من حسنات الحكم العثماني في بلادنا حفاظه على ديننا القويم من مختلف انواع التيارات الاجنبية ، ووقوفه في وجه الاستعمار بجميع أشكاله ، ومنعه من تنفيذ تواطئه على غزو بلادنا . ولكن من سيئاته العودة بنا الى الوراء حضاريا وثقافيا واجتماعيا وعلميا ، فقد عجز عن التقدم بمجتمعنا نحو الحضارة الأصيلة النابعة من كيانه ، بل عاد به الى الوراء ، واوقع البلاد في جهل علمي ، وطبقية التهمت حيوية مجتمعنا.
سقط الحكم العثمانى وخلفه الاستعمار الاوروبي كبديل حتمى ، للتطورات التى أدت الى سقوطه ، والعناصر التى عملت على ذلك سرا وجهرا ، وانقنا على حضارة مادية لم نجد لها مثيلا في بلادنا ، فألهانا جهلنا المطبق بالحضارة الحقيقية الاصيلة عن سيئات هذه الحضارة الغربية ، وأغمضنا عيوننا عما يعارض ديننا - الذى هو أصل معاشينا - من هذه الحضارة ، وبدأ
الاستعمار في تنفيذ خطته الحضارية للقضاء على عمود حياتنا وديننا ، واعتمد في ذلك على شيئين :
١ - الطاقة البشرية :
لقد افتتح المدارس الحكومية وغير الحكومية وجمع فيها بين الجنسين وابتعث من أنس فيهم تلبية رغباته الى بلاده الاصلية ، وصاحب هذين التيارين افتتاح المدارس ، والبعثات الى أوروبا ، جلب الطاقة البشرية من بلاده لتتسلم الأمور ، ريثما تتم عودة المبتعثين ، وتخريج الأعوان ، فملأ الملاهى ودور السينما بعد أن أنشأها بنسائه اللاتى جلبن لهذا الغرض وملأ مراكز البلد الحساسة برجاله ، والغيت الدروس الدينية من المدارس الحكومية شكلا ، الاستعمارية محتوى ، فاذا لم يلغها في بعض هذه المدارس فقد بدأ تدريجيا بتخفيض هذه الدروس وتقليصها الى درجة تتلاشى معها في النهاية .
وعاد المبتبعثون يحملون قليلا من العلم
وكثيرا من الخطط لادخال حضارة اوروبا المادية بأوضارها الى مجتمعنا ، لم يفرقوا بين القشور والجوهر فيها . عاد رفاعة الطهطاوى ، واحمد الشدياق ، وسلامه موسى ، وطه حسين ، وقاسم امين ، واحسان عبد القدوس ، ورتل كبير غيرهم ، وبدأ كل منهم ينفذ ما وكل اليه أو وكل الى نفسه ، مما خبره من الوسائل الحضارية العمياء
تكفل سلامة موسى امر الدعوة بين لشباب الى هذه الحضارة ، والدعوة الى ترك التقاليد البالية والعادات السقيمة التى تقف في وجه المجتمع المتحضر على زعمه ، وكان يحلو له ولأمثاله أن يدخل كثيرا من أمور الدين ضمن هذه التقاليد والعادات .
وقام قاسم امين والشدياق وزمرتهم بالدعوة الى ) تحرير المرأة ) والأغرب أنهم سموا ذلك تحريرا ، وكان المرأة في الشرق كانت على أيامهم رقيقا أو عبدا ، وطالبوها بترك عادات الأمهات ، والثورة على طاعة الآباء والازواج الذين يقفون في وجه تحضرها ، وطالبوها بالأخذ بوسائل الحضارة الجديدة من السير حاسرة الرأس والعنق ، عارية الصدر والسيقان ، الى الدخول في كافة مجالات العمل .
وقام طه حسين ينفذ خطة اساتذته من مرجليوث المتعصب ضد الاسلام ، الى كليمان هوار الذي شكك في القرآن وكان بسمي السورة " أسطورة " ، فشن حملة شعواء على الأزهر وعلمائه لكونهم حماة الدين - وصرحه الشامخ في الوطن العربي ،
وأخذ يهاجم طريقة التدريس فيه بحجة انها قديمة ، ويجب أن تواكب العصر الذي يعيش فيه ، ولكنه لم يقترح خطة فيها الخير والرشاد ، لانه كان يريد الهدم لا الاصلاح ، والحق انه ساهم في زوغان بصيرة كثير من أبنائنا ، وولدت حملته تلك الكره في النفوس للأزهر وهذا الدين ، وفتح عيون المبشرين والصليبيين على الدور الكبير الذى يقوم به الازهر ، فعملوا بجد ونشاط حتى أصبح اليوم اثرا بعد عين ، كما تدل عليه الفروق الجوهرية بين خريجيه اليوم وخريجيه فى الماضى .
وأغرفت مدرسة احسان عبد لقدوس السوق بأدب الجنس والاغراء وغرف النوم ، فهتكوا الحرمات ، وهدموا الفضيلة ، وقد وجهت هذه المدرسة حملتها الى الشباب الغض المراهق فحطمت نفسيته ، وأورثته الضياع والتحلل .
لقد عشنا في معمعة ذلك كله ، ولا تزال الأجيال الحاضرة تقاسي من جراء ذلك الكثير ، لقد عشنا في أوار المعارك والحملات التى شنها جميع هؤلاء وغيرهم - في صفحات الجرائد والمجلات - على مجتمعنا الروحى الخير وقيمه السامية ، وكان الكثيرون يصفقون لها ، كنت ترانا وليس لنا حديث في ناد أو مجتمع الا ما كتبه فلان ورد عليه علان ، ونسينا في هذا كله ما يراد لهذا الدين وأهله وهذا الوطن وأهله .
وكان الاستعمار وخبراؤه في كل المجالات وراء ذلك وجعلت دعايته وجرائده ممكنه
من هؤلاء الناس رمز البطولة والخلود ، وأضفوا عليهم الألقاب والرتب ، وهيأوا لهم الأمور ، وذللوا لهم الصعاب ، وجعلوا منهم أعظم قدوة لا يزال الكثير من ابناء الجيل الضائع يتخذ منها قدوة يسير على هداها ويستنير بمنارتها الفاسدة .
٢ - الصناعة الجديدة ومبتكراتها :
كان المستعمر يعلم تماما أن الطاقة البشرية لا يمكنها وحدها الترويج لحضارته المادية ووسائلها والقضاء على قيمنا الروحية ، فأنزل هذه الوسائل نفسها الى المعركة لتقف بجانب الطاقة البشرية التى جندها أو جندت نفسها ، فأطل علينا أولا بالحاكى الفونغراف )، ثم رمانا بالراديو وبث فيه سمومه ، ثم نشر في بلادنا دور السينما وزودها بآلاتها ، وبأفلام الخلاعة والدعارة والفسوق ، ثم أدخل التلفاز التلفزيون) الى بيوت العرب والمسلمين ، وجعل منه مباءة للمجون ، لقد بث في كل وسائله خططه الرهيبة ، وتعاضدت قوته البشرية مع وسائله لكسب المعركة .
لقد كان من الممكن لهذه الوسائل الحديثة وهذه الصناعة الجديدة أن تكون مفيدة لنا نحن المسلمين والعرب لو كانت قيمنا على ما هى عليه زكاء أو نقاوة . . ان التلفزيون له مزايا عديدة ومنها اعانته على فهم الحياة والعلم . وهذا ما نرى وزارة الاعلام السعودية تعنى به عناية محببة نرجو
لها المزيد منها ان شاء الله .
هذا وقد أدت الاندية المختلطة والملاهى والتهتك الخلقي في بلاد الاسلام وضياع القيم الى ضياع هذا الجيل دينيا وخلقيا ونفسيا ، فأصبح لا يهتم بعظائم الامور ، تحدث أمام بصره فلا يحرك من أجلها ساكنا ، وهذا الضياع قاد الى هذه اللامبالاة التي يعيشها هذا الجيل ، والاتكالية التى أصبحت طابع العصر .
القيم تهدر ، والدين تنتهك مقدساته وحرماته ، وأهله يقتلون ويشردون وأراضيهم تقع فريسة بين براثن الاعداء وشبابنا سادر في الملذات وتوافه الامور . . لقد انسلخ هذا الجيل عن ماضيه ولم يعد حفيد ذلك الجيل الذى صنع العجائب وأتى بالمدهشات المذهلات .
صدقني يا أخي القارئ إذا قلت لك أنه بينما كانت المعركة على اشدها قبل عامين بيننا وبين الأعداء كنت أرى الشباب والفتيات في احدى عواصم البلدان العربية داخلين خارجين الى دور السينما والملاهي والمتنزهات .
لقد قضت الحضارة المادية على الوازع في النفوس ، وراحت تعمل عملها بهدوء ، تزرع السطحية والتفاهة والضياع والتشرد في نفسية الجيل ، وسكتنا على ذلك ، فحق علينا العذاب .

