الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

مذكرات مهاجر،

Share

الغرفة المطلة على الطريق الضيق . . . . غرفة ضيقة فيها كل ما تملك . . كتبك ، ملابسك وبعض النقود عندما تتحصل عليها . . . الشمس قليلا ما تزورها والبرد يسكنها دائما . . . وأحلامك . . تجترها معك وفي غرفتك تكبر أحلامك ، تكبر فتضيق بها الغرفة فتجتازها وتذهب بك الى اصفاع بعيدة فتمتلأ الغرفة صورا وألوانا . . .

أما " الميزيريا " فتسكن معك ، هى جارة لا مفر منها ، تحويك بين أحضانها وأحيانا تعمل أظافرها الحادة في صدرك فتئن ، وتفر أحلامك فتجتاز الغرفة ، وتصبح فقيرا معدما . . .

المدينة الكبيرة وواجهاتها تستهويك ورائحة الاكل تأنس اليها أمعاءك . ويتفتح لها صدرك ٠٠ وتمضى تبحث عن عمل ٠٠

أمام ذلك المبنى الضخم تريثت . . . جمعت قواك . . قرأت الفاتحة وتمنيت لو تذهب جارتك عنك بعيدا . . دخلت . ووجدت من سبقك . . دلفت وسطهم . . كنتم تتشابهون . . . نظراتكم وجلى ، وملابسكم تشكو شيئا من الغبار وأحذيتكم لا تلمع بما فيه الكفاية . . جعلوا يتقدمون . . عندما أحسست بنمل يدب فى رجليك أتى دورك . . وتفحصتك عبر الشباك الصغير . أسمر كنت . شعرك يوحى بالوحشة وفمك غليظ

سلمتها اوراقك ، أعطتك بطاقة ، كتبت عليها اسمك وأشياء اخرى امضتها . . وأشارت اليك بالعنوان . . وانطلقت والامل يتحدى جارتك ويعيد اليك أحلامك ، ويبعث بالسلسلة التى توصد الباب السميك . .

فى هذه المدينة الغربية وكلهم غرباء . كنت تسير . الثلج يلف معطفك وبتدحرج مع أنفك فتحس بالبرد يقسو على جسمك . . الحضارة تكبو تحس بالحضارة تكبو هنا . والطوابق تساقط وأشياء كثيرة تتساقط . حذاؤك يلسعك . وأصابعك تخرقها المياه . . وانت تسير وفى قلبك أمنيات كبيرة . مللت هذه المدينة ، مللت هذه النظرات التى تتفصحك وكنت أسمر وشعرك يوحى بالوحشة وفمك غليظ . . القطار السريع يجوب جوف المدينة وانت جالس الى جانبها وهى تتصفح مجلة مبتذلة . .

لاطفتك - بلدك جميل - هل زرته ؟

لا لم أزره . ولكن رأيت بطاقة بريدية بها شاطئ جميل وأشجار نخيل .. أردت أن تقول لها : إن بلدى ليس شاطئا رائعا فحسب ، وانما هو حياة ونبع ماء لا ينضب ، أردت أن تحدثها عن اخوانك هناك . . . ولكن قد يضيع صوتك وسط ازيز القطار أو هكذا خيل اليك . . وعيناها تلتهم الصور الملونة التى بين يديها . . وترتع الحسان على الشواطئ الجميلة يلتقطن صورا تذكارية ويركبن جملا محظوظا ويبتسمن لقائده البسيط . وان هنا سائح غريب ، لا يحفل بك أحد ، تلكزك نظراتهم وتتحداك جفوتهم . . تنظر من خلال النافذة والظلام يحوى القطار المضاء وتلك الشواطئ الرملية تسمرت على البطاقات البريدية وبائع الياسمين سكن الذاكرة والمقهى العتيق مرفأ لكل مسافر ينشد الراحة.

وبطنك يشكو شيئا . . وأنت تنظر الى ذلك الكلب الساكن قرب سيدته العجوز ، نظرته متواطئة والتخمة تملأ جنبيه . . والحضارة تكبو . والكلاب تزاحمك ولكن أسمر كنت ، وشعرك يوحى بالوحشه وفمك غليظ . . سألتك في شىء من البراءة

- لماذا تترك بلدك الجميل وتأتى الى هن ؟ العيش صعب . تصور اننى لم اشاهد سوى فلما واحدا فى الاسبوع ! . .

والحضارة تكبو . . مللت غسل الصحون بالماء السخن ومللت غضب صاحب المطعم كلما كسرت صحنا . . والنقود قلما تركن الى جيبك أتذكر آخر مرة شاهدت فيها فلما ؟ كان ذلك يوم عثرت على تذكرة أمام باب القاعة . فرحت . التفت يمنة ويسرة ثم دلفت الى القاعة المظلمة وتهالكت على المقعد الوثير ....

الكلب يلحس جوارب سيدته العجوز وأنت تتقرز . لم تكن طبعا ممن يرفق بالحيوان . . .

الوقوف الى الجسر يستهويك والنظر الى ما ، النهر فى كل ساعة من اليوم هدية بالنسبة اليك . . . تنظر فحسب . . تنظر بدون أن تدفع ور نكا مقابل ذلك . . . والثلج يتساقط ، يلف معطفك الصوفي وينحدر مع انفك فتجدب نفسا وتنفض معطفك كما ينفض الديك ريشه تحت المطر وتتسم بشئ من الحزن والخبث : سينتهى كل شىء وتبقى ذكريات وبطاقات بريدية شفافة تسكن رأسك . .

قطعة السكر تذوب وسط الفنجان الصغير تترشف قهوة سوداء فى تراخ ، والنادل يترصد فى ركن المقهى . تريد أن تتحدث الى أبناء قارتك تنظر الى الفساتين الجميلة وهى تخطر عبر زجاج النافذة . كلهم يركضون يركضون . أما أنت فلا تركض . الآن تترشف قهوة فقط

امك تبسشمل تبتهل حتى لا تجوع أنت في هذا البلد الكبير . . . لا لم تكن جائعا . وانما قد تشعر فى بعض الاحيان بذلك . تبعد عنك هذه الافكار . .

سألك النادل مرة ثانية : ماذا تشرب يا سيدى ؟

لقد شربت ما فيه الكفاية والقناعة من الكنوز الغالية . . . تشكره وتمضى . . ويبتلعك الشارع الواسع والبرد قفص من الحديد يحويك . وسط الضوضاء كنت تسير . وفى رأسك واحة خضراء تركض ، وماء رقراق وكأس شاي تعلوه فقاقيع ذهبية . وانت تمرح . طفل صغير ثم تمر شابا يافعا به توق وانتظار

اشترك في نشرتنا البريدية