-٢-
الشعور واللاشعور :
الشعور : هو تفطن المرء اثناء يقظته لما يدور فى بيئته ، ومقدرته على معرفة ما يجرى فى نفسه من الأحداث النفسية ، أيا كان لونها ادراكية أو وجدانية أو ارادية . ويجدر بنا ان نفرق بين الشعور بمعناه النفسي والشعور بمعناه الخلقي ، فالأول هو الذي يوقفنا على ما يحيش بصدور نا من ادراك ووجدان ونزوع دون ان نحكم عليه بالحسن أو بالقبح . أما الثاني فهو الذى يخزنا عند ما نجترح السيئات ويملى علينا ما يجب عمله ازاء انفسنا وازاء غيرنا طبقا لتعاليم الدين وقواعد الشرف واصول الاجتماع . والشعور الخلقى من حيث انه عملية نفسية جزء من الشعور بمعناه النفسى . والفرق بين الشعورين هو فى الواقع الفرق بين علم النفس وعلم الاخلاق .
والشعور النفسي " مركز النفس ومدار عملها العقلى وهو أساس الترقي والتقدم للفرد والجماعة " وهو مع ذلك لا يمثل الا جزءا يسيرا من الحياة النفسية التى تشمل عدا منطقة الوعى ، مناطق أخرى ومجاهل عظيمة لا يدركها العقل " الظاهر، تسمى فى اصطلاح النفسانيين العقل الباطن أو اللاشعور .
واللاشعور : " هو قرارة النفس وفيه تجتمع ذكريات قديمة من ايام الطفولة ومخاوف كثيرة متعددة متضاربة ورغائب وأمان لم تتحقق ، وميول جنسية متنوعة ، تقمع وتكتم لأن المجتمع لا يقرها . ويحوى كذلك ميولا أولية كالقسوة والشره ومحبة النفس والميل الى السيطرة والتغلب . وكل ما من شأنه ان يجعل المرء يحتفظ بكيانه فى بيئته الطبعية والاجتماعية . فهذه وما اليها
يتفاعل بعضها مع بعض ، وتوجه سلوك المرء وجهات شتى على غير علم منه فهى موجودة فى النفس حية ، عاملة فيها شاغلة الجزء الاكبر منها مؤثرة فى حياة المرء ، والمرء لا يشعر مع ذلك بوجودها " ) ١
وما أشبه الكيان النفسى للانسان بجبل من جليد انطوى فى غمرة الماء معظمه ولم يظهر منه على السطح الا القليل ، وهو يتحرك ويتخذ وجهاته فى السير متأثرا بالتيارات السفلية ، وربما شوهد شامخايتحدى التيارات البحرية السطحية التى قد تبدوقوية عنيفة فيسيرفى مسلك مضاد لها . ما أشبه الكيان النفسى بهذا الجبل الجليدى . فهذا الجزء المغمور وتلك التيارات التحتية تمثل اللاشعور واثره فى سلوك الانسان وتوجيه حياته ، وذلك الجزء الصغير البارز يمثل الشعور أو العقل الظاهر .
وهذا اللاشعور يمكن ارتياد مجاهله والكشف عن اسراره بواسطة التنويم المغناطيسى والتحليل النفسى .
مركب النقص : معناه وآثاره :
لقد كان الألمان اول من استعمل هذا الاصطلاح الذى نصه بالأنجليزية ثم شاع بعد ذلك فى الاوساط العلمية' ( Imferiority Comp lex ) الأخرى في اوربا وامريكا ، وحينما اتصل بالشرق العربى المثقف تبلبلت الآلسنة فى ترجمته الى العربية فهو حينا عقدة النقص ، وحينا الشعور بالنقص وتارة الصغار الذاتى وآخرى الشعور بالدونية أو الحقارة ، وهكذا . ومهما يكن من شئ فالذى يعنينا هذا هو مدلول هذا اللفظ . وكلمة الىقص تلقي ضوءا على تلك الحالة النفسية الغريبة ، فعند ما يشعر المرء بنقص فى كفاياته الخلقية أو العقلية أو الجسمية أو العائلية ، وحس ان به قصورا عن لداته واترابه ، لا يلبث ذلك الشعور ان يتخذ سبيله الى منطقة العقل الباطن وقد يندس فى مجاهلها السحيقة وينضم الى ما هنالك من عواطف مكظومة ورغبات حبيسة فاذا هي تتجمع وتتكتل لتكبون ما يسمى فى علم النفس بالعقدة complex ويندفع
الشخص بتأثيرها الى التبريز على اقرانه على سبيل الاعتياض دون وعى منه وكثيرا ما ينتاب الشعور بالنقص الأطفال ويستقر فى سرائرهم منذ نعومة اظفارهم ويؤثر فى حياتهم ويتجلى بوضوح عند ما يشبون عن الطوق .
وصاحب مركب النقص " مصاب بالشعور بالذات ؛ فتراه منشغلا دائما بما يتركه فى الناس من أثر ، شديد الانزعاج مما يتوهمه ازدراء ، حساسا لمقدار ما يعيره الناس من التفات فى حياته ، وقد ينشغل باله باكثر مما ينبغى اذا شك فى ذكائه احد ، ويؤلمه أو يهيج غضبه ان يسخر منه لبطئه فى فهم نكتة ، أو ان تنتقد آراؤه " ) ١ ( وهذا المركب كثيرا ما كان مصدر هم يقض مضجع صاحبه وآلام نفسية مبرحة لا يعرف لها مأتى ، ومبعث اضطرابات عصبية وامراض عقلية ربما ادت الى الجنون أو الانتحار . واحيانا يدفع المرء الى أن يأتى افعالا غريبة لا تتفق ومواضعات المجتمع تثير فى النفس مزيجا من الأسى والضحك ، من ذلك ما ذكرته الدكتورة " دونيتا فرجسون " عن السرقة العصبية . قالت ما ملخصه : روعت احدى المدن الامريكية بحوادث سرقة بلغ عددها اربعمائة حادثة فى اقل من سنة ، كان الجانب فيها يقتحم الطبقات الأولى للمنازل ولا يدخل غير حجر نوم السيدات ، ولا يسرق غير ادوات الزينة والحلى والملابس الداخلية ورسائل الغرام واتيح للبوليس بعد لأى ان يقبض عليه متلبسا بجريمته . . ولما مثل أمام القاضى اعترف بما اقترف من جرائم وقال انه خالف القانون والوضع الاجتماعى وانه لذلك يستحق للعقاب واردف انه لم يكن يسرق ليعيش ، ولكنه كان يشعر وهو يقارف جرائمه بأنه مدفوع الى ارتكابها بدافع خفى لم يكن يدرك كنهه ، وانه لا يهدأ له بال حتى بؤوب فى هدأة الليل وهو ظافر بتلك الغنائم . ولكن القاضى لم يعبأ بهذيان الفتى فانزل بهذا المجرم الجرىء الفاجر أشد العقوبات
وقضى الفتى ما قضى فى السجن ، وكان مدير السجن من رجال العصر الحديث المستنيرين ، فاستطاع ان يضع اصبعه على العقدة ، وعرف من حديثه معه انه قد اصيب بشلل فى طفولته اورثه عجزا كان به موضع الزراية والسخرية من اخته فشعر بنقصه وحقارته ، وأبت عليه غريزة السيطرة الا ان يكافح ليرد
لنفسه ما فقده من اعتبار ، ولكنه شب وكبر ولقى من الفتيات أشد مما كان يلقاه من اخته فتسلل هذا الشعور الجديد الى خفايا نفسه ووثق رباط العقدة فاذا هو ينزل إلى الميدان ميدان الكفاح ضد الجنس الآخر ، ولكن بسلاح جديد ، الا وهو سلاح السطو على مخادع النساء وسرقتهن على النمط السالف .
وكان في كل عمل يؤديه رمز للنقص والشعور بالتمويض فاقتحام المنازل يشعره بالقوة الجسدية إذ كان مشلولا ضعيفا ، وسرقته زينة النساء كان فيه تعويض عن حرمانه من مجالسهن . واحتياز رسائل الغرام كان فيه اعتياض عن تحريرها وتبادلها مع غيره .
وما زال به مدير السجن حتى اقنعه بان مرضه وعجزه وسلوك اخته والفتيات المتمردات معه هي اسباب ما اقترف من آثام ، ورأى الشاب نفسه على حقيقتها فاقلع عن السرقة ومارس عملا بالسجن ثم خرج وتزوج وصلحت حاله ومركب النقص لا يقتصر على احداث الآثار السيئة ، وانما قد يحدث آثارا حسنة لها خطرها فى الفرد والجماعة . وكثيرا ما كان قوة تدفع المرء الى التبريز والتفوق . وان تعجب فعجب انه سمة من سمات العباقرة ، وعامل اصيل فى بناء العبقريات ، بجانب الاستعداد الفطرى والظروف المواتية والىادات الحسنة التى لا تتنافر مع اتجاه عقر ب النبوغ ، والتسامى لدرس فن من الفنون وما يوحى للشخص في صغره من انه سيبرز فى لون من الوان النشاط أو فرع من فروع الحياة .
ولقد استقرأ ) ادلر ( مئات من العباقرة فاذا هم جميعا قد نشأوا على نقص ما ، فديموستينيس قد ولد ألكن الثغ ولكنه اصبح فيما بعد من ابلغ خطباء اليونان ، ونيتشه قد كان يشكو من صداع الرأس وآلامه ، ولكنه ألف عديدا من الكتب فى تمجيد القوة وتقديسها ؛ وجوته قد كان الألم ينهش عينيه ولكنه غير دهره وثيق الصلة بالقراءة والكتابة والانتاج والتأليف . الاما اعجب هذا المركب العجيب ، حينا يكون ضعفا على ضعف ، وحينا يكون قوة من ضعف ! ألا ما اروع تلك العبقريات التى تنتفض من خلال الضعف لانسانى ثم ترتفع سامقة الى العلاء لتدل على عظمة الله الذى اتقن كل شئ صنعا ! (يتبع)
من مراجع هذا المقال : العقل الباطن . مجلة الثقافة العده ٣٩٣
