجبين فقلنا هذا شرطي يريد ان بزج بنا فى قعر السجون : فدخلنا وجلسنا على مقاعدنا ننتظر من سيدنا الجديد الاشارة لنشرع في الدرس : كان كتاب القراءة الذي يدرس بذلك الفصل آنذاك اسمه الطريقة المبتكرة فتفاءلنا بهذا الابتكار . ولم نكد نتصفح الكتاب حتى وجدنا ابتكاره في غير صالحنا لأنه ألف برسم تلاميذ يعيشون فى غير أوساطنا وبيئاتنا ويتحدث عن أشخاص لم نسمع بهم وبعبارة أدق أن نصوص الكتاب لا صلة لها بنا كتونسيين فقرأنا وكأننا لم نقرأ ودرسنا ولكن ما لا نفهم ؟ ومرت بنا فترة من الزمن فيما بعد ازداد فيها جهلنا واضطرابنا وتكهنا على صغر سننا بأن أمرنا شبيه بأمر الوليد بن عبد الملك الاموي الذي كان ضعيفا فى لسان العرب فأراد أبوه عبد الملك بن مروان ان يصلح من لسانه فوكل به من يعلمه قواعد لغة العرب فأقام مدة عام يدرس ولكنه خرج أجهل مما دخل ؟ وجرت عادة المعلم أن يأمرنا بنسخ النص كله على صفحات كراريسنا ويجلس فوق كرسيه مستريحا وبالتالي فلم نجد بالمدرسة الجديدة ما يشفى غلنا أو يزيح عنا وقر جهلنا أو يخفف عنا وطأة ضلالنا فضلا عن أن يكون فينا شعورا جديدا ينعش أنفسنا أو يرفع من أرواحنا لاسيما والعربية لغتنا تدرس كلغة دراسة غير حازمة ولا محكمة لأنها لغة مهملة لا يطالب التلميذ آنذاك بها فى امتحاناته . وخدمة بستان المدرسة ينوب عنها بل يتفوق عليها فللعمل الفلاحى بجنان المدرسة عدد وللعربية الحجر ؟ لانها تعامل كمعاملة الدخيل الاجنبي أو كقدح الراكب . . . وهو لا يكون الا من خلف . . لا سيما وموظفو ادارة التعليم فى تلك العهود كلهم فرنسيون كما تحدثنا سابقا وكلهم مجدون ومفكرون فى فرنسة تونس بفرنسة التعليم الكفيل بهذا الغرض اذ هو أقوى سلاح للفناء والتحطيم . وانما لم يحذفوا حصة العربية الضئيلة خوفا من الدعاية والقيل والقال ؟ والفرنسيون في هذا الميدان حذرون فتراهم
يهدمون ما لا يريدون بقاءه بطريقة الاهمال والتغاضى ويتجهون الى ما يريدون إنشاءه وإشادته وبثه فيزخرفونه وينمقونه ويتفننون فى عرضه ويتركون غيره نهبة للقضاء وغرضا للاضمحلال والفناء حتى لا ينسب لهم أدنى تحامل عليه أو تهمة فى انهياره لذلك كانت العربية فى عهد تعلمنا بهذه المدارس تشكو ألم الاحتضار ومعلموها يعاملون أسوأ معاملة الى ان يأتي الزمن الذي نضمحل فيه هذه اللغة ويختفى معلموها وراء ضباب ذلك الاهمال وينزل الستار . . وعندئذ يتمثل المستعمر بشعر أبى زيد السروجى فيقول ساخرا قائلا :
تبصر ودع اللوم وقل لى هل ترى اليوم
فتى لا يقمر القوم متى ما دسته تم ؟

