كان التعليم الثانوى فى الربع الاول من القرن العشرين ضيق النطاق لابعد حد تقوم به المدرسة الصادقية التى هيمن الفرنسيون عليها وتصرفوا فى حظوظها وتعليمها حسب اهدافهم المبيتة وكان للمستعمرين مدارسهم التى كانت تزخر بابناء الجاليات الاجنبية ولا يقبل بها من التونسيين الا ذو حظ عظيم بالنسبة لبقية الطوائف أما حظ العربية بها لغة البلاد فصفر . ولم يتجاسر المستعمرون على ازالة ما بقى للتونسيين من معالم ضئيلة فى طليعتها المدرسة الحرة القرآنية الآتى الحديث عنها فكان معظم المتخرجين من التونسيين من المكاتب الابتدائية الفرنسية او من الكتاتيب او من بعض المدارس القرآنية الحرة التى ظهرت فى العقد الاول من القرن العشرين فالمحظوظ ينتظم بالمدرسة الصادقية والبقية يؤمون الجامع الاعظم جامع الزيتونة بتونس او يدرسون ببعض فروعه بسوسة أو القيروان أو صفاقس الخ . ثم يلتحقون بجامع الزيتونة للتضلع والتعمق فى دراسة فنون الثقافة الاسلامية على اختلاف ضروبها . وتلكم هى مهمة جامع الزيتونة على اختلاف العصور فقد بدأت الدراسة به منذ القرن الثانى من الهجرة على عهد على بن زياد العبسى تلميذ مالك بن أنس امام دار الهجرة المتوفى فى سنة 183 ه . وهو أول من ادخل موطا مالك لتونس بل هو شيخ التونسيين ومن ابرز تلاميذه البهلول بن راشد العالم البربرى وسحنون العلامة المثالى الفذ فى العرفان والنظام والحرية والشمم وكان لتونس آنذاك شأن عند الخلفاء العباسيين واى شأن ينوهون بها كما ينوهون بالقيروان وجامع عقبة الذى كان به من المدرسين ما يربو على ثلاثمائة مدرس . واستفحل شأن الدراسة بجامع لزيتونة فى العصر الحفصى فدرس به اعلام لا يحصون كثرة ذاع صيت الكثير منهم فى المعمور من الدنيا امثال عبد الرحمن بن خلدون فيلسوف
المؤرخين وعبقرى المفكرين من التونسيين فمحمد بن عرفة الفقيه الضليع المتقن المتفنن المحدث المفسر فأساتذهما محمد بن عبد السلام المبتكر لطريقة البحث التحليلى بتونس الذى مبناه الاستنتاج وما اليهم من فحول ملأوا الدنيا انتاجا وتمحيصا واسراجا وكانوا يدرسون العلم بجامع الزيتونة احتسابا فحماهم الله واخذ بايديهم ورفع مكانتهم وخلد على صفحات الدهر ذكرهم . وكان المسلمون الاولون فى صدر الاسلام وبعده بقرون يتخذون المساجد الجامعة للدراسه والمحاضرة وحتى للقضاء ويتيمنون بها ثم اتخذوا المدارس اثناء القرن الرابع الهجرى واكثر منها نظام الملك الطوسى وزير الملك ملكشاه السلجوقى ونظام الملك هذا هو مؤسس النظامية الجامعة الشهيرة فى التاريخ الثقافى الاسلامى ببغداد ناهيك بجامعة كان حجة الاسلام الغزالى الذائع الصيت عميدها والمدرس بها وأسس نظام الملك الكثير من المدارس على غرارها وكانت وفاته سنه 450 ه . رزءا على الثقافة الاسلامية . واقتفى اثره المصريون فى القرن السادس الهجرى فالتونسيون فى القرن السابع واكثر الحفصيون بتونس من هذه المدارس واطلقوا لطلابها واساتذتها المرتبات الوفيرة اسوة بنظام الملك . وكان المدرس بالمدرسة الحفصية بتونس بتقاضى مرتبا شهريا لا يقل عن العشرة دنانير ذهبية فى تلكم العهود كذلك كان مؤسسو المدارس بتونس من أمير وأميرة ورجل خير يراقبون سير التعليم بها . . ويطلقون المرتبات للمدرسين ولا تزال مدارسهم ماثلة الى اليوم بالعاصمة ؟ واول من طلق للمدرسين المرتبات بالجامع الاعظم جامع الزيتونة مؤسس الدولة الحسينية حسين بن على المتوفى سنة 1152 ه . فجمع به ما يقرب من اربعين مدرسا أما الذى اهتم بجامع الزيتونة ونظم التعليم به على الطريقة الحديثة وجعل له فانونا أساسيا وابرز شخصيته وصيره جامعة فالمشير الاول أحمد باى ولا يزال القانون الاساسى الذى سطره لنظام الجامعة ولسير التدريس بها معلقا بالجامع الاعظم الى يومنا هذا تبعا لحركته الاصلاحية وقد التحقت أنا شخصيا بالجامع الاعظم جامع الزيتونة سنة 1918 ما ان وضعت الحرب الاولى اوزارها واستراحت الحياة من اوارها .
دخلت الى هذا الجامع لاول مرة فرأيت ما هالنى من حلق الدروس التى كان يسيرها أسانيد من خريجى الزيتونة نفسها بها ما شئت من براعة وفصاحة وضلاعه ودقة واحاطه شاملة فى سائر الفنون الاسلامية من تفسير للكتاب العزيز ودراسه للاحاديث النبوية فى أعلى مستوى مع لغة وبيان وفقه وأصول بل وسائر ما عرف المسلمون من الفنون فكان هذا الجامع كجامع البصيرة الذى قال عنه الحريرى فى مقاماته : " وكان اذ ذاك ما هول المساند مشفوه الموارد
يجتنى من رياضه ازاهير الكلام ويسمع فى ارجائه صرير الاقلام اهـ " وكان جامع الزيتونة آنذاك علاوة عن ذلك يزدان حقله بزهرات من علية العلماء وثلة من أئمة الفكر عرفوا بالضلاعة فى العلوم وعرف البعض منهم بالمواقف المشرفة ومنهم آنذاك شيخ الاسلام ورئيس النظار راجى رحمة الله عليه بيرم العلامة المتفنن فى فنون العربية وصاحب المحاضرة القيمة فى مؤتمر اللغة العربية دافع عن العربية دفاعا مجيدا ورد غارة المستشرقين عليها وافهمهم انها اللغة الحياة النابضة الفياضة التى لا ينضب لها معين بمحتوياتها وأصول اشتقاقها واسلوب تعريبها وما فيها من قوى كامنة فكانت آية فى الغزارة وهذه المزايا تجعل من العسير على كل من رام هضمها ان يحظى بما يؤمله من وأدها ولا يشنها الا عدو لدود او جاهل . وغيره من الشيوخ الذين ينحون نحوه يطول الامر فى الحديث عنهم وقد رأيت بهذا الجامع فقيه السلف وشيخ شيوخ التونسيين بل امام المصلحين بتونس الذى جاهد مع المصلح الخطير الوزير خير الدين أعظم الجهاد فى توطيد دعائم قواعد الاصلاح بهذه البلاد ذلكم هو أبو النجاة الشيخ سالم بو حاجب رأيته شيخا غمره الهرم وعصفت به رياح الشيخوخة واذوت زهرة حياته الايام اتى به الى جامع الزيتونة فى اواخر أيامه ليحضر ختام امتحان سنة 1919 م . فى حفل رائع يعد العهد بمثاله . حضره الوزراء والاعيان والطلبة وكافة الشيوخ ورأيت بعينى رأسى فى ذلكم الحفل البهيج كيف اقتبل الشيخ بيرم رئيس النظار أستاذه وكيف قبل يده فى ذلكم الحفل الحاشد اعرابا عما تكنه نفسه لاستاذه من التوقير والاحترام والعطف فى اعتراف بالجميل نادر لمن ثقفه وعلمه ؟ واقترح على استاذ التونسيين وقتئذ ان يشارك فى الامتحان ففعل رحمه الله .
وبالرغم عما وصل اليه الجامع الاعظم جامع الزيتونة من العظمة والجلال آنذاك فقد كان كغيره من المعاهد فى أشد الحاجة الى التطور والاصلاح واول من ألح على تحسين اساليبه وطرح العتيق منها ونبذ كل ما لا فائدة فيه المصلح الكبير الاستاذ الامام محمد عبده المصرى الذى ألح على اساتذة الجامع فى زيارته لتونس ان يسايروا الزمن ويواكبوا العصر بالاسالب الملائمة . والقى محاضرة فى الموضوع بالخلدونية تناول فيها أساليب الدراسة بالجامع ونقدها ودعا الى ما رآه صالحا فى السير بالتعليم وبذل جهدا فى ذلك شعورا منه بان الثقافة الاسلامية قدر مشترك بين المسلمين فيحب الاعتناء بها فى كل مكان بالترقية والتعهد والاصلاح ناعيا على الجمود والطرق العتيقية داعيا الى ادخال الاصلاح فى سائر الاساليب وقد جاءت الاصلاحات فيما بعد تترى وكتبت أنا شخصيا فى موضوعها الكثير من المقالات بجريدة " لسان الشعب "
الاسبوعية كما كتب غيرى . نلت إجازة الجامع الاعظم وانخرطت فى سلك طلبة الحقوق بالعدلية التونسية وكان يلقى الدروس على الطلاب بالفرنسية مدير العدلية المسيو دوبلا آنذاك وهو الذى شرح مجلة العقود والالتزامات التونسية وكان ينقل دروسه الى العربية فى فصاحة وذلاقة وبيان وبراعة وبرهان الحقوقى الضليع والاستاذ الكبير السيد محمد المالقى الذى كان يقارن بين القانون وبين نصوص الفقه الاسلامى ويفيد ويجيد ويأتى بالغريب وكنت اختلف احيانا الى تلكم الدروس واتخلف كثيرا فيتندر بى الاستاذ كما يتندر الاساتذة بمن لا يبذل جهدا ولا يقبل على عمل .
والواقع انى كنت اشعر فى اعماق نفسى وأنا فى ريعان الشباب باننى لم أخلق للحكم بل خلقت لشئ آخر فلم احفل بتندر الاستاذ ولم أقم له وزنا لانى لا اريد ان اكون حاكما وانى على مذهب ابن سعيد فى تلك الفترة من الشباب فقد طلب ابن سعيد من ابنه جعفر ان يتهيأ للحكم فكتب الى والده يقول :
مولاى فى أى وقت أنال فى العيش راحه
ان لم أنلها وعمرى ما انار صباحه
فاعفني وأقلنى مما رأيت صلاحه
كل وقال وقيل مما يطيل نباحه
انسي اننى مستغيثا
فاترك فديت سراحه
فلما قرأ الأبيات قال والده كلمة حكيمة رددتها الاسفار نصها : ( لا ينفع الله بما ليس مركبا فى الطبع مائلة اليه النفس ) ووقع على ظهر ورقته " قد تركنا سراح انسك ، وألحقنا يومك بأمسك ؟ "
