الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

مذكرا ت مفتش معارف, الحلقة الثانية عشرة

Share

أما الثقافة المعاصرة ودورها فى افساد الجيل والميل به عن جادة الحق ، وملئه بهذه السطحية التى نشكو منها ، فلها حديث طويل تقصر عن سرده ألسنة وأقلام .

لقد استغلت الثقافة من قبل أعدائنا أسوأ استغلال فباسمها سعوا الى تنفيذ خططهم . وباسم الجديد فيها والتزود منها تم لهم ما أرادوا وحصلوا على نتائج باهرة .

ان الكتاتيب التى كانت منتشرة فى طول البلاد وعرضها تكورت فى أواخر عهدها الى أن أصبحت تعنى في لغة الثقافة عندنا الاقتصار على تدريس العلوم الدينية والعربية والحساب.

ولو كان مصلحونا يريدون الاصلاح حقا . والسير قدما بنا فى سبيل التقدم والازدهار الحقيقي على ضوء من ديننا وتعاليمه الحنيفة ، لجعلوا من الكتاتيب التى نسفوها مدارس حديثة بجانب ما ينشأ ويشاد من صروح العلم ، ألم تكن المساجد فى العصر الاموي والعباسى والاندلسى ، منائر للمعرفة والعلم بجميع فروعه من لغة وأدب وطب وطبيعة وفلك وهندسة ؛

وباسم نشر الثقافة بين الناس نشروا الانحرافات الحسية . فالمسرح هو مدرسة

للثقافة الحديثة ، والسينما دار للثقافة . وهما من أحدث الوسائل الاصيلة لنشر الثقافة ، لقد بثوا فى هذا كله سموم الثقافة التى هى لها أن تقضى على اصالة فكرنا ودوره الفعال فى الحياة والمجتمع.

زعموا أن من الثقافة أحياء اللهجات ( ١ ) العامية والعناية بها ، فدعوا الكتاب والمؤلفين واللغويين الى الاهتمام بها ، فوجد من كتب بها ، ودون ألفاظها ، وأحدث لمفرداتها الاشتقاق ، لقد أرادوا من كل ذلك هدم اللغة العربية الفصحى ، ألست هى وسيلة التخاطب على المستويات الرسمية من تعليمية وسياسية وغيرها ؟ ثم ألم ينزل القرآن بها ، ويدون الحديث النبوى بألفاظها ؟ . . اذن فالقضاء عليها طريق للقضاء على هذين العمودين ، والقضاء على هذين العمودين قضاء علينا وموت لنا ، وحينذاك يمكن

بوجيهنا الوجهة التى يريدون ، وهذا ما عملوا به بالرغم من ذلك .

ومن الثقافة ننشيط حرية الترجمة من اللغات الاوربية الى اللغة العربية . فقدموا أقصى عون للمترجمين على ترجمة ما يريدون وأنشأوا المؤسسات التى ترعى هذه الحركة . بل وأوقعوا فى حبائلهم الجهات الرسمية حين أوحوا اليها ترجمة كتاب ككتاب " قصة الحضارة " لويل ديورانت وخاصة تلك الاجزاء التى تسئ الى ديننا ورسولنا وتراثنا الفكرى.

نحن لا ننكر اننا بحاجة الى الترجمة ، ولكن الترجمة التى نريدها ، ليست ترجمة أدب أو تاريخ أو فن ، بل ما نحتاجه هو الاطلاع على النواحي العلمية التى فاتنا ركبها ، فلنقم بترجمتها ووضعها تحت ايدى المختصين فى هذه المجالات ، ولنترك كتب علم النفس والروايات والاقتصاد والاجتماع فعندنا الكفاية ، بل ما عندنا أفضل بكثير من هذا ( ٢ ) .

ومن الثقافة احياء العادات والتقاليد الشعبية كالتى يسمونها فنون ( الفولكلور ) واحياء الحضارات القديمة الوثنية ، فأنشأوا الجمعيات واللجان لهذا الغرض ، وغرروا بكثير من الصالحين شجعلوا منهم أعضاءا فى هذه اللجان والجمعيات . وراحت هذه اللجان والجمعيات تعمل عملها ، فأحيت كثيرا من الاشياء التى قضى عليها الاسلام وأوحوا الى الناس انها لا تتعارض والدين وأن الثقافة تختلف فى مفهومها الاصيل

الحديث عن مفهوم القدماء لها . وزرعوا الميادين والساحات بالاصنام والتماثيل ، فاذا أرادوا احياء ذكرى عبد من عبيد ثقافهم الجاهلية اقاموا له صنما ، ولم يقتصر الامر على ذلك ، بل اخترعوا الاصنام لرواد فكرنا الاسلامى كابن رشد وابن طفيل وابن سيناء والفارابى والكندى والمعرى ، وصلاح الدين وبن خلدون وغيرهم ، واقاموها فى مختلف الاماكن ليذكرهم الناس بها .

ولم يكتفوا باشاعة الرقص الغربى الفاحش بين الناس ، بل اخذوا فى اشاعة أنواع أخرى من الرقص الخليع ، ونسبوههالى التراث الشعبى للأمة

ثم ادت حركة الاحياء هذه كنتيجة منطقية الى أحياء الحضارات الوثنية القديمة كالفرعونية والآشورية والكلدانية والنوبية وغير ذلك وقام من ينادى ويدعو الى هذه الحضارات واعتمادها نهجا للسلوك فى العصر الحاضر ، كما حدث للفرعونية فى مصر والآشورية فى شمال العراق وشمال سورية .

وجعلوا من خطتهم التعرف الى مقدار تشبع الناس بما يشيعونه بينهم ويروجون له ، فأنشأوا ما يسمونه " المسح الاجتماعى " والمسح الثقافي " و " المسح الاقتصادى " الى غير ذلك من انواع المسوح ، وباسمها أخذو يتغلغلون فى نفسيات الناس ليتعرفوا مقدار قابليتهم لمخططاتهم ، فتعدل او تؤقلم بما يوافق الامزجة ، او ليطمئنوا على الاقل على سلامة خطتهم.

فى ذات ليلة دعيت أنا ورجل فاضل الى " سماع محاضرة فى علم النفس " وكان المكان عبارة عن ناد رياضى ، وانتبهت الى الحاضرين فرأيت معظمهم من الشباب المراهق الذى لا يزال على مقاعد الدراسة ، والذين

يسمون فى عرف الرياضة " الاشبال" ولم أر الا قلة من الرجال بينهم أعضاء هذا النادى.

وقدم رئيس النادى المحاضر الينا فقال : استاذ علم النفس في جامعة ( ٠٠٠ ) ورئيس مختبر علم النفس فيها ، ومنتدب الآن في كلية (٠٠٠٠ ) أما الكلية المنتدب فيها فهى كلية علمية بحتة لا شأن لها بهذا العلم ، وبدأ المحاضر بمقدمة عن بدء علم النفس السلوكى ونشأته ، وظننت خيرا فى هذه المحاضرة ، الا انه فى النهاية قال :

- لقد قمت بممسح اجتماعي في مدينة كذا ومدينة كذا وكلية كذا بقصد التعرف الى بعض الامور التى لا تنفك تلزم تقدم الدراسات الاجتماعية والنفسية التى تساهم الى حد كبير فى رفع مستوى المجتمع الثقافي ، وأريد منكم الآن ان تساعدوني فى اكمال صورة هذا المسح . وسأوزع عليكم بعض النماذج ، وما عليكم الا قراءتها وتعبئتها بكل صدق!!

ووزعت النماذج ، وكان النموذج الواحد ضخما بحيث بلغ الستة عشر صفحة من الحجم الكبير جدا ، وبدأت باستطلاع محتوياتها أنا وصديقى وكان ذا خلق ودين وفكر ثاقب . فأخذ يلوى شفتيه ويشك ويهمهم.

كانت الاسئلة والاستجوابات تتعلق بالاسرة ، مجال السلوك العملي لافرادها . وقد أحكم بعضها لدرجة كبيرة بحيث خفى معظمها حول الدين الاسلامى في مجال السلوك العملي للفرد ، كزواج المسلم من المسيحية . وزواج المسمة من المسيحي والشيعى من السنى ، والسنى من الشيعى ، وحجاب المرأة المسلمة ، وتعليمها ، وتصرفاتها .

وطاعتها لزوجها وأهل بيتها ، وغير ذلك كثير .

لقد وضح لنا أن النموذج ملئ بالتخطيط والتدبير . فرفض صاحب الاجابة على اى من الاسئلة ، ودار بيننا حديث حول الاسئلة وكنا جلوسا فى الصف الاول ، فأخذ المحاضر يستمع لحديثنا ، وسأل رئيس النادى عن هويتنا ، ثم تقدم نحونا وقال لصاحبى :

- هل لي ان اعرف سبب عدم اجابتك على الاستجوابات ؟

فقال صاحبى :

- أظن ان الحكاية فيها مجال لحرية الرأى فى الاجابة أو عدمها .

وأوما المحاضر بالايجاب وعاد يقول - ولكن أحب أن أعرف السبب؟

وكان المحاضر مدعوما بجهات لا يستطيع احد التعرض له وللنموذج ، فقال صاحبي :

- ان رأيى والسبب فى عدم اجابتى ، هو اننى مسلم ، وان الاسلام فى سبيل تنظيم مجتمعه وعلاقات الافراد ببعض وعلاقتهم به . مر عرضا بكل ما جاء فى هذا النموذج واجاب على كل الامور الواردة فيه ، وليس عدلا ان تطرح هذه الاستجوابات على اناس يدينون بالاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة .

وكأنك قد ربطت حبلا وثيقا على لسان المحاضر . فقد بهت اذ لم يكن ينوقع أن يجد منل هذه النوعية بين الحاضرين.

هذا وكثير غيره فعلوه باسم الثقافة المعاصرة . أرأيت كيف يدبر لهذا الدين فى الظلام . وما يقصد لهذا الجيل من زوغان وضياع ؟ أرأيت كيف تدبر أمور سلعة أجيالنا الحاضرة عن دينهم وتقاليد مجتمعهم الروحية.

اشترك في نشرتنا البريدية