قصة
خاصة بالمنهل
وقد أذيعت من محطة (صوت أمريكا ) فى نيويورك
حسن الزوج أمينة - زوجة حسن الأولى خديجة - زوجة حسن الثانية زينب - أبنة حسن المتزوجة
كمال - زوج زينب علبة - ابنة حسن الثانية ياسين - ابن حسن فكرى - الطبيب
الفصل الأول - المنظر الأول
المذيع - ( يبدأ المنظر الأول فى بيت حسن وزوجته أمينة تنتظر رجوعه من سهرة المقامرة وقد مضى الهزيع الثاني من الليل )
أمينة - ( مخاطبة نفسها ) يا إلهى ما هذه المصيبة ؟ أنا وأولادى نكاد نتضور جوعا ، وتعوزنا ضروريات الحياة ، وهو يتركنا كل ليلة ويذهب للمقامرة فيخسر ماله ويعود شاحب الوجه متوتر الأعصاب وكلما حاولت ردعه عن غيه يستشيط غضبا وينهال على بالكلام المهين ولم يبق إلا أن يحاول ضربي ، ما هذه الحياة وماذا أصنع ؟
(يسمع وقع أقدام خارجا) أمينة - ( مخاطبة نفسها أيضا ) ها اننى أسمع وقع أقدام فلا بد أنه حسن وقد عاد من سهرته سأجمع قواى وأتوسل إليه عساه يقلع عن هذه العادة الخبيثة التى سنذهب ضحيتها . ( يسمع فتح الباب ويدخل حسن )
حسن - ( بلهجة المؤنب )كم مرة قلت لك لا تنتظرينى يا حرمة ، فأنني لا أطيق الجدل والأخذ والرد في هذه الساعة المتأخرة من الليل
أمينة - ومتى أستطيع أن أكلمك أفي الصباح وأنت تتأهب فى دقائق وأحيانا دون حلاقة للذهاب إلى عملك أم في المساء عندما لا تكاد تلتهم طعام العشاء حتى تضع طربوشك على رأسك وتخرج الى مواعيدك ؟
حسن - إذن لا تكلمينى فلست طفلا بحاجة لوصايتك ونصائحك السخيفة وإلا . .
أمينة - (مقاطعة ) أما حان لك يا حسن وقد قاربت الستين وأصبح ولدك ياسين شابا وتزوجت أبنتك زينب من شاب أديب مهذب ، أما حان لك أن تفكر فى مركزك بين الناس وسمعة عائلتك ، فهل تريد ياسين أن يحذو حذوك في الحياة - وهلا يهمك مستقبله ومستقبل ابنتك علية العازبة
حسن - كلا لا يهمني أحد ، كفاك تدخلا في شئوني . . أسمعت ؛ ما دمت أقدم لك نفقاتك الضرورية فإنى حر في أن أذهب أنى شئت كما يحلو لى . . إني رب الأسرة ولاسلطان لأحد على . .
أمينة - هذا والله منطق عجيب ، ومتى كانت واجبات الزوج والوالد مقتصرة على الأمور المادية ؟ ألا تظن أن أولادك متعطشون لمحبتك وعطفك وللتحدث إليك بمشاكلهم اليومية وللشعور بأنك تحنو عليهم وتسعى إلى إسعادهم . . ؟
حسن - إن أولادى لا يبدون محبة نحوى كما يجب عليهم . . ولا شك أنكِ مسئولة عن هذا الفتور بينى وبينهم .
أمينة - وكيف تنتظر منهم محبه واحتراما إذا كنت تعاملهم بهذه القساوة ولم تظهر لهم مرة ميلا بالتقرب إليهم وتبادل الآراء معهم فيما يخالج صدورهم الفتية من أحلام وآمال
حسن - لا تتفلسفي على يا حرمه ! فإن أفكارى فى هذا الموضوع تختلف عن أفكارك . . وقد تناقشنا فى هذه
النقطة عدة مرات فلا تنتظرى مني أن أتغير بعد أن بلغت هذه السن
أمينة - وإذا سلمنا جدلا بأنك لا يهمك أمر أولادك فهل لا تشعر ببعض الشفقة على وأنت تعلم أنى مصابة بمرض القلب ، والطبيب لا يريد أن أجهد نفسي أو أقوم بأشغال المنزل المتعبة ، فلماذا لا تعطيني بضعة قروش زيادة لاستخدام امرأة - ولو مرة فى الإسبوع - لتخفف عنى عب تنظيف المنزل وغسل الثياب ؟
حسن - أنت لست مريضة بل تتصنعين المرض والطبيب يمالوءك على ...!
أمينة - ألا تخاف الله وعقابه يارجل هل أنت إنسان له قلب وعواطف كبقية الآدميين أم أنت مصنوع من الحجر الصوان ؟
حسن - ( بغضب شديد ) لقد طفح الكيل وكاد أن ينفد صبرى . . فأذهب إلى غرفتك الآن واتركينى وشأنى ، فقد تأخر موعد نومى أنى أعاملك بالحسنى واللين ولكن إذا لم تقلعي عن غيك فسأسلك طريقا آخر ( تذهب أمينة الى غرفتها وهى تبكى )
الفصل الاول - المنظر الثاني
المذيع ( يبدأ المنظر الثاني في غرفة أمينة وهى مريضة فى الفراش على أثر نوبة قلبية وفي الغرفة الثانية الطبيب وأولادها وزوجها )
الطبيب - ( مخاطبا الزوج ) أن زوجتك بحاجة إلى راحة تامة وعدم تهيج أو إنزعاج ، والأولى بك أن تحضر لها ممرضة فحالتها خطرة
حسن - من أين لى أن اقوم بهذه
النفقات الطائلة ومن سيعتنى بى ويطبخ لي... :
الطبيب - هون عليك فالمهم الآن هو العناية بهذه المرأة المسكينة والدعاء لها بالشفاء . .
زينب - أننى مستعدة يا أبتى أن أخصص ساعتين أو ثلاثا كل يوم بعد أن أرسل أبنى الصغير إلى المدرسة وأقوم بأية خدمة لازمة . .
علية - ويمكن الاعتماد على ياوالدى بأن أقوم بنصيب من أعمال المنزل حسب معرفتى . .
الطبيب - الآن اسمحوا لي فإنى مضطر إلى القيام بزيارة ثانية السلام عليكم
الجميع - وعليكم السلام يادكتور ورحمة الله
كمال - (مخاطبا حسن ) إن قلبي يتفجع لهذه المرأة الفاضلة ، فأنها بالحقيقة مثال الأمومة الصالحة والزوجة المضحية - ومن واجبنا أن نعتنى بها جهدنا لكى تجتاز الأزمة زينب - وماذا يحل بنا إذا خسرناها
ربي اشفق عليها وعلينا . ( صوت منخفض ينادى حسن ، حسن ... )
ياسين - أنني اسمع والدتي تناديك ياوالدى فهلم بنا لنرى ما تريد
أمينة - (مخاطبة زوجها ) يا حسن - سامحك الله - أننى أشعر أن أيامى أصبحت معدودة وليس لى من وصية عندك إذا أدركتني المنية إلا الاعتناء بالأولاد ، فكن لهم أبا محبا ولا تهملهم مهما جرى . .
حسن - إننى متأسف يا أمينة ، وأعاهدك بأنني سأعمل حسب وصيتك نامي الآن واستريحى ولا تهيجي أعصابك . .
الفصل الاول - المنظر الثالث
المذيع - ( يتلو المنظر الثالث المنظر الثاني بعد خروج الجميع من غرفة أمينة وقد توجه كمال وزينب إلى منزلهما وفيه يبدأ هذا المنظر )
كمال - ثقى يا حبيبتى أننى متأثر جدا للنوية القوية التى أصابت والدتك وقد فهمت من الطبيب أنها فى حالة خطرة جدا ويخشى على حياتها . . فتشجعي وكوني رابطة الجأش . . فالحياة ملأى بالأهات والتنهدات . . والسعداء قلائل على وجه البسيطة . ولكن السعادة الحقيقية ميسورة للأنسان إذا هو تجرد من الأنانية فى معاملة أخيه الإنسان واتبع طريق الرحمة والإنصاف والتضحية . .
زينب - أنت رجل شريف يا كامل وأنني سعيدة بزواجي منك . . ولكن مسكينة هي والدتي فإنها لم تحظ بيوم سعيد في حياتها الزوجية . . وأنت أدرى بمعاملة والدى لها ولنا
واعتقد أنها لو نالت جزء مما أناله أنا من السعادة البيتية لما وصلت الى هذا الحال . .
كمال - أن والدك يا عزيزتي لا يقصد أن يكون قاسيا أو ظالما غير أنه من أصحاب المبدأ القديم الذين يعتبرون المرأة متاعا لا شريكة لحياتهم ويعتبرون أنفسهم الاسياد المطاعين . . لقد زلت قدم والدك منذ أصبح عبدا للقمار ، ولم يكن له من قوة الإرادة والعقل السديد ما يردعه عن التدهور إلى الحضيض فهو أحق برحمتنا منه بحكمنا الجائر .
زينب - لله درك من منصف متعقل وإنني أقدر لك هذا الرأى الموزون مع أننى مدركة تمام الإدراك ما لاقيته أنت أيضا من سوء معاملة والدى فقد أساء اليك مرارا عن جهل وقصر نظر ولكن الكريم من صفح .
الفصل الثاني - المنظر الاول
المذيع - (مضي على وفاة أمينة تسعة أشهر تقريبا ، وقد بكاها زوجها مؤقتا ثم عادت حليمة إلى عادتها القديمة كما يقول المثل - فأنه أخذ يرود المجتمعات التى يلعب فيها القمار مع أصدقائه وأخذ يسعى للزواج مرة ثانية وهنا نراه جالسا مع ولده ياسين يتحدثان فى المنزل )
ياسين - لا أدرى كيف أعذرك على إنهائك الحزن على والدتي بهذه السرعة وعودتك إلى موائد القمار كعادتك القديمة ، ولكن هل صحيح ما سمعته من الناس من إنك تنوى الاقتران عن قريب بأمرأة غنية ؟ إن هذه الإشاعة تزيد خاطرى بلبلة على بلبلة .
فأنا حرفى الزواج مرة ثانية بل وثالثة متى احببت ، وأما كون العروس غنية فهذا صحيح وهو ماقصدته تماما لأنني لم أعد فى سن الشباب ولا طاقة لى على الكد والتعب ، فماذا يمنعنى من حل مشاكلى على هذه الصورة ؟
ياسين - لن أباحثك في أن مسألة زواجك هي من شئونك الخاصة ، وأنه ليس لنا شأن بها ، ولكن ألا تظن أن اللياقة تقضى بانتظارك حتى تمضى سنة على الأقل على وفاة والدتي . . ؟ فإن تراب قبرها لم يجف بعد وماذا يقول الناس عنك ؟
حسن - ( بغضب ) ماذا يقولون ؟ وما شأن الناس بأمورى الخاصة حتى وما شأن الناس باهورى الخاصة حتى اهتم باقوالهم وآرائهم . . أنت شاب أحمق وإذا كنت تظن أنك ستقف عثرة فى سبيلي فإننى أطردك من المنزل ولا
أشفق عليك . . . يظهر إنك ورثت المشاكسة عن أمك .
ياسين - أسمح لى يا والدى أن أذكرك - وأنت سيد العارفين - أن ألسنة الخلق أقلام الحق - وأن الصيت الحسن أفضل كنز يجمعه الانسان ، ثم إنى وأختى علية لا نزال عازبين وفي سن الزواج فهل فكرت قليلا فى علاقة هذه المرأة الجديدة بنا وما سيكون موقفها بالنسبة إلينا ؟
حسن - إنها إمرأة فاضلة صالحة ولن تسئ إليكما بشئ إذا أحسنتما معاملتها - لا بل إننى أنصح إليكما بالاجتهاد فى إرضائها فنحن جميعا سنستفيد من أموالها الطائلة . . إن خديجة سيدة بكل معنى الكلمة . . ياسين - ماذا يكون موقفها ياتري متى أدركت أنك لا تنوى القيام بنفقاتها مع أنك ميسور الحال ، بل أننا كلنا سنعيش من خيراتها . .
حسن - وهذا أيضا أمر يتعلق بى فأنا أعرف كيف أدبر الأمور وما عليك أنت وعلية إلا التزام حدكما والطاعة العمياء . . أفهمت ؟
ياسين - حسنا - سأفعل ما تشاء يا والدى - وأمرى الى الله - وكن براحة بال فاننى لن اعكر صفو حياتك . . ( يذهب ياسين ويبقى حسن وحده )
حسن - (مخاطبا نفسه) يا للوقاحة ولدى يجسر على التدخل فى أمورى ومتى كان للولد حتى الاعتراض على أعمال والده . . ويح العلم والتمدين الحديث كيف أفسدا عقلية البنين . . فصاروا يظنون أنهم حكماء وفلاسفة قه . . قه . . (يضحك عاليا )
الفصل الثاني - المنظر الثاني
المذيع - ( يتزوج حسن بالأرملة الغنية خديجة ويمضى على زواجهما أكثر من سنة لم ينقطع فيها حسن عن لعب القمار إلا خلال الشهرين الأولين وقد أخذت خديجة تشعر أنه تزوجها لاجل ابتزاز مالها فتغيرت عواطفها نحوه - وأدركت أنها وقعت في فخ - وهنا نرى خديجة وحسن فى حديث ذى شجون )
خديجة - ألا تظن أن شهر العسل قد انتهى بعد سنة ونصف السنة من زواجنا وهلا تنوى التفتيش على عمل ما ؟ ٠٠
حسن - إن رجلا فى سنى لا يستطيع الاستخدام أو العودة إلى التجارة فقد آن أن أرتاح واعتنى التجاره فقد ان ارياح واعتنى بصحتى...
خديجة - وهل تعنى بالراحة الخروج ليلا إلى مجتمعات لعب القمار والنوم اكثر النهار . . وهل من المفروض أن أقوم بنفقات المنزل . . ومصاريفك أنت وولديك القاطنين معنا ؟ وأين تلك الوعود الخلابة التى وعدتني بها والحياة السعيدة التى صورتها لى ؟
حسن - مهلا يا خديجة ، أنت غنية جدا ومهما انفقت فسيبقى معنا كفاية حتى نهاية عمرنا . . وما الفائدة من جمع المال ونحن فى سن الشيخوخة ؟
خديحة - ها ها إذن هذه هي خطتك الشيطانية ، ولماذا لم تقل لى أنك تنوى التقاعد حالما تتزوج بى . . أعلم يا حسن أننى لا احترم الرجل الذى لا أستطيع الاعتماد عليه والمفاخرة به أنت خدعتني بأساليبك الخبيثة .
وابتدعت طرقا شتى لإنفاق مبالغ طائلة من مالي حتى الآن ويظهر أن الحبل على الجرار ، فكل يوم تأتيني بخطة جديدة وحيلة لابتزاز مالى والسيطرة على كل ما أملكه . .
حسن - أنني لا أملك شيئا ولا طاقة لى على الشغل . .
خديجة - لقد بلغني من الجيران والأصدقاء أنك ميسور الحال وفهمت أيضا أنك كنت تبخل على المرحومة زوجتك الأولى وعلى أولادك ولا تحب نفسك . . والآن اختبرت بنفسى واتضح لى سوء طالعي وأوكد لك أننى لن أصبر على الضيم كما صبرت المرحومة . .
حسن - الناس بلاء الناس والويل لهم من متشدقين مثيرين للقلاقل . .
خديجة - ماذا تصنع لو تركتك فقد طردت أبنك ياسين وهو الآن فى سوريا لا نعرف عنه شيئا . . وعلية ناقمة عليك لأنها اضطرت مؤخرا إلى الزواج برجل لا يليق بها هربا من السكنى معك . . ولولا حكمة صهررك وتعقله لكانت حياة زينب معه تعسة بسبب معاملتك القاسية لهما وعدم عطفك عليهما عندما كانا فى أشد الضيق .
حسن - كفى كفى يا امرأة والا . . خديجة - (مقاطعة ) وإلا ماذا يا غبي ؟ أتجرأ على رفع يدك وتهديدك لى بالضرب ، أقسم بالله أننى لن أبقى معك دقيقة واحدة بعد الآن فابق وحيدا وعش طريدا . .
( وتبدأ خديجة بجمع ثيابها ) حسن - ( يتوسل اليها ) مهلا
اصبرى يا زوجتى العزيزة لا تتركينى سأحسن خطتى . .
خديحة - كلا . . بل سأبتعد حالا عن وجهك المنحوس .
(تتركه وتذهب)
حسن - ( يندب حظه ) ها قد ذهبت يا لفضيحتى وسوء مصيرى . .
الفصل الثالث
المذيع - (تعلم زينب أن خديجة هجرت والدها فتسرع إلى منزله لكى تتفقد أحواله فلا تجده في البيت . وللحال يخطر فى بالها أنه أزمع الانتحار اذ كان يتحدث به مهددا إذا ما هجرته زوجته فتسرع نحو شاطئ نهر النيل وعن بعد يتراءى لها شبح رجل على أهبة الألقاء بنفسه في النهر )
زينب - (منادية بأعلى صوتها) أبتى . . أبتى . . تمهل فهذه ابنتك زينب . . لا تلق بنفسك بالله عليك وإكراما لى . . تمهل
حسن - (واجفا مترددا ) زينب أبنتى الحبيبة . . عودى إلى عائلتك ودعينى وشأنى ، لقد أصبحت حياتي مظلمة ولاطاقة لى على احتمال توبيخات ضميرى ، لقد ظلمتك يازينب وقسووت على أختك وأخيك ولم أقدر المرحومة أمك ولم أحسن معاملة زوجتى الثانية
فالموت أفضل حل لعذابي . . والله اسأل أن يغفر لى إساءاتي لقد انقضى الأجل . . وداعا يا ابنتى . .
(ويهم ثانية بإلقاء نفسه فتمسك بيده . . )
زينب - (باكية ) لا . . لا ياوالدى لا تيأس ولا تقطع أملك فما مضى قد مضى ولا حاجة إلى إعادة ذكره أنت والدى ولن أدعك تنتحر فهلم بنا إلى منزلى وعش معنا بقية أيام حياتك لا تتملص منى وإلا ألقيت بنفسى فى النهر معك . .
حسن - لا . . لا بارك الله فيك يا ابنتى . . إنك نفحة مباركة من السماء . . ويا ليتنى كنت استحق هذا العطف والحنان منك . . فعسى أن اكفر فيما تبقى من حياتي عن الماضى وأنال رحمة الغفران من ربي . . تعالى بنا يا زينب . .
( النهاية )

