( وراء السراب ) ديوان شعر . . للسيد محمد هاشم رشيد
فى شعر هذا الشاعر نفحة من نفحات التجديد فهو قد تجاوز جوه وتخطى جيله الى جو عاطر والى زمن لم يأت بعد وبذلك ساير موكب الشعر الجديد فى العالم العربى من اضراب الشابى وايليا ابي ماضى ، ولم يكن فى قصائده واهدافه دونهم كثيراً بل انه ليحمد له هذا الانطلاق الجريئ فى بيئة لم تألف من الشعر الا ما كان على طراز قديم او على طراز " غرابي " عقيم .
فى شعر محمد هاشم رشيد جرس قوى وقوة بيان متدفقة اكتسبها من نبع نفسه وذهنه المتوقد تؤازره بيئة دراسته بمدرسة العلوم الشرعية فقد كنت أعهد فيه اللماحية والذكاء وهو تلميذ فى الصفوف الابتدائية الاولى من هذه المدرسة ثم سارت به الحياة قدما بعد تخرجه وكانت له جولات فى المطالعة الخاصة والدراسات الخاصة ، وهيء له من الجو الادبى ما مكنه من الوصول الى هذه المنزلة . والديوان مقسم الى قسمين : " فى ظلال الهوى " و " فى ظلال المجتمع " .. والطابع الذى يغلب على شاعرنا هو الغزل والنسيب ووصف جمال الكون كما يراه شاعر مستهام مكلوم جريح الفواد مجنح الحيال . .
ويبدو لنا انه معتز بنفسه ولكنه يشعر من اعماقه بنكران شخصيته وفنه فى الجوا الذى يعيش فيه ، ومن هنا كان الالم الذى يرافقه فى اغلب انتاجه :
انا فى لجة الحياة شعاع مشرق النور رائع اللمحات
عمى الناس عن سناه فامسى ضائقاً فى مسارح الظلمات
ويموج الديوان بالفاظ مخصوصة اصطلح عليها اتباع مذهب إيليا والشابي من شعراء الجيل وهى النور والظلمة والدجى والروض والطير والزهر والشجر والنجوم والقبس أو والقمر والشمس والظلال والمناجاة والانبهال والكاس والبؤس والسعادة والاسى والحيرة الخ وهى ظاهرة لا بد للناقد الحصيف ان يلحظها . . ومن اجمل القصائد " ابسمى " و " زورة " وهذه منوعة القافية كما يفعل الشابى فى كثير من قصائده ولا
ارى بأساً بهذا إذا كانت القوافى متسقة والمعاني وضاءة والوزن واحدا . وقصيدة " حينما نلتقي " من الشعر المجنح :
اقول لقلبى : غداً نلتقى فأشكو اليه ويشكو الي
واملأ من سحره أضلعي وأترع من حسنه مقلتي
وادنو اليه ويدنو الي واحنو عليه ويحنو علي
غدا يا فؤادى نلاقى الحبيب - فكفكف دموعك لا تيأس
غداً نلتقى فى ظلال الشجر يخف ما موكب النرجس
وترنو الينا عذاب الزهر ونحن سكارى بلا أكؤس
نفنى لحون الهوى والمنى وننهل من نبعه الاقدس
وقصيدة " الطبيعة الخرساء " من هذا النوع وان يك عنوانها دون مستواها الفني وكذلك " وراء السراب " وهي القصيدة التى سمى الشاعر ديوانه بعنوانها . . وليس فى قصيدة " ليلة الميلاد " شىء جديد بالنسبة للمعاني وان كانت القوالب جميلة بسامة . . وصيغة " المولد " هنا اوقع من " الميلاد " اذ إن " الميلاد " جرى العرف ان يعنى به ميلاد عيسى عليه السلام .
وتعجبني قصيدة " فلنهاجر " . . فهى ذات جرس قوى واهداف سامية .. ومثلها " نداء المجد " . . اما " مواكب النور " فأرى انها القصيدة التى استطاع الشاعر الشاب ان يزجى منها انتاجه الى الميدان العالمى مقتفيا خطى اساتذته ايليا والشابي . . فليت شعراءنا " الموضعيين " يحاولون الدخول الى هذا المجال الافيح ليدللوا للعالم المترقب على ان شعرنا بدأ يتجدد قالبا واسلوبا وهدفا وغاية .. ولعل مما يؤاخذ عليه الشاعر اسباغه الالقاب الضخمة على اصدقائه الذين اهدى اليهم بعض قصائده مما ذكرنى بقصة ابن خلدون فى مقدمته المبتكرة الخالدة وفى تاريخ الضخم التقليدى . ..
وقصيدة " ارجوحة القدر " غير ذات موضوع . . . وليس فيها فلسفة صحيحة بل هى تقليد محض لبعض من يزعمون ان هذا هو التجديد . والشاعر نفسه قد ناقض فكرة القصيدة فى نفس القصيدة حينما قال فى ختامها :
ان للاقدار سرا غامضا عميت عنه عقول العالمين
ونعود الى قصيدة " رورة " لنجد فيها ثغرة مفتوحة فقد كان سياق القصيدة يدل دلالة واضحة على ان الحبيبة التى اصطلت بنار الهجران قد اعتراها الياس القاتل من لقاء من تحبه وقد استرسلت فى هذا المجال الى اقصى غاية واذا بنا نفاجأ من الشاعر باجتماعها على غير تمهيد وبلا مقدمة وبلا تهيئة الجو الخيالى الملائم :
قالت له وهو كالأموات مضطجع يحيا بقلب صريع الشوق معمود
يا صاحبي في فؤادي ما تكابده وما تعانيه من هم وتسهيد
فمتى اجتمعا ؟ وكيف ؟ هذا سرطواء الشاعر فى نفسه . او لم يبح به لقرائه على الأقل . وبرغم ان بعض القصائد نشر فى هذه المجلة فقد يخفف الشاعر عن ذكر اى شئ من هذا القبيل ..
وبعد فتحي السيد محمد هاشم رشيد كشاعر مواطن مجيد ونقولها برغم ما نعلمه من صغر سنه ، والسن ليس علامة فارقة للتجويد والتقدم ، فرب صغير السن كبير الفن ، ورب كبير السن صغير الفن ...

