ليس الهدف الاول من دراسة فن التاريخ مجرد دراسة عابرة لاسماء الجدود وتاريخ حياتهم أو عهود الامم الماضية بل ان الهدف هو : المدنيات السالفة والحضارات الغابرة والوقوف على ما احرزه الاوائل والاواخر من التقدم الفكرى والاقتصادى والاجتماعى فى ميادين العلم والاقتصاد والصناعة والزراعة ، والسياسة ، والادب والفن بما فى ذلك ما يسترعى القارىء اثناء دراسته من تغيير العادات والاذواق بحسب تيار الحياة وما يملى به وحى الاحداث فى الاوساط الاجتماعية فى كل عصر ومصر مع مرور الزمن
وبذلك تلزمنا معرفة القوانين المنطقية السليمة التى يخضع لها فن التاريخ ..
وتلزمنا معرفة الحوادث الايجابية التى هى مصدر البحث العلمى بوجه صحيح منزهة عن الشوائب والترهات خاصة ونحن نطالب باعادة مجد تراثنا التالد ، فلا يمكن ان نبنى دراستنا له على الروايات الضعيفة المشكوك فى صحة اثباتها وعدالة ناقليها ..
ويلزمنا ان نؤكد ان دراستنا لهذا الفن ترمى لفهم المدنيات الانسانية المعهودة . وان نبذل كل مجهود وطاقه لاظهار العلاقات والاسس التى تربط كل مدينة بغيرها وما تتأثر به منها التى تليها فاذا حاولنا ذلك وجدنا أن
المدنيات من أقدم العصور وهى عبارة عن مجهودات انسانية متكاتفة .. ويتضح منا أيضا ان الحضارة ليست مقصورة على شعب دون آخر . أو عنصر دون آخر ، بل تتناوبها ادوار التجديد بنظام دقيق يتبادله ابناء الانسانية جميعا بطريقة ايجابية فعالة ..
اذن فهذا مسرح التاريخ تظهر على شاشه أحداث مستقبلة وتسطر أفلامه تسجيلات لتراث الاقدمين .. الفراعنة ، الاشوريين ، الرومان ، اليونان ، الفرس ، وغيرهم .. هذه الامم منها ما تعاصرت مدنياتها ومنها ما كان بطريقة الوراثة عند وأد سالفتها وربما نجزم بذكر سقوط مدينة الروم والفرس واليونان مثلا فنقول عندما تبلبلت أفكار اليونان والروم والفرس بالترف أفلتوا زمام الحركة الفكرية وتلفعوا بافواف الحرير الناعم وتنقلوا على الارائك الونيرة واستنشقوا عبير الازهار واغرقوا فى لذيذ الاحلام كان ذلك فى القرن السادس للميلاد
وكانت الحضارة العربية آنذاك بازغة فى فجر الاسلام . فأشرقت على العالم أجمع .. واخذت تسير حركة الحضارة. أو كما تقول الفقرة التقدمية لرقى البشر ، ولم تمح الحضارة العربية مجهودات من سبقها من الامم بل جعلتها كأسس تبنى عليها وسلما يرتقى عليه فهى ترجمت فلسفة
اليونان ، وترجمت علوم الطب والهندسة ، ورصدت حركات الافلاك من لغات شتى الى اللغة العربية التى اصبحت مشعلا للهداية والنور ..
هى حياة كلها جد وعمل ، تلك هى حياة اسلافنا الامجاد ، الذين عاشوا قرونا عديدة وهم يواصلون مجهودات الانشاء والابتكار ، ثم بعد ردح من الزمن خلف من بعدهم خلف تأثر بما كان سببا فى نكبة الروم والفرس
وكان الاوربيون آنذاك قد فاقوا من سباتهم العميق وغزوا أقطار الامم العربية والاسلامية التى كانت مطلع النور الى أوروبا نفسها
وليس من شك ان يتأثر الاوربيون من دراستهم لما افادوه من حضارة هذه الامة وهذا الجديد الوهاج ، لقد بنى أبناء أوربا حضارتهم على سلم الحضارة العربية . وأصبحوا يجعلون ما عرفوه من العلم وسيلة فى استعباد الامم الاخرى ..
ثم بعد حين من الدهر فاذا بشرايين الحياة تنبض فى أبناء العروبة وتوجههم لدراسة تاريخ ماضى سلفهم المجيد دراسة علمية حقة ، وتزودهم بروح الثقة والأمل فى اعادة ماضيهم الزاهر وتجعلهم يؤمنون حق الايمان بان التاريخ يعيد نفسه ..
فها هو الشرق العربى يعرج بروحه الى مضمار التقدم ، يطالعه الفتى ضافية عليه حركة النمو والازدهار ، كما لازالت حركة الاقبال على النهوض الشامل تكلله كل يوم بهالة من النور وعرف أبناء العروبة أنفسهم فارادوا ان يتصل حاضرهم بماضيهم فى ميدان النهوض الفكرى والعزة القعساء ..
ولا غرو فنحن العرب الذين مكن الله فى الارض لنا بقوتنا الروحية ثم مركز موطنهم الاستراتيجي الخطير .. اننا نعلن منذ اليوم لكافة أهل الشرق والغرب باننا نحن المديرون لمرافق حياتنا ولا نرتضى ان يتولى ذلك احد عنا بحال من الاحوال ، ولسنا حاقدين على أحد . وكما قال شاعرنا القديم :
انا لقوم ابت اخلاقنا شرفا ان نبتدى بالاذى من ليس يؤذينا
ها هو التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى تجاه الغرب على مسرح الحقيقة
تصوروا مع ايها السادة القراء الا تررون نجم الغرب يأفل ..
أنظروا .. هاهى تيارات الغروب تدفعه الى أعماق البحار المظلمة التى ظهر منها ..
أبو عريش - منطقة جازان

