إني وإن كنت أفضل رأي الاديب الاندلسي جعفر بن سعيد فى التملص والتبرؤ من الحكم فلست على مذهبه فى مجونه واستهتاره ومجابهته لابيه فى المقطوع الذي طلب فيه إعفاءه من التهيو للحكم الذي يقول فيه :
وللملاح عيون تميل نحو الملاحه
وكاس راحي ما إن تمل منى راحه
كلا بل كنت أخالفه واذهب مع رأي القائل :
عشق الغوانى هوان فى نهايته
وقلما فاز رب العشق بالارب
لكن عشق كتب العلم المجد آخره
فإن صبوت ففي علم وفي كتب
وهكذا خلقت مستهاما بالمطالعة وشعرت بلذتها ونجاعتها منذ طفولتى - أقرأ كل شئ ظفرت به يدى كيفما كان لونه أو نزعته أو مذهبه أو أهدافه حتى أنى قرأت وأنا أحفظ القرآن الكريم بمكتب سيدنا كتاب ( ألف ليلة وليلة ) بما في كتاب ألف ليلة وليلة من ادب إباحي ومجون ساخر وتهتك فاجر ودعارة قبيحة سيئة وأشعار غادرها الحياء وأخبار حالفها السخف وثافنها الهراء وقصص تذكي نيران الغريزه الجنسية فى المراهقين وما إلى ذلك من أفانين المغريات المؤداة بطلاوة
العرض وخلابة الزخرفة . مما لا يسوغ لطفل فى سننا أن يطالعه - لم أقف عند هذا الحد بل كنت أطالع كل ما يقع بيدى من القصص التى نسجها خيال كتاب العامة الذين كانوا يضعون هذه القصص والكتب للارتزاق وما عليهم أن تسوء أو تصلح الاخلاق : قصص متنوعة : من رأس الغول ... إلى قصة الملك الحجاف : إلى العنترية - إلى الازلية - لا تهدف إلى اصلاح نفس أو تهذيب خلق أو توعية ضال أو بث مبدا سام . وإنما كتبت للاتجار وجلب العامة والتأثير فى أرواحهم ليشتروها . وقد ظلت المطابع في البلدان العربية حقبة من الزمن لا تطبع إلا هذا الضرب من الكتب سعيا وراء المادة لانها مضمونة الرواج فى الاسواق . والعامة تلتهمها التهاما لبراعة كتابها فى التأثير على مطالعيها إغراءا وتشويقا . وتفننهم في نفسية أولئك الناس تفننا غريبا . وذلك ما كانت تشكوه مكتبة الاطفال من النقص الفادح فى الربع الاول من القرن العشرين ولم يوفق الكتاب إلى سد ذلك الفراغ فى مكتبة الطفل العربى بل كان التخلف عاما حتى في وسائل التربية والتهذيب وهو ما يحمل على مطالعة كل كتاب ... وإذا صح ما قيل من أن الكتاب كالصديق فالكتب التى أتيح لنا مطالعتها من أفسد ما يصاحب الطفل ويحالف ومن أسوإ ما يدرس ويطالع ... للتفسخ الاخلاقي المبثوث فيها وانحطاط تعبيرها وسخف الخيال البشع الذي أملاها وصورها . ولما التحقت بالعاصمة وانتظمت في سلك الطلاب لم أجد ما كنت أتشوق إليه من الاجواء التى أريد أن أحلق فيها وكنت صبا بها فكنت كمن يتخيل وجود المدينة الفاضلة ويجاهد أن يعثر عليها فلم يجد لها أثرا فى الخارج إلا فى مخيلته وكيف اتمكن منها من وراء أساليب متحجرة لا تشوق ولا ترغب ولا تكون الشخصية فضلا عن أن تحقق الأحلام التى تخامر النفوس ؟ كانت أمنيتي الثمينة أن أكون كاتبا يوما ما أقتدر على الإعراب عما يجيش بصدرى وما يدور فى خلدى أو شاعرا يسحر الالباب ببيانه ويفتن الدنيا
بروعة تصويره وطلاوة خياله ويؤز النفوس الرقيقة أزا ولكن كل ذلك كان غير ميسور تحول بيننا وبينه كتب غير منتقاة وأساليب لا تتصل بأرواحنا انذاك والواقع أن كل معهد مهما أمعن معلموه ومدرسوه في تثقيف الإنسان وإعداده فما هم ببالغين ما يرمون إليه وهيهات أن يتمكن أو يتمكنوا من الوصول إلى الغاية المنشودة ما لم يعتمد الطالب على نفسه ويكون شخصه ويبرزه بتحقيق آمانيه ومطالبه . فالمعلمون أو الاساتذة ينيرون ويرشدون والطلاب هم الذين يجاهدون ويتعبون ويحاولون وهم الذين يطالعون ويتجشمون وبدون هذه الطريقة لا يفلحون ولا ينجحون وبدون هذه الوسيلة لا يكون المعهد إلا إنسانا محدود المدارك فى دائرة أضيق من سم الخياط ؟
والمطالعة المفيدة كفيلة بترقية مستوانا وتثقيف عقولنا وسعة معلوماتنا ومما قاله فى هذا الصدد الكاتب المصرى إبراهيم المازني قال عن نفسه : " ما آظن إلا أن الله جالت قدرته قد خلقني على طراز عربات الرش التى تتخذها مصلحة التنظيم : خزان ضخم يمتلىء ليفرغ ويفرغ ليمتلىء : أحس الفراغ في رأسى . وما أكثر ما أحس - فاسرع إلى الكتب التهم ما فيها واحشو بها دماغي حتى إذا شعرت الكظة وضايقني الإمتلاء رفعت يدى عن ألوان هذا الغداء وقمت متثاقلا مشفقا من التخمة فلا ينجيني منها إلا أن أفتح الثقوب اه ... "
خصوصا إذا طالعنا مطالعة مفيدة تمكننا من فهم ما نطالع وتلخيص ما نقرأ ونقد ما ينتقد ... وبذلك نقتدر على خلق الاسلوب الخاص بنا الذي نتميز به إذا كتبنا كما تميزت أساليب الكتاب الاقدمين والمحدثين وتباينت طرقهم فأسلوب الجاحظ الحصيف المرح أحيانا بالنكتة المزوق بالدعابة الساحرة والتهكم الساخر غير اسلوب ابن المقفع الجاد فى نثره الرصين فى حوكه المستعصم بالحكمة وليس تحرير الإصبهانى يشبه فى
شئ تحبير القالي في النوادر والامالى وطريقة ابن خلدون فى التصوير والتحليل غير طريقة الغزالي الممتازة بالدقة وروعة التصوير وليست أساليب مقلديهم من المحاولين النسج على منوال البعض كأساليبهم الاصليه كما فعل أبو حيان التوحيدى فى اقتفائه لاثر الجاحظ فما شق له غبارا . وبالتالي فلكل أسلوبه ولكل طابعه ولن نصل إلى الإمتياز والإنفراد بأسلوب ما إلا إذا قرأنا لغيرنا وأكثرنا واتخمنا كما قال المازنى فنهضم كل أسلوب ونخلق من الاغذية الكثيرة أسلوبا خاصا بنا . - هناك شئ لم ألفه بقريتنا (القلعة الصغرى) فقد كنت لا أحصل على الكتاب لاطالعة إلا بشق الانفس أو بتضحية مالية لا قدرة لي عليها.. أما بالعاصمة فقد وجدت المكاتب مفتحه الابواب فاقبلت عليها إقبال من اشتد ظمؤه إلى الماء القراح إثر عطش شديد فأخذ يعب الماء عبا بنهمة خطره خارقة وطالعت في فترة من الزمن ليست بطويلة ما يفوق عن الثلاثة آلاف مجلد بمكتبة الخلدونيه كان يعيننى على ذلك خازن كتبها المكلف آنذاك المرحوم السيد عمر الخنقي الذي اتخذته صديقا أتطوع بالنيابة عنه إذا تخلف أو عرض له ما يمنعه من الحضور وطالعت جميع المجلات الموجودة بالمكتبة التى صدرت بالشرق : الهلال من أول نشأته المنار من يوم بروزه المقتبس - المقتطف من ساعة ميلاده إلى عشرات السنين من حياة هذه المجلات بما حوت من بحوث مفيده وآراء طريفة وتراجم شامله لمعظم آداب الامم المتقدمة الراقية وسير العلم والعمران فيها ودعوة إلى الإصلاح في سائر الميادين سديدة وحازمة ومسايرة لركب العرفان جدية وناشطه وأفكار حصيفة نيرة وثاقبة ودراسات قيمة رائقة فى سائر الفنون ونقد وأخذ ورد وأدب غض وعرض جذاب وبتعبير خلاب بحيث يشعر الطالب فى تلكم الاجواء الفاتنة أنه فى جنة الكتب الساحرة يسامر أنبغ المفكرين ويجالس كل الفاضلين وكأنما رد الإله نفوسهم والاعصر ؟ ثم هذه المكتبه العبدلية
الزاخرة بالمخطوطات والمطبوعات والفنون كانت تقيم حول جامع الزيتونه وعلى مقربة منه قاب قوسين أو أدنى وتفتح أبوابها للأساتذة والطلاب فيهافتون عليها من كل صوب وكنت لا أكاد أفارقها ولازمتها حتى استوعبت أنفس ما فيها من نفائس : مطالعة ودراسة : وكان البعض من خزنة كتبها والقيم بها وهو شيخ كبير مشغوفا برمان القلعة الصغرى فإذا اكثرت علية من طلب الكتب طالبني برمان القلعة الصغرى ملحا في ذلك فأعده على نية الخلف لا الوفاء إذ لا قدرة لي على إجابة طلبه لاني تلميذ صعلوك (1) والرمان ليس فى استطاعتى شراؤه لاقدمه للخازن ؟ ولكنى أعده وعدا غير جازم ليسهل لي مؤونة الإطلاع ودراسة الكتب بدون تململ ... وأخشى إن صارحته بالحقيقة ان يتثاقل ويقصر ويمانع . وذلك ما لا أرغب فيه وأنا المحب المعنى ...
ولعل أمثال هذه الوعود غير الحازمة تغتفر فى أمثال هذه القضايا ؟
ثم كانت مكتبة قدماء الصادقية وهلم جرا من هذه المكاتب التى امتازت بها العاصمة آنذاك طالما ترددت عليها وانتفعت وكان الاستاذ الحقوقي البارع سيدى مصطفى الكعاك يراس جمعية القدماء آنذاك فإذا رآني مقبلا على مكتبة القدماء تبسم قائلا لاصدقائه مداعبا : " آتت المكتبه المتجولة التى تمشى على قدميها " فأضحك من دعابته ولطفه وانسه ؛ وهكذا قضيت الحياة وسأقضها كذلك إلى ما شاء الله مصداقا لقول شاعرنا الشاب الظريف الرقيق جمال الدين حمدى :
قيد عشت للحرف : عمري صفحة كتبت
يد الزمان عليها أسطرا بدمي
قد عشت للحرف حتى عوضت وترى
أعصاب قلبي فويل القلب من نغمى
قد عشت للحرف حتى ذبت في جملى
سهرت منذ أعتنقت الحرف - لم أنم
قد عشت للحرف إن الحرف دمرني
أواه من ورقي أواه من قلمي
وسأموت بإذن الله وقلمي بيدى وكتابي فوق صدرى كما يموت الجندى الباسل فى ساحة الوغي يخر صريعا ورشاشه بيد وحربته باليد الاخرى موت الشهداء الابطال عندما يغادرون هذه الدار ؟

