تفضل حضرة الاستاذ عبد القدوس الانصارى فى عدد أسبق من مجلته الغراء « المنهل » مشكورا بنشر مقالى « وجودية نزار قبانى » ..
ثم قرأت مقالا فى مجلة الاذاعة السعودية بعنوان « اتجاه جديد فى شعر نزار قبانى » . وأعجبنى حقا أن يغير نزار اتجاهاته الشعرية . ولكن مع ذلك .. فقد وجدتنى أكتب مرة أخرى حول : شعر نزار قبانى
اما عن أصالة نزار قبانى فى الشعر فأنا لا انكرها له .. اذا انحصرت الاصالة فقط فى صحيح الوزن وفى تدبيج الموضوع واختيار الألفاظ الرنانة الطنانة ! اما إذا تعدت ذلك الى أبعد منه بقليل ، أما إذا كان يعنى بكلمة « الشعر » كل ما فيها من معنى عميق دقيق ، رهيف الاحاسيس ، رقيق الشعور ، لهاب القوافى ، محبب الوقع .. فقد يكون خلاف ! ..
كتبت مقال « وجودية نزار قبانى » وأنا مطمئن الضمير ، مدرك تمام الادراك ما أعنى بكلمة « ليس شاعرا » وحتى الوقت الذى نشر فيه ذلك المقال ، لم يكن صاحبنا بشاعر .. نعم لم يكن شاعرا بمعنى كلمه شاعر اللهم الا كما اسلفت فى بدء كلامى
واللهم الا اذا كانت كلمة « شاعر » تمنح كلقب لمصففى الحروف والكلمات على أوزان من الشعر .. الشعر الرخيص الذى لا يستحق الحياة ..
أنا عندما قلت أن نزار « ليس شاعرا » كنت ككل أخ عربى ، تغلى فى دمى الثورة ، وتلهب حواسى أنات اخوان لنا هناك .. فى بلاد اسمها الجزائر ، وشعبها عربى ، عربى من سلالتى ، ومن سلالة نزار . كنت يومها أمزق فى بيتى كتبا ثمينة جدا ورخيصة جدا .. ! كنت أحرق كل أثر فرنسى ، كنت يومها أبكى على كتب لم يكن من حقي تمزيقها .. ولكن يدى كانت منجلا لا يرحم .. كنت يومها أفتش عن صحيفة تقبل نشر شىء مما يفتعل به حقدى .. ويختلج به ضميرى .. وأروى به ظمأ نفس أخلصت فى معتقدها
كنت يومها مؤمنا بحقنا كشعوب ، معتزا بنا كعرب ، أرى صورة من ذلك المجد القديم ، فتهيم ذاتى واحلم احلاما بعيدة المدى .. لكنها لا ولن تكون - بأذن ربى - أضغاث احلام
كنت يومها أسمع أخبار الجزائر بدموعى . لا بأذنى ، كنت - كما أنا دائما - أبغض فرنسا . وكان نزار
الشاعر ، نزار الرجل السورى الذى حاربت واياه الفرنسيين فى معركة الحرية والاستقلال فى بلادنا .. كان نزار « الشاعر » بعيدا عن الشعور بالالم .. بطعم الموت ، فى سبيل الحياة .. بل فى سبيل عزتنا وكرامتنا وتحررنا ..
كان هو هناك .. حيث لا تنصت الملائكة لشعره ، حيث لا تستجيب له السماء .. حيث يغفو العشاق فى أحضانهم ، حيث ينام الناس كالبقر فى حظائرها ، كان هو هناك فى « التابو » مع الفرنسية .. ! وكانت وجودية ، وكان اسمها جانين ! نعم كان نزار يومها هناك .. فى المغارة وهل يعرف أحد ما هى تلك المغارة انها ملتقي « الساقـــ . . » لا لا ، فقط انها مغارة « التابو » وكفى !
فهل من يتكرم ويذكرنى - وان لم أكن ناسيا - أين كنا نحن يومها ؟! ألم يكن معى كل الحق حين قلت أن « نزارا » ليس شاعرا ..
أما عن التجديد فى شعر « نزار قبانى » فان ذلك يعد بادرة طيبة منه و .. غريبة ، ولا أظنه سوى مدفوع لذلك متكلف فيه ، اذ عسى أنه قد أحس « بواخة » قصائده فى مثل هذه الظروف . ولكن على كل حال علينا بالتريث ، وعدم الاسراع فى الحكم على « الجديد الغريب » فأنا قد صبرت زمنا طويلا قبل الشروع فى كتابة مقالى السابق ، وكذا فعلينا أن ننتظر لأن الاسود تحن دوما للعودة الى عرينها ، ولا أقول الى « تابوها »
نزيل السعودية
