(٢)
(خلاصة ما نشر فى العدد الماضى ) يؤكد الاستاذ البحاثة أحمد عبد الغفور عطار ويدلل على ان فقه الامام ابى حنيفة صادر عن الكتاب والسنة وفقه الصحابة مثل فقه المذاهب الأخرى ومذهبه قائم فى اساسه على الكتاب والسنة وفتوى الصحابة والاجماع والقياس والاستحسان والعرف وهو لا يقيس الا عند الضرورة اذا لم يجد فى الكتاب والسنة وفقه الصحابة دليلا وكان يتحرى فى الحديث جدا وكان صدوقا ثابتا على مبدئه مهما يتعرض له من البطش والأذى وهو متضلع فى الحديث . ويدحض الاستاذ حجة من يزعم ان ابا حنيفة بنى مذهبه على سبعة عشر حديثا أو نحوها او أنه لم يتزود بغيرها . . )
فغير معقول ألا يتزود أبو حنيفة من الحديث الشريف وهو فى الكوفة مدينة العلم الكبرى يطلب العلم على اعظم من بها من التابعين والفقهاء والاعلام ، والا يكون زاده من رواية الحديث الا سبعة عشر حديثا
وانه لزعم مردود ، فما ثم برهان سطع ولا اقوى على روايته بضعة آلاف من الحديث
صورة
من بنك المسانيد ، ومن الكتب التي الفها اكابر ائمة العلماء فى الحديث والفقه فى احاديث الاحكام التى رواها ابو حنيفة ومصادر أحكامه من السنة الكريمة .
وكل هذا يثبت ان امامة ابى حنيفة فى الحديث كفاء امامته فى الفقه ، ويؤكد أن علمه بالحديث وروايته اياه ليسا دون مرتبة الائمة الكرام : مالك والشافعى ، وابن حنبل .
وان ما ذكره ابن خلدون فى مقدمته وقلده فيه غيره من القدماء والمحدثين ، مستشرقين وعربا ومسلمين ليس من الحق فى شئ .
واذا رجعنا مع تلك المسانيد الى بعض الكتب المؤلفة فى الاستدلال على فقه أبى حنيفة بالحديث فان ذلك الزعم سيفقد كل حياته ويظهر بطلانه ، ويبرز لنا نقيضه المؤيد بالدليل الذي لا ينقض . الا وهو ان فقه ابى حنيفة من الكتاب والسنة وفقه الصحابة ، ومصداق هذا كتب الائمة الاعلام ، وعلى سبيل المثال نذكر بضعة كتب منها . وفيها الغناء ان شاء الله .
ألف الامام ابو جعفر أحمد بن محمد الأزدى الطحاوى الحنفى المولود سنة ٢٣٩ والمتوفى سنة ٣٢١ كتابين جليلين هما .((مشكل الآثار )) ويقع فى أربعة أجزاء ، وطبع بحيدر آباد بالهند سنة ١٣٣٣ ه و (( شرح معانى الآثار )) فى جزأين مطبوعين غير مرة فى الهند ، ومن أقدم طبعاته طبعة ١٣٠٠ سنة ١٣٠٢ ه وفى خزانتنا طبعة الشيخ محمد اسحاق صاحب المكتبة الرجمية في ديوبند .
وعرف(( شرح معانى الاثار )) فى فهرس دار الكتب المصرية باسم (( معانى الآثار )) وفي ذيل كشف الظنون بالاسم السابق ، كما ان عنوان مقدمة الكتاب التى سطرها من نشر الكتاب او غيره من المحدثين يذكر ان اسمه (( معانى الآثار )) . . وفى صلب المقدمة ص ٥ :
(( الامام الجليل والعالم النبيل صاحب معانى الآثار ، وقد يقال له شرح معانى الآثار )).
والف الامام جمال الدين ابو محمد عبدالله بن يوسف الزيلعى الحنفى المتوفى سنة ٧٦٢ كتابا سماه (( نصب الراية فى احاديث الهداية )) وطبع فى مصر سنة ١٣٥٧ ه ( ١٩٣٨ م ) فى اربعة اجزاء .
ولخص كتاب الزيلعى الامام شهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى المتوفى سنة ٨٥٢ ه وطبع بالقاهرة سنة ١٣٨٤ ه ( ١٩٦٤ م ) وعنى بنشره وتحقيقه السيد عبدالله هاشم اليمانى المدنى
وألف الامام علاء الدين محمد بن احمد بن أبى أحمد السمرقندى كتابه (( تحفة الفقهاء )) وطبع بدمشق ، وقدم له العلامة العظيم الشيخ مصطفى احمد الزرقا ، وتاريخ كتابه المقدمة ٢٤ صفر ١٣٨٤ ه ( ٤ يوليو ( تموز ) ١٩٦٤ م ) وهو فى اربعة مجلدات .
وحقق أحاديث التحفة وخرجها العالمان محمد المنتصر الكتانى ، استاذ الحديث بكلية الشريعة بجامعة دمشق ،
وألف الامام زين الدين ابو العدل القاسم بن قطلوبغا ابن عبد الله المصرى الحنفى
( ٨٠٢-٨٧٩ ه ) كتابه المسمى (( منية الالمعى )) فيما فات من تخريج احاديث الهداية للزيلعى وهو مطبوع مع كتاب الزيلعى السابق ذكره .
أالف الامام السيد الشريف محمدمر مرتضى الزبيدى ( ١١٤٥-١٢٠٥ ه ) كتابه المسمى ( عقود الجواهر المنيفة فى ادلة الامام ابى حنيفة ( الواقعة طبعته فى جزأين طبعا بمصر سنة ١٣٨٢ ه وقد عنى بنشره وتحقيقه الفاضل السيد عبد الله بن هاشم اليمانى المدنى .
والحق ان المسانيد وهذه الكتب وغيرها مما ألف فى موضوعها لا يدع مجالا لمن يتهمون الامام الاعظم بقلة رواية الحديث ، بل تقضى على زعمات ابن خلدون وكل المتجنين على ابى حنيفة رضى الله عنه .
وثبوت كثرة رواية ابى حنيفة للحديث ، واعتماده اياه فى مذهبه ، وتقديمه على الرأى والقياس ، بل تقديم اقوال الصحابة عليهما رد بليغ على اولئك الزاعمين .
واذا كان ابو حنيفة لا يتعصب لرأيه تجاه آراء تلامذته ، بل يعرض رأيه وقياسه للحوار والمناقشة فان من غير المعقول ان يتعصب لرأيه تجاه الحديث ، واذا كان ابو حنيفة قادرا حرية الرأى والكلام والبحث والحوار والمناقشة فذلك دليل على رغبته
فى الحق ، فاذا وجد فى رأى تلميذ من تلامذته الحق اخذ به .
وهذا ثابت ، وما دام كذلك فهو لن يجترئ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برده وايثار رأيه عليه .
بقول الموفق المكى فى (( المناقب )) ١٣٣/٢ - ٢٣٤ . (( وضع ابو حنيفة رحمه الله مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهادا منه فى الدين ، ومبالغة فى النصحية لله ورسوله والمؤمنين ، فكان يلقى مسألة مسألة عليهم ، ويسمع ما عندهم ، ويقول ما عنده ، ويناظرهم شهرا او اكثر من ذلك حتى يستقر احد الاقوال فيها ، ثم يثبتها القاضى ابو يوسف فى الاصول . حتى أثبت الاصول كلها ، فاذا كان كذلك كان المذهب الذى وضع شورى بين هؤلاء الائمة اولى واصوب ، والى الحق اقرب ، والقلوب اليه أسكن ، وبه اطيب من مذهب من انفرد فوضع مذهبه بنفسه ، ويرجع فيه الى رأيه ))
ويقول الموفق المكى فى ابى حنيفة بعد الجملة المشاهدة : (( وكان من توفيق الله له أن أمهله ، فأخر أجله حتى تصفح المذهب وتأمله ، فهذبه ولخصه وقدره ، ولم يجعله ذا اقوال ، ولا ذا وجوه واختلاف واحوال ، بل تحرى فيه الصواب ، وقطع فيه الجواب ))
- للبحث صلة -
