الحلقة السادسة والأخيرة من البحث )
وتعرض الامام لجدل كثير ، وما أكثر ما دافع عن نفسه ، ليزيل سوء فهم المعترضين على مذهبه ، وورد عنه رده مما سلف الاستشهاد ببعضه ، ومنه قول ابى حنيفة : ( هذا الذى نحن فيه رأى لا نجبر عليه أحدا ، ولا نقول يجب على أحد قبوله ، فمن كان عنده أحسن منه فليأت به نقلده ) .
وقال أبو مطيع البلخى : كنت جالسا مع الامام ابى حنيفة فى جامع الكوفة , فدخل عليه سفيان الثورى ، ومقاتل بن حبان ، وحماد بن سلمة ، وجعفر الصادق ، وغيرهم من الفقهاء ، فكلموا أبا حنيفة وقالوا : بلغنا أنك تكثر من القياس فى الدين ، وأول من قاس ابليس ، فناظرهم الامام يوم الجمعة من بكرة النهار الى قرب الزوال ، وعرض عليهم مذهبه وقال : انى اقدم العمل بالكتاب ، ثم بالسنة ، ثم
أنظر فى أقضية الصحابة ، فاذا اختلفوا ولم يتفقوا على شئ قست حينئذ .
واقتنع المعارضون - هؤلاء - بمذهب الامام الاعظم ، واعتذروا له قائلين حسب رواية ابى مطيع البلخى : أنت سيد العلماء ، فاعف عنا ما مضى من وقيعتنا فيك بغير علم ، فقال : غفر الله لنا ولكم أجمعين .
وعلم المنصور الخليفة العباسى بمذهب ابى حنيفة من بعض معارضيه ، فكتب اليه يسأله ويقول له : بلغنى أنك تقدم القياس على الحديث .
فأجابه أبو حنيفة : ليس الامر كما بلغك ، فاعلم من بلغك انى أعمل - أولا - بكتاب الله ، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بأقضية الصحابة ، ثم أقيس بعد ذلك ، وليس بين الله وخلقه قرابة )) .
وهذه الحوادث قليل من كثير ، وهى تدل على شهرة مذهب الامام ، بين الخاصة والعامة ، وفى جميع الطبقات طبقة الفقهاء المجتهدين ، والعلماء الأكابر ، والخليفة ودار الخلافة .
واذا دلت هذه الحوادث على شهرة مذهب أبى حنيفة فهى تتبحر فى الفقه فهم عيال على أبى حنيفة . و (( من أراد أن يعرف الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه ، فان الناس كلهم عيال عليه فى الفقه )) .
ويروى محمد بن سلمة ان خلف بن أيوب قال : (( صار العلم من الله تعالى الى محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم صار الى اصحابه ، ثم صار الى التابعين ، ثم صار الى ابى حنيفة واصحابه . ))
وقال الامام شمس الدين محمد بن العلاء البابلى الشافعى وكان موصوفا بالحفظ والاتقان : (( اذا سئلنا عن أفضل الأئمة نقول : أبو حنيفة )) .
وسئل الامام مالك عن مسألة فأجاب عنها ، فقال السائل أن أهل الشام يخالفونك فيها فيقولون كذا وكذا ، فرد عليه الامام مالك : ومتى كان هذا الشأن بالشام ، انما هو وقف على أهل المدينة والكوفة ؟
وروى هذا الخبر الزبيدى فى كتابه (( عقود الجواهر )) وعلق عليه بقول : (( وشأن المسائل بالكوفة مدارها على أبى حنيفة وأصحابه )) .
وغير هؤلاء كثير من مختلف المذاهب الفقهية وأئمتها وفقهائها ومجتهديها وأكابر علمائها .
ولا يصح فى العقل أن يكون أبو حنيفة على ما وصف به من هؤلاء الافذاذ ولا يكون مجددا مبتكرا ، ولا يكون له مذهب خاص ، ان ذلك فيه دلالة على وجود المذهب ، لأنه لا شهرة لغير موجود . ومعارضة الناس آية وجوده ، اذ لا يصح أن يعارضوا ما لا وجود له .
ولو كان مذهب أبي حنيفة مذهب من سبقوه لما عارضه المعارضون ولما ثار منهم من ثاروا ، ونقم عليه بسبب مذهبه من نقموا .
فانكار المستشرقين وأتباعهم من بعض الباحثين المسلمين أن يكون لأبى حنيفة مذهب خاص به ، انكار حقيقة ثابتة تقضى على زعمائهم ، لان المذهب قائم منذ حياة صاحبه حتى اليوم .
واذا كان بيننا من العرب المسلمين من يتبنى آراء هؤلاء المستشرقين فاننا نذكر لهم أن مستشرقين أكبر درجة من أولئك قرروا نقيض زعمائهم ومنهم : جولد زيهر وأرورد سخاو وجرينباوم .
وشواهد الحال تثبت أن للامام الاعظم مذهبا لا اختلاف فيه ، وزعم المنكرين مكابرة للحق يردها عليهم واقع التاريخ الصحيح وواقع المذهب نفسه .
وجدير بأبى حنيفة أن يكون له مذهب فأقرانه من الائمة المجتهدين يشهدون له حق الشهادة ، فالام الشافعى نفسه يقول : (( الناس عيال فى الفقه على أبى حنيفة ))
وبعد ، فان أبا حنيفة امام حق ومجتهد عظيم ، وفقيه ندر مثله فى العالم الاسلامى
وان له مذهبا فى الفقه واضح المعالم ظاهر السمات ، ذا شخصية تميزه عن غيره من المذاهب .
ومن الفضول اثبات ما هو ثابت ، ومن الجهل واللوم انكار ما هو موجود وثابت ، فاذا زعم زاعمون أن أبا حنيفة ليس مبتكر مذهب ، ونفوا هذا المذهب فانهم . هم أنفسهم قدموا الدليل على أنهم جهلة بالامام الاعظم ومذهبه ، ويقترن جهلهم بالحقد اللئيم .
وعلى أى حال ، لا يؤبه بانكار هؤلاء المنكرين ، لان مذهب أبى حنيفة قد أصبح منذ أكثر من ألف سنة معرفة من أعرف المعارف بين المذاهب الفقهية . ( تم البحث )
