الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

مرتفعات وذرنغ

Share

أعود الى قراءة هذه التحفة الروائية البارعة مرة أخرى بعد ان نعمت بها من قبل منتقلا الى عالمها الحافل باشتات العواطف والانفعالات منسجما كأتم ما يكون بتلك البينة التى لم تنقصها دقة التصوير والأداء الأخاذ .

الريف الانجليزى الفسيح بسهوله ومرتفعاته وحراجه وغدرانه بغيومه المتلبدة وراء التلال المعشوشبة وغيثه الهاطل فى زمهير الشتاء ؛ ومروجه التى تتألق على بساطها قطرات الطل . وباكواخه الهادئة الوادعة تحييها الشمس ناهضة من وراء التلال الحالمة ، فاذا غشيها الظلام اضطربت فى جنباتها ذبالات مصابيح باهتة النور لا تكاد تبين من خلال النوافذ لسائر متهالك اطبق عليه الظلام فى غمرته .

هذا هو الريف الذى تعمت به زمنا - لا أدرى طال أم قصر - حالما مأخوذا وهو الريف الذى خلدته اميلى برونتيه - وهذا هو اسم صاحبة مرتفعات وذرنغ - وكم صوره من قبلها ومن بعد أدباء وشعراء .

انى لأعشق روحها على بعد بيننا فى الزمان والمكان فقد عرفتها فى روايتها الخالدة انسانة مهما قيل عن اشخاص تلك الرواية وشاعرة لاشك فى ذلك ؛ وصاحبة عزلة وزهد عن ضجيج الحياة وكانت غايتها فى الحياة مكتبة حافلة بما ابدعت قرائح الادباء والشعراء ونزهة بين تلك المروج والحراج .

وكان لها اختان كلتاهما من نفس المعدن ، احداهما روائية كذلك والأخرى شاعرة ، وكلهن عاشقات ادب وشعر . وكان قد ضرب بينهن الزمن حينا ما ثم التقين بعد ذلك لقاء أسفر عن بضع روايات وديوان شعر وقد عاش هؤلاء الاخوات الثلاث بعيدات عن المدن قانعات بحياتهن الادبية الصامتة . ولم تفكر احداهن بادئ بدء فى نشر انتاجها ، وكانت كل منهن حريصة ان تطلع الأخرى على هذه الاسرار التى كن يحتضنها حتى كان يوم التقت فيه الشقيقات على ماكن يخفين ومن ثم فكرن فى نشر انتاجهن ، فسعين أو سعى صديق لهن لدي دور النشر ، وبعد لأى ما وجد من يرحب بنشر تلك المؤلفات . وهكذا أذن لها أن تبرز الى مسرح الحياة وأن تحتل مكانتها فى المكتبة الانجليزية .

ولو قد عاش هؤلاء الشقيقات طويلا لكان من الممكن أن يتحفن العالم باكثر مما فعلن . ولكن الموت عاجلهن وهن فى عنفوان الشباب . وكان اطولهن عمرا ( شارلوت برونتيه ) ولم تعش هذه اكثر من تسعة وثلاثين عاما .

ظهرت هذه المؤلفات أول الامر باسماء مستعارة . وقد تعمد الاخوات أن تكون الأسماء المنتحلة اسماء ذكور لكى تظفر بشئ من احترام النقاد .

أما مرتفعات وذرنغ فقد كانت صدمة لدى النقاد قال بعضهم أنها مبتسرة لم يتم نضجها ، وقال آخرون انها عنيفة شاذة باشخاصها وحوادثها ؛ ولم يرحب بها الا القليل . وكان هذا رأى النقاد فى ذلك الحين . اما الآن فان مرتفعات وذرنغ تحتل الصدارة فى ادب العالم . اذكر انه حين طلب من الروائى الامريكى الشهير سومرسث موم ان ينتقى الروايات العشر المتفوقة فى أدب العالم - وكان

ذلك فى العام الماضى - اختار فيما اختار مرتفعات وذرنغ . على ان لنقاد ذلك العصر العذر البين فى سخطهم على هذه الرواية الفذة فان الحياة ليست ماساة محضة كما هى فى مرتفعات وذرنغ وما ظنك بهذه الادبية البارعة الا ان تكون متشائمة لا تنظر الى الحياة الا على أنها سلسلة من الفواجع . وعجيب ان لا توحى تلك البقعة العذراء الا بهذه الخواطر القاتمة ؛ أفكان منشأ ذلك لدى هذه الروائية مأساة جنسية او صلات خائبة من النمط الذى قدمه توماس هاردي فى روايته ( تس ) ؟ قد يكون ثمة شئ من هذا ولو أنى لم اطلع عليه بعد .

فالرواية عنيفة بحوادثها . أشخاصها طبعوا على القسوة والكراهية فثمة انفعالات عصبية شاذة وثمة حقد قاس ، وبين هؤلاء ضحايا قدر لهم أن يتألموا ويعانوا وللحب فيها مجال واسع ولكنه حب متذبذب بين المد والجزر فهو يعنف ويطقى حتى يبلغ أوجه ثم يرتد مخسرا ليعاود الكرة من جديد ولكنه حب يمتزج بالكراهية أيضا ويتمثل البؤس فى مجاليه .

هذه الانفعالات المختلفة المتناقضة هى التى تدير عجلة الرواية الى غايتها المقدرة وهى هى نفسها التى تخلق تلك المواقف المثيرة البائسة ولقد كانت اميلى برونيته مقتدرة حقا ؛ وأكاد أقول أنها من رواد الكشوف النفسية - على غير قصد - منها لأنها صورت جوانب من الطبيعة البشرية تصويرا متقنا وأن مازجه العنف ولأنها وهى تكشف لنا عن هذه الطبائع كانت تضع المقدمات وضعا منطقيا لكى تنتهى الى نتائجها المقدرة وعلم النفس والحديث - الى حد ما أعلم - يرتضى هذا التسلسل ويقره ويذهب فى تفسيره الى البواعث ذاتها ثم ينتهى الى نفس النهاية

ولكنى لارتضى هذه الكآبة التى تشيع فى جو الرواية وتجعله خانقا لانها لا تتلاءم مع بساطها المتخذ من ذلك الريف الألق الحنون. وهذه الكآبة بالغة ما بلغت كان يجب أن يمزقها ومبض ابتسامة أو فرحة تبعث على شئ من الثقة والاطمئنان والاناحر بالحياة أن تكون عبئا ثقيلا وقلقا مستمرا لا راحة فيه .

وهكذا تمضى الرواية على هذا النحو ولكنها رغم هذا كله تمضى بهدوء فلا تثير الصخب والضجيج  ولا تحيل الحياة فى تلك القرية بأكملها الى جحيم لا يطاق      ٤٠٤

كلا فان وقائعها لا تتجاوزا أولئك الذين كان عليهم أن يقوموا بادوارهم يقومون وهم يقومون بها وكأنهم يمثلونها بين جدران اربعة . وما شأن الناس بهؤلاء ، أن شقاء المرء لا يعنى الآخرين قدر ما تعنيهم سعادته . فالشقاء أمر خاص بصاحبه لا يكابده الا هو اما السعادة فانها تغدو حديث العامة ، هذا هو واقع الحياة وعلى هذا نرى اشخاص الرواية يديرون أمرهم بينهم فى عزلة عما سواهم .

واعود فاقول أن أميلى برونيته مقتدرة حقا لأنها تستطيع أن تنقل القارئ الى زمان الرواية ومكانها فتنسيه عالمه فترة ما وهو يطالعها فى غمرة من الاحساسات الممتعة ويتسم فى جوها أريجا شعريا يهيب من ذات الآفاق التى ارتادها من قبل أدباء آخرون فكلهم قد استقى من محيط واحد وتأثر بمناظر ذات سمات مشتركة

والمفهوم أن كل ما فى هذه الرواية - عدا مسرحها - من صنع خيال الكاتبة ومسرحها تلك البقعة المعروفة بوست رايدنغ الواقعة فى شمال انكلترا . هنالك عاشت الشقيقات الثلاث بقية اعمارهن وانتجن فى خلالها ما سلف القول عنه .

ولقد مضى على ذلك التاريخ مائة عام أو أكثر تطور خلالها الاسلوب الكتابى وترقى الاداء الفنى وزخر بالوان من الافكار والخواطر ، ومع ذلك تبقى على الدوام (( مرتفعات وذرنغ )) جديدة مشرقة نابضة بالحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية