النظام الشرعي والاجتهاد :
الناظر فى القرآن المتأمل فى معانيه ، يبصر أن من مقاصد هذا الدين الاسلامى ، مقصدا نطقت آيات كثيرة معبرة عنه تعبيرا صافيا بليغا ، ذلك ، أن يكون المسلمون أمة محاطة فى عامة أوجه نشاطها بنظام شرعى عملى يوفر امتثاله والقيام بفرائضه وأحكامه أن تكون على أفضل الاحوال المحققة لرقيها الروحى والمادى والباعثة لها على التطور الدائم .
قال القرآن " ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون انهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وان الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولى المنقين ، هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ، أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون "
وقال القرآن " لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وان كانوا من قبل لفى ضلال مبين "
ففي هذه الآية يمن الله على المؤمنين ، وهم من عرب الجزيرة أولئك الذين سبقوا إلى استجابة محمد واعتنقوا ما جاء به ودعا اليه من دين الاسلام ، فيخاطبهم بهذه المعانى : انه من منن الله عليكم ان بعث فيكم رسولا من جنسكم وبلغتكم ، فأنتم تعلمون ، لهذا ، من أحواله قبل اصطفائه وبعثته مثل ما يعلم من أحوالكم . وانه ليتلو عليكم ما يوحى اليه من آيات القرآن ، وما قد أمر ببلاغه هداية لكم ، وتزكية لانفسكم ، وخلوصا بكم وبحياتكم مما كنتم عليه من سيئات الاحوال ، ومستوبئات الشؤون ، فى الاعتقاد والاخلاق ، والمعاملة والسياسة ولاحاطتكم بعد هذا الخلوص بنظام شرعى كفيل بانماء جواهر خاصياتكم الانسانية .
قال القرآن " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات الى النور بأذنه ، ويهديهم الى صراط مستقيم "
وقال القرآن " أيحسب الانسان أن يترك سدى "
ونتساءل عن هذا النظام الشرعى ما هو ؟ وما مقوماته ؟
النظام الشرعى :
ان تحليل الاصوليين لمفهوم النظام ، وتوضيحهم لمقوماته ، ليطلعنا ذلك على جملة المعنى المقصود من هذه الكلمة فى دائرة اصطلاحهم .
فالنظام عندهم له أربعة أصول يقوم عليها ولا قيامة له بدونها ، وهذه الاصول هى الحاكم ، والحكم ، والمحكوم به والمحكوم عليه .
فالحاكم هو الشرع عند جمهور الاصوليين وأهل السنة ، وهو الله تعالى بعد بعثة محمد وبلاغ دعوة دينه وهم يستندون فى هذا الرأى الذى يأخذون به ، ويخالفون فيه غيرهم يحملة من آيات القرآن ، يرون فيها دلالة على ما قد تمسكوا به من أن الحاكم هو " الله " ومن تلك الآيات قول القرآن " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "
وقول القرآن " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى "
وقول القرآن " لئلا يكون للناس ، على الله حجة بعد الرسل " وقول القرآن " وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء "
فكل هذه الآيات صافية العبارة واضحة الدلالة عندهم على أن الحاكم هو " الله " تعالى . خلافا لما قد ذهب اليه ، وتمسك به أهل الاعتزال ، من ان الحاكم هو " العقل " وان الله كاشف بلسان القرآن عما قد أدركه العقل قبل بعثة الرسول وبعدها . فان العقل عند المعتزلة يدرك ، بالضرورة ، حسن الصدق النافع ، وقبح الكذب الضار ، ويدرك كذلك حسن الصدق الضار ، وقبح الكذب النافع ، فكل فعل حسن او قبيح فى ذاته ميزته التى ينفذ العقل اليها ويعلم بموجبها حسنه أو قبحه ، وكل انسان بمفرده اذا فرض نفسه ، خالية من الالف والعادة ، وكل مذهب ، وكل اعتقاد ثم عرض عليها عندئذ هذه القضية ، لوحد نفسه جازمة تبعا لحكم العقل بترجيح الصدق ومنابذة الكذب ، وذلك هو شأنها فى العدل ، والرحمة ، والاحسان ، واضداد هذه الافعال من المقابح .
وليس من المقصود فى هذه المراجعات الميسرة أن نستعرض ما قام بين هؤلاء وأولئك من جدل كثير ومناظرات ، ويكفى أن نقول بهذه السبيل انه من المكابرة ادعاء أن العقل عاجز عن ادراك الحسن والقبيح من الافعال .
ولكن اذا تجاوزنا هذه المنزلة التى يحتلها العقل فاننا نجد أنفسنا مضطرين كذلك الى الاقرار بان الله هو الحاكم باعتبار انه معرف باياته .
وهداية رسوله محمد حسن الصدق وقبح الكذب ، وما يترتب على كل من الفعلين من جزيل ثوابه ، وأليم عقابه . وهذا مما لا مدخل للعقل فيه .
ثم الحكم : ويراد به الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ، ويشمل الاقتضاء اقتضاء الوجود ، واقتضاء العدم مع الحزم أو مع جواز الترك فيكون الحكم بهذا التفصيل شاملا جملة ما يقع عليه من الانواع وهى الواجب والمحظور ، والمندوب ، والمكروه ، والاباحة وهى التخيير واستواء طرفى الوجود والعدم .
ثم المحكوم به وهو فعل المكلف . ومحل الحكم ومتعلقه ، فمتعلق الايجاب يسمى فعلا واجبا ، ومتعلق الندب من أفعال المكلفين يسمى فعلا مندوبا الى آخر ما هنالك من أنواع الحكم السالفة .
وجمهور الاصوليين يقولون : فى شرط الفعل الذى وقع التكليف به " انه الفعل الممكن " فلا يقع التكليف بالمستحيل ويستدلون على هذا الشرط الذى جزموا به بقول القرآن " لا يكلف الله نفسا الا وسعها "
وقول القرآن " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "
ثم المحكوم عليه . وهو المكلف . تأهيله للتكليف موقوف على توفر شرط واحد لا تكليف بدونه ، وهو الفهم ، بأن يكون مع الناشىء من الادراك العقلى القدر الذى يفهم به من الخطاب ما يتوقف عليه الأمتثال والشعور بالمسؤولية عن الطاعة .
ويؤيد هذا الشرط فعل الرسول عليه السلام فى غزواته فقد كان لا يأذن فى حمل السلاح ، والتعبئة للقتال الا لمن بلغ التمييز وبدت منه دلائل الفهم والشعور بانه مسؤول عن الامتثال والطاعة ، وكذلك كانت وصاياه لامراء أجناده بأن يكفوا عن قتل الصبيان لقصورهم عن التكليف .
هذه جملة مقومات النظام الشرعى فى تفصيل الاصوليين وظاهر جدا أن الذى نقصد الى الوقوف عنده فى مباحث هذه المراجعات ، انما هو الاحكام ، وقد نوعها الاصوليون الى نوعين .
الى احكام " قطعية " وهي المتلقاة من النصوص الصريحة ، البينة الدلالة من القرآن والسنة الثابتة .
والى احكام " ظنية " وهى المستخرجة مما نصبه الشارع من الادلة ، بطريق النظر والاجتهاد . ولهذا قالوا فى تعريف الاجتهاد .
الاجتهاد : هو بذل الطاقة واستفراغ الوسع من الفقيه العالم لتحصيل حكم شرعى عملى بالنظر فى ما نصبه الشارع من الادلة من القرآن ، والسنة والاجماع والقياس .
والفقه العالم الذى يتصدى للاجتهاد هو المجتهد ، والحكم الذى يتحصل عليه هو حكم الله فى الحادثة المعينة العارضة له ، وهو حكم ظنى تجوز مخالفته فيه ما لم يعضده اجماع .
شروط المجتهد :
ويشترط فى المجتهد سواء أكان مطلق الاجتهاد يتصدى للقضاء والفتوى فى عامة المسائل العارضة ، أو كان مقيد الاجتهاد يتصدى للقضاء والفتوى فى بعض المسائل الداخلة فى بعض أبواب " الفقه " وهذه الشروط هى :
الايمان بالله ورسوله وبما جاء به الرسول عليه السلام من شريعة الاسلام .
والعدالة ، ويراد بها ان يكون فى مسلكه على أفضل أحوال التقوى والصلاح . مأمون الرضا والغضب منصفا بالمروءة فى دينه ودنياه .
قالوا : فاذا كملت عدالته قبل قوله ، وكان للناس أن يعملوا بحكمه الذى حصله باجتهاده .
فان اختل وصف من جملة الاوصاف التى تتم بها العدالة جاز ان لا ينتفع الناس بالحكم الذى حصله باجتهاده ، وله ان ينتفع هو به خاصة .
والعلم ، ويراد به ان يكون عالما بأصول الاحكام وأدلتها من القرآن ، والسنة ، والاجماع والقياس .
فيكون علمه بالقرآن على الوجه الشامل الذى يحيط بما تضمنة من آيات الاحكام ، وناسخها ومنسوخها ومجملها ومبينها ، وعامها وخاصها أساليبها المختلفة فى توجيه الخطاب ، وهو لا يصل الى هذه المنزلة من العلم بكتاب الله ، الا اذا كان على ثقافة لغوية بعيدة الافاق تحيط بالمفردات والمركبات وبما لهذه اللغة العربية من خاصيات فى نظمها وصيغ تعبيرها من لطائف المزايا واسرار البلاغة ، فاذا تمكنت ملكته ، وزكا ذوقه الادبى ، وطالت ممارسته وجولات فكره فى معارض القرآن أمكنه عندئذ أن ينظر فى الدليل من آى القرآن نظرا صحيحا ، وان يستخرج منه الحكم الظنى استخراجا قويا .
وكذلك يكون علمه بسنة الرسول علما شاملا يمتد الى الاحاطة بالاسانيد وطرقها ، وأحوال الرواة ، وما يعد من السنة متواترا ومشهورا ، وما يعد من خبر الاحاد وما تقرر من المذاهب فى التعديل والتجريح ، ومراتب الخبر ، ومتى تقبل الرواية بالمعنى ومتى لا تقبل ، وما الناسخ والمنسوخ من السنة . وما المطلق ، وما المقيد منها .
وعلى هذا النحو يكون علمه بالاجماع فلا يفوته حكم من أحكام الصحابة وكبار التابعين تلك التى أجمعوا فيها أو التى اختلفوا فيها ، ذلك ليأخذ بالاجماع فى ما قد اجمعوا فيه ، ليجتهد برأيه فى ما قد اختلفوا فيه .
وبهذه السبيل من العلم يكون علمه بالقياس فيعرف العلل المنصوص عليها فى القرآن او السنة ، والتى ترتب على وجودها حكم الاصل المنطق به , وبذلك يستطيع ان يرد الفروع المسكوت عنها الى ما وقع التصريح به . بقياس صحيح .
وقد تساهل بعض رجال الاصول والتشريع فى شرط العلم ، وقالوا : ليس يلزم المجتهد أن يكون من سعة العلم بحيث ينتهى الى تحصيل جميع الاحكام لجميع ما يعرض له من المسائل ، فهذا مالك بن أنس من المجتهدين أصحاب المذاهب الباقية ، سئل فى أربعين مسألة فقال فى ست وثلاثين منها لا أدرى .
والرأى الاحق بالاتباع فى شرط العلم ، هو أن توقف مالك عن الاجابة فى هذه المسائل المعينة التى عرضت عليه ، لا يجيز مطلقا ان يقع التساهل فى قبول اجتهاد من لم يملك " أداة الاجتهاد " وهى المعرفة : لان الاجتهاد فى أقصى مراحله أختيار ، ولن يصل الى حرية الاختيار الصحيح الا المتمكن من المعارف والعلم الصحيح .
بل ينبغى ان يكون المجتهدون ممن يمثلون فى عصورهم طليعة الهداة من العلماء المفكرين .
فالاجتهاد ، فضلا ، عما يقتضيه من كمال التقوى ، يقتضى كذلك ثروة من المعارف الانسانية ، هى خلاصة دراسة طويلة مضنية ، وبدون هذا الامتياز الفكرى لا يكون المجتهد قادرا على ادراك الحوادث فى اوضاعها الصحيحة ، قادرا على الاحاطة بأنحاء تأثير حكمه فى القريب العاجل والبعيد الاجال , قادرا على أدراك مدى انسجام حكمه الذى يحصله مع ما هو قائم من الاحكام الشرعية .
ولهذا السبب كتب عمر بن الخطاب الى عبد الله بن قيس فى رسالته له حين أقامه قاضيا ما نصه " الفهم الفهم فيما تلجلج فى صدرك مما ليس فى كتاب ولا سنة ، ثم اعرف الاشباه والامثال فقس الامور عند ذلك واعمد الى أقربها الى الله وأشبهها بالحق " .
وقالوا فى صفة القاضى " والحاكم العدل من لم يعجل بفصل القضاء دون استقصاء حجج الخصماء ، ودون ان يحول القول فيمن حضر من الخصماء , والاستماع منه ، وان تبلغ الحجة مداها من البيان ، وان يشرك القاضى الخصمين فى فهم ما اختصما فيه حتى لا يكون بظاهر ما يقع عليه حكمه أعلم منه بباطنه ، ولذلك استعمل أهل الحزم والروية من القضاة طول الصمت وانعام التفهم والتمهل ليكون الاختيار بعد الاختبار والحكم بعد اليقين ".
بل انه لمن أجل هذا جاء القرآن وفيه تنويه كثير بالعقل ، وتكرير
لدعوة الاعتماد عليه ، وهل عند العقول المحجوبة بظلمه الجهل من الاختيار شئ ؟ وهل عند العيون المعصوبة عن رؤية النور غناء ؟ قال القرآن " ويرى الذين اوتوا العلم الذى أنزل اليك من ربك هو الحق ، ويهدى الى صراط العزيز الحميد "
وقال القرآن " أقول لكم عندى خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم انى ملك ، ان اتبع الا ما يوحى الى . قل هل يستوى الاعمى والبصير افلا تتفكرون "
وقال القرآن " آلر كتاب انزلناه اليك ليخرج الناس من الظلمات الى النور بإذن ربهم الى صراط العزيز الحميد "
فلا اجتهاد ولا هداية بغير نور عظيم من العلم الصحيح .
ثمرة الاجتهاد :
أدى المتجهدون ما اقتضاه منهم شعورهم بمسؤولية الحفاظ على نظام الامة الاسلامية ، من واجب على أفضل الاحوال ، فى عصور ازدهار هذه الامه , فقد اتسعت البلاد أمام المسلمين ، ولم يصل القرن الاول الهجرى الى نهايته حتى كان المسلمون يقيمون بألامصار الجديدة فى آسيا ، وفى الاندلس ، وفى هذا الشمال الافريقى ، وقد لاقوا فى هذه الامصار أمما آخذة فى حياتها بما تهيأ لها الاخذ به من حضارة . فكان لا بد أن تجد أمامهم واقعات وأحداث وان تنجم عن تيار حياتهم الجديدة قضايا ومسائل عديدة الصور ، فى القضاء والمعاملة ، بل وفى السياسة العامة ، فاعتمد المجتهدون طرائق فى تطوير النظام الشرعى ، فاقتبسوا واستنبطوا ، وقاسوا ولكنهم لم يخرجوا فى كل ذلك عن دائرة الاجتهاد وعلى ان يكون المجتهد قائما بأظهار الحجة ، وجلاء الدليل على الحكم المأخوذ به .
ولم يختلف الحال بهذه الامة الاسلامية الا حين أيد بعض فقهائها " التقليد " واكتفوا من الاجتهاد " بالتخريج "
على أن جمهور رجال الاصول يرون انه لا يجوز خلو اى عصر من عصور الامة من محتهد يقوم به الفرض ، وتتم به الكفاية ، وتعرف به أحكام الله ، وتظهر الحجة ، ويكون ذلك تأييدا لزكاة الامة ومساهمة فى ارتقائها بما يحدث فى نظامها من تطوير ملائم .
قال الرسول عليه السلام " لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة "
حكم الاجتهاد :
بتردد حكم الاجتهاد بين فرض العين ، وفرض الكفاية ، فيكون فرض
عين فى صورتين : الصورة الاولى اذا عرضت للفقيه العالم حادثة معينة ، فالواجب عليه ان يبذل الطاقة لتحصيل حكمها الشرعى ، وليس يجوز له أن يقلد غيره ، ولا أن يأخذ برأى سواه ، وحجته ، وحكمه . الا اذا لم يكن لديه متسع من الوقت اللازمة لمراحعة النظر واعمال الفكر فى فهم الادلة ، والترجيح بينها . وانما لم يجز له ان يقلد غيره لانه تقليد لمن لم تثبت له العصمة من الخطأ . والتقليد انما جاز للعامى الذى لا قدرة له على الاجتهاد ، والعالم الفقيه ليس بهذه المنزلة فهو أحق من يشملهم الخطاب فى قول القرآن " فاعتبروا يا أولى الابصار "
وقول القرآن " أفلا يتدبرون * تقرون " وقول القرآن " فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله ورسوله " فاذا ترك المجتهد النظر مع شمول الخطاب له ، كأن آثما ائما كبيرا .
الصورة الثانية : إذا سئل المجتهد ، وحده ، عن حكم الله فى حادثة معينة . فالواحب المفروض عليه ان يبذل منتهى الطاقة وان يستفرغ ما فى وسعه لتحصيل الحكم المسؤول عنه ، فاذا تخلى عن القيام بما تعين عليه القيام به من النظر فقد أثم اثما كبيرا .
ويكون الاجتهاد فرض كفاية ، وذلك اذا سئل هو وغيره من الفقهاء العلماء عن الحادثة المعينة فان اجتهد أحدهم فبين حكم الله فيها سقط التكليف على الباقين ، وان تخلوا جميعا عن القيام بما يلزم من اظهار الحجة ، وتحصيل الحكم ، كانوا كلهم سواء فى الاثم .
وتجب هنا الاشارة الى انه قد ينتهى المجتهد الى الحكم الذى تطمئن اليه نفسه ، وتسكن كل نوازعه عن التشوف الى شىء غيره ، فيستقر لديه الرأى بان الذى حصله هو حكم الله فى هذه الحادثة المعينة ، ثم هو قد تكون منه مراحعة النظر . أو يكون منه التصدى لمثل تلك الحادثة المعينة السالفة فينتهى نظره الحديد الى حكم غير حكمه الاول . فالذى يلزمه فى رأى جمهور الاصوليين أن يترك حكمه الاول ويأخذ بالحكم الجديد ، روى الشعبى ان رسول الله كان يقضى فى القضية ، ثم ينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به , فيترك ما قضى به على حاله ، ويستقبل بما نزل به القرآن مما يحدث من الحوادث ، وقضاؤه بغير القرآن قضاء بالاجتهاد .
وجاء فى رسالة عمر بن الخطاب لعبد الله بن قيس . " ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك ، وهديت فيه لرشدك ان ترجع الى الحق فان مراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل "
وإذا كانت عبارة عمر غير محمولة على معنى واحد فأنهم قالوا إذا كان
المجتهد قاضيا فليس يجوز له ان ينقض ما قد اتصل به القضاء وأجراه على حكمه الاول ، وانما عليه ان يأخذ بحكمه الثانى ما يستقبله من النوازل والقضايا ، اعتبارا لما يحدثه النقض من تفويت لمصلحة القضاء ، ومن دخول الاضطراب فى مجرى الاحكام بوقوعها بين الابرام والنقض .
المراجع : تفسير الكشاف للزمخشرى ارشاد الفحول للشوكانى المقدمة لابن خلدون تاريخ الفتح الاسلامي لمحمد فخر الدين وغير هذه

