كان لهذه العوامل التى ذكرتها سابقا - كما قلت - اثر كبير فى تقليص الثقافة الدينية الاصيلة والشريعة الاسلامية القويمة قولا وعملا في نفوس الابناء ، وان الاجيال القادمة لتقيم المثل الدينية في عقول ابنانها ، الى ان تصبح ثقافة لا ضابط لها فى ميدان العمل بها ، وقد عاضد كل منها الآخر ساند الاستعمار الصلبية والدعوة لها . وخطط لهدم الدين عن طريق حضارته المادية ، وثقافته المعاصرة الالحادية .
ولكن هنالك عامل خامس يعتبر من حيث الاهمية فى مقدمة هذه العوامل التى زلزلت الدين ووضعه فى المجتمع ، ذلك هو النظم السياسية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية الى غيرها من مختلف أنواع النظم ، وهذا العامل وأهم أجزائه العاملة هو النظم السياسية عبارة عن خليط ساهم فى تكوينه جميع العوامل السابقة ، فقد كان حصيلة لها ، ونتيجة منطقية معقولة سيطر الاستعمار على كثير من البلاد الاسلامية ، والغي ما فيها من انظمة موجودة قبله ، ذلك لان هذه النظم لا تمكن سياسته الاستعمارية فى مجال التعليم والاجتماع والإقتصاد من الاستمرار كما أن هذه النظم تمنع الصبية من التغلغل ويمنع الثقافة ملحه من السين على المجتمع
ولا نروج لهذه الحضارة التى أتت على الاخضر واليابس من مقوماتنا .
ألغي ما الغاه من انظمة وأحل مكانها نظمه السياسية والاجتماعية ، وغير ذلك من نظمه التى رمانا بها . وربى على أيديه جيلا ، كان ابن جبلته ، ونسخة صادقة عنه ، وسلمه الامور ، وهيأ له الوسائل ووفر له الحماية والرعاية . فنفذ هذا الجيل باخلاص ما وكله به أستاذه وسيده ، طالبه بنقل تشريعاته وقوانينه قولا وعملا الى مجتمعنا فنقلها على أتم صورة ، وانقى رونق وأوضح اطار .
وفى مقدمة كل شئ ألغي المحاكم الدينية لانها رمز سيادة الدين فى المجتمع ، ومنه يستمد السياسي سياسته فى البلاد الاسلامية ، وسيطرت المحاكم اللاديينية الحاكمة باسم قانون الغرب على كافة شؤون البلاد ، وقصر أمر المحاكم الشرعية على بحث ما أسموه قانون " الاحوال الشخصية " من زواج وطلاق وارث ، بل لقد كنا نسمع فى تلك الايام بعض المشعوذين يطالبون بضم هذا القانون الى المحاكم المدنية ، فبدأ الدين يتوارى تدريجيا عن الهيمنة على شؤون المجتمع ، وحلت قوانين الارض محل قوانين السماء ، فكانت المشاكل وكانت النكبات التى ولدت الفوضى التى يعيشها
المجتمع الاسلامي والعربى .
ودليل على ما أقول ، فان البلاد التى لم تطأها : أرجل الاستعمار . ولم يدنسها فوضار قانون الارض ، كالمملكة السعودية ، بقيت تنعم بقوانين السماء العلوية ، وخلا مجتمعها من اوضار قوانين المادة المقلوبة ، وبقيت مملوءة بأهل الصلاح والخير ، يقودون مجتمعهم نحو السعادة والرفاهية .
فى سبيل اتلاف مفعول السلطة الحاكمة بأمر الله فى البلاد التى دخلها الاستعمار ، وجالت فيها أرجل الصليبية ، الغيت كما قلت المحاكم الشرعية ، وحل محلها المحاكم المدنية اللاديينية ، وقام أهل السوء بترجمة قوانينهم لتطبق فى هذه المحاكم ، وهم يعلمون حق العلم ان قوانينهم هذه لا توافق هذه البلاد ، ولكنها الخطة الجهنية المحبوكة ، وارادة القضاء على القيم الروحية لها .
وأسست ما أسموه . كليات الحقوق " لتخريج جيل من أهل البلاد يكون قادرا على مواجهة أهل مجتمعه بهذه القوانين وليعيشوا هم بسلام ينهبون خيرات البلاد ويمتصون طاقاتها ، وأوجدوا المدرسين والاساتذة . وتغطية على الموقف ، واذعانا لخوف من الثورة على مثل هذه المؤسسات الغربية ، فقد ادخلوا القانون والفقه الاسلامى فى مخطط الدراسة ، وجعلوا منه مادة كباقي المواد .
وقبل أن يقرر الاستعمار الخروج من أى بلد مسلم - وكعادته - يسلم الامور الى من يريد ، ويأمره بتشكيل " جمعية تشريعية " ممسوخة للاشراف على وضع الدستور وكأن البلاد قبل أن يدخلها كانت تعيش فى فوضى لا ضابط لها . تشكل الواجهة الامامية لهذه الجمعية ممن سلمهم زمام
الامور ، أما الخبراء والمخططون فهم المستعمرون الذين يبقون فى البلاد تحت اسم سياف ذى دولة مقلوبة ويسمونهم " مستشارين " وضع الدستور على هدى من قوانين المادة ويملأ بعبارات الحضارة الجوفاء : " الديمقراطية " الاشتراكية " الحرية " حقوق الانسان " الوطنية وغير ذلك مما لا يعتبر الا واجهة يصفق لها الدهماء من الناس .
أذكر لك عزيزى القارىء حادثة لا تزال تعيش معى ذكريات وأرشيف حياتى ، تعد مثلا صارخا فى الاعتداء على حقوق الانسان التى تنادى بها قوانين الارض ، ولا داعى لذكر صلتي بأبطال الحادثة ، فكل من بعرفني يعرفهم ، وانما أوردها هنا للتدليل والبرهان :
في أقرب قرية لمدينتنا عاش رجل اشتهر بالسطو على الأعراض والنهب والسلب واسمه ( يونس ) ، وقد نال حظا من العلم وحظا كبيرا من الدهاء ، وكان قد تجول فى عدد من البلدان قبل أن يستقر به المقام ، ويمتهن حرفة النصوصية . وعاش الرجل الطيب المحبوب ) ٠٠٠ فى أرضه وبين ضياعه مع زوجته وابنه الوحيد ، وقد أوتي سعة من العيش ، وحظا وافرا من الغنى .
وفي احدى ليالي الصيف الجميلة ، وبينما كان يرقد مع زوجته وابنه فى احدى ساحات الدار - كعادتنا فى تلك الايام - ، التف يونس بسلاحه وتسل الى داخل بيت : ( ٠٠ ) وقام بالسطو على خزنته ، وأفاق صاحبنا على حركة داخل البيت فنهض من فراشه ليرى ما هنالك ، وأفاقت على أثر حركته زوجه وابنه مذعورين ، وصاح ( ٠٠٠ ) من هناك ؛ . . واذا بطلق نارى يرقد فى
صدره . وفر اللص حاملا غنيمته وافاق البلد على صوت العيار النارى وصياح الزوجة الثاكلة .
وتولت المحكمة الكبرى في المدينة البت فى الأمر ، ووقف حملة قانون الارض من المحامين المشهورين فى طول البلاد وعرضها ، وأخذوا من بعضهم وأعطوا ، وفي كل مرة تؤجل المحاكمة ، وكل مرة ترفع الجلسة لمزيد من جلاء الحقيقة الغامضة ! ! ودامت القضية ستة أشهر كاملة فى لف ودوران ، وكان محامى المتهم قد جند نفسه بكل أباطيل الدنيا ليميت الحق ويدفن العدالة .
وفي يوم مشهود احتشد جمع غفير في قاعة المحكمة الموقرة ، وبدأ التحقيق ، وكأنه قد بدأ فى هذا اليوم ، فلأول مرة يحققون ، استجواب للشهود ، وبعضهم لم ير من القضية شيئا ، وانما المال والاغراء ، وتلا ذلك المرافعات من جميع الاطراف ، وأخيرا وقف محامى الدفاع ، وأخذ بقوة الباطل فى هذه الايام . يدلل على أن المتهم برئ ، وانه ليس القاتل . فزوجة المغدور وابنه لا تقبل شهادتهما .
وبسيل من الاسئلة على الراعى أربكه وشوش عقله ، وبعد هذه المهاترة الباطلة أخذ من في القاعة يصيحون يطالبون باعدام الجاني . ورفع قاض العدل والوصى بموجب قانون الارض على حقوق الانسان الجلسة تداول محلفونا الامر ، وخرجوا على الناس براءة المتهم . وهاجت الدنيا فى القاعة . هدر الناس كهدير البحر ، مطالبين اعدام المجرم ، ورأيت المجرم في قفص الاتهام يضحك ويبتسم لمحاميه وأصدقائه . هذه هي احدى مهازل المحاكم المدنية ( انها النظم التى قامت بوحى من قانون لسخ . قانون السادة المستعمر ، والنظام السياسي يحافظ على نزاهة المحكمة وعدم
التدخل فى شؤونها ولو حكمت بغير العدل . .
الاهم من ذلك والانكى ، اننا ما زلنا نرى اليوم من بعض العلماء المعاصرين من يقف ليقارن القانون الالهى ، قانون الاسلام بقانون الارض ، قانون الاستعمار ، ويقرر بعد مقارنته المقلوبة صلاحية قانون الاله لهذه الدنيا . أليس من العدل ان نقارن قانون الارض بمدى ما يتمتع به قانون السماء من عدل وصحة ودقة ، فاذا شابهه فهو الصالح ، واذا ناقضه فهو الطالح الذي يجب أن يدثر ويطرح ، انها بلا شك جاهلية القرن العشرين التى تحاول لف الصالحين بين ثناياها ليوطدوا أركانها فى سائر ارجاء الدنيا .
تلك هي يا عزيزى القارئ العوامل الخمس التى اختتمها فى هذه الحلقة ، الاستعمار ، والصليبية ، والحضارة المادية ، والثقافة المعاصرة ، والنظم الحاضرة ، هي التى قضت على ما للدين من هيبة ونفوذ وسلطان في نفوس أجيالنا الحاضرة ، ومالت بهم الى السطحية فى كل أمورهم والضياع هى كل تصرفاتهم ، والدمار فى جوانب كيانهم .
فهل من معجزة ؟ . . وهل من آية تعيد الحق الى نصابه وتقضى على هذه العوامل الفتاكة ، لتعتدل الامور نحو السماء ، ويعود حكم الاله ، ويعود الامر كله لله ، ويومها يخيم الصلاح المنشود على العالم ويسود المجتمع الفاضل الذى يربى أبناءه على العدالة الحقة والمساواة الصحيحة ، ليحفظوا للانسان كرامته وحقوقه المهدورة ، ولتعود الاجيال القادمة الى حومة الحمى ، ويساهمون بأيد صالحة فى بناء الدين والدنيا فى هذه الارض تحت : " كل شئ لله ومن أجل الله

