لا أريد هنا ان اصف البيئة السياسية والاجتماعية التى عاش فيها بشار بن برد ، ذلك الشاعر الطويل المفرط في الطول ، الضخم المفرط في الضخامة ؛ المجدور الوجه ، الجاحظ العينين ؛ المحمر الحدقتين ، ولا ان ارسم ملاعب طفولته ، ومسارح شبيبته ، فابين كيف كان يتلقف الفصاحة في حجور بني عقيل ؛ وكيف تفتحت في نفسه براهم الشعر ولم يبلغ العاشرة من عمره ، وكيف كان فى شبابه متحيرا مضطربا فى عقائده ، وكيف كان هجاء مقذعا يهجو الأعداء والاصدقاء على السواء ، وكيف كان ماجنا خليعا يتغزل غزلا ماديا صريحا يفتن به شواب البصرة وشبابها . . ولا أريد كذلك ان اقتحم عليه مجالسه لتراه معي بادى التخابث يتنادر على الناس ، او مزهوا بنفسه ينثر دررا من شعره على عشاق ادبه ، او نشاهده وقد استحال كتلة من الحسن تذوب فى قطعة من الموسيقى او الغناء.... لا أريد هذا ولاذاك ، انما أريد أن اضع مجهرى على عامل واحد كان له اثر بليغ فى صبغ حياته بصبغة خاصة ، وتلوين أدبه بلون خاص . وهذا العامل هو :
مركب النقص
والمعروف ان شاعرنا هذا لم يكن يدرك الاضواء والظلال ، ولم يكن يستمتع بالجمال المرئي في اللون والدمى الانسانية ، ولم يعرف تلك اللذة العجيبة التى يشعر بها المبصرون في تناسق الاشكال وانسجام الالوان ، ولم يستشف اسرار البهاء والرواه في الفنون الجميلة النظرية ذلك انه ولدا كما و ان حاسة النظر معطلة لديه ، فلم يبصر نور الحياة . ومن المقرر فى علم النفس الفردي انه إذا وجد عضو ما من الجسم فى حالة تقصير ، فان الجسم يحاول اولا ان
ينبه هذا العضو ويزيد فى نشاطه ، فاذا لم يجد ذلك ، اخذ الجسم يقوي عضوا . آخر متصلا بالعضو المقصر ، حتى تصير النتيجة تعويضا أو فوق التعويض فهل تنبهت عين بشار فابصر ؟ هذا ما لم يحصل ولكنه مع ذلك استطاع ان يبصر بأذنه وان ينظر نظرا تقليديا باعين الناس - ان صح هذا التعبير . فاذا هو يبث فى شعره صورا مرئية حركية يختلف قوة وضعفا ، وكثيرا مابزت
صور المبصرين من فحول الشعراء ! استمع اليه يصف الجيش فيقول :
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصى وبالشوك والخطى حمر ثعالبة
غدونا له والشمس فى خدر أمها تطالعنا والظل لم يجر ذائبه
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه وتدرك من نجى الفرار مثاليه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا واسيافنا ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءه إننا بنو الموت خفاق علينا سبائبه
واستمع اليه يصف الحديث العذب فيقول :
وكأن رجع حديثها قطع الرياض كسين زهرا
أو يقول :
ولها مبسم كغر الاقاحى وحديث كالوشى وشى البرود
وهو لم يشبهه بما يدركه بحاسة الذوق كالعسل مثلا ، ولا بما يدركه بحاسة السمع كالنغم الجميل ، ولكنه شبهه بالرياض المكسوة بالزهر ، وبوشي البرود وهي الباب المزركشة المنمنمة بالالوان - وهذه وتلك لا تدرك الا بحاسة البصر ، وهي معطلة لديه ! فما السر فى هذا الاتجاه ؟ السران الشعور بالنقص كان يدفعه الى هذه الصور المرئية ليثبت له انه يرى وان لم يكن يرى فيكون له فى ذلك نوع من التعويض . ويلوح لى انه لو اتيح لنا ان نطلع على معظم آثاره الأدبية التى عبثت بها ايدى الصناع ، لاستطعنا ان نرى فى شعره كثيرا من الألواح الفنية البارعة التى تزهو بمناظرها البهيجة والوانها الخلابة ، تلك الالواح التى كانت سلوى له عن لوح الكون الكبير الذى رسمته يمين القدر ، واتقن صنعه بديع السموات والأرض . ولا غرو فنفس بثمارة من تلك النفوس
القوية المؤثرة التى تنفذ الى أسرار الجمال وتغرم بالصور والفنون المرئية وان لم ترها . طلب مرة من مصور ان يصور له جاما فصنع فيه طيورا تطير ، فغضب بشار وقال له : كان ينبغي ان تجعل فوقها جارحا يحوم لصيدها . نرى ماذا يهم انسانا فقد البصر كبشار أن تكون انيته منقوشة أم غفلا من النقش ؟ ! ثم ماذا يضيره وقد نقشت فيها الطيور ان يحلق فوقها جارح اولا يحلق ما دام لا يستمتع برؤيتها ؟ ! أكانت الحاسة الفنية هي التى اوحت اليه ان يعنى بالنقش وزخرفة الانية ؟ أم كان شيوع الترف وعنصره الفارسي الذي يحفل بالبهرج والزخرف هو ماحداثه الى هذا الفن المرئى ؟ ربما كان هذا وذاك . ولكنى قبل كل شئ ارجح ان يكون العامل الأصيل هو مركب العجز الذي اندس في كهوف اللاشعور عند الشاعر ودفعه عن غير وعي منه الى تلمس المرئيات واكتناه جمالها والعناية بفنونها : وهذا العامل نفسه هو الذي جعله يتشهى سحر العيون اذ يقول :
أنا والله اشتهى سحر عين يك وآخشى مصارع العشاق
وهو الذي كان له اثر كبير فى ان تتخذ اخيلته التجسيمات والتصويرية سمة بصرية نظرية . اسمع اليه وهو يشخص الهم فيقول :
لى فى قلبي منه لوعة ملكت قلبي وسمعي والبصر
وكأن الهم شخص ماثل وكلما أبصره النوم نفر
ثم استمع اليه وهو يتخذ الألوان مادة لرسم عال البخيل ، فيوفق فى تصوير البشاعة توفيقا عظيما ، اذ يقول :
وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها اوجه سود
وأي منظر أبشع من العيون الرزق المثبتة فى الاوجه السود ؟ ! وعلى هذا النحو نجد عنايته بالتصوير والأخيلة البصرية بارزة واضحة فى هذه البقايا التى تسربت الينا من شعره . وإنه ليحس فى هذا الاتجاه راحة نفسية فيكون له بذلك تعويض عما فقده من حاسة الابصار
على أن بشارا ، وقد فاته ان يستمتع استمتاعا مباشرا بالجمال المرئي ، لم يفقه ان يهف اذنه للجمال المسموع ؛ وان يستمتع بالموسيقى الجميلة والأغانى
العذبة ، والاحاديث الشهية ، وجيد المآثور من المنظوم والمنشور ، حتى اصبحت لديه اذن موسيقية بارعة افاد منها كثيرا فى تخير الفاعلة وفي التعبير الجميل عن عواطفه وخواطره وأفكاره . ومن منا لايهتز طربا حينما ينشد قوله :
لم يطل ليلى وليكن لم أنم ونفي عني الكرى طيف ألم
فهنا معنى جميل ووزن جميل وقافية ذات رنين ، ولكن ما أكثر الابيات التى تتوفر فيها هذه الصفات ولا يكون لها مثل هذا التأثير ! ! فما السر اذن ؟ ! السر ان هناك شيئا وراء القافية ، شيئا نحس به ونشعر به فى هذه الموسيقى الداخلية التى تتموج فى حركات رشيقة لطيفة من انسجام الحركات والسكنات وتعانق الحروف والكلمات وتواؤم اللام مع الميم ، والميم مع النون ، وتضافر الوان دقيقة من التنغيمات على احداث نغم داخل النغم ، ورنين في حروف الرنين مما يرقص النفس ويهيج الحس .
وكما استعاض بشار عن حاسة الابصار بهذه الاذن الموسيقية المرهفة ، استعاض عنه كذلك بصدق الحس . ولقد بلغت به اللقانة ان قادر رجلا بصيرا الى المنزل الذي ينشده . حتى إذا وصلا اليه قال له : هذا منزل فلان يا أعمى وفي ذلك يقول :
أعمى يقود بصيرا لا ابالكم قد ضل من كانت العميان تهديه
وهناك لون آخر من الوان التعويض ازاء حاسة البصر ، وهو انه كان يعتقد في قرارة نفسه ان ذكاءه وقوة حسه وسعة البلاعه ، من هذه الحاسة المفقودة . استمع اليه وهو يسجل هذه الظاهرة فيقول :
عميت جنينا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للعلم رافدا لقلب اذا ما ضيع الناس حصلا
ومثل هذا الاحساس الباعث على الاستعاضة والارتياح ما كان يقوله حين يتبرم بالناس : ( الحمد لله الذي اذهب بصرى لئلا ارى من ابغض )
ونقد فرض عليه فقدان هذه الحاسة ان يتخذ الهجاء سلاحا له يدافع به عن نفسه اذ كان لا يستطيع ان يستعمل فى الكفاح يده ، ويقاتل الناس
بالعصا والسيف . وكثيرا ما كان يهجو ليبتز الاموال ، من بعض ذوى الثراء وبتمرحه بهذا اللون من الشعر أصبح الهجاء في فمه أداة للتعابث فلذا كان لا يتورع من هجاء اصدقائه . وقصته مع " تسنيم " مشهورة
ولقد كان الضعف الذي يشعر به من وطأة العمى عاملا قويا فى شحذ ارادة الحياة وارادة اللذة لديه . وفي هذا بعض التعليل لاستهتاره ومجونه وجسارته فى طلب الملذات : إستمع اليه وهو يقول :
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
واذا اضفنا إلى العمى تلك الصفات الجسمية تستهجنة التى حدثنا عنها فى صدر هذا المقال من قبح وجهه وافراطه فى الضخامة ، وافراطه فى الطول وجحوظ عينيه وتغشيهما بلحم أحمر ، وبرزت لنا أجزاء العقدة واضحة جلية ، وعرفنا أسباب القصور عنده مجتمعة ؛ وتصورنا اي احساس بالنقص كان يخرج فى نفسه . ولقد بكى حين هجاه حماد بقوله :
ويا اقبح من قرد اذا ما عمى القرد
وهذا المعنى الذي اهتدى اليه حماد كان يعرفه بشار في نفسه ولم يشأ ان يبوح به حتى لا يتخذه اعداؤه سلاحا يقاتلونه به .
ومن المفارقات العجيبة ان يجرد بشار من جثته الضخمة التى تشبه الفيل جسما ناحلا متهدما حتى يستشعر الراحة في تصور ما يفقده . استمع اليه وهو يقول :
ان في ردى حسما ناجلا لو توكأت عليه لانهدم
وبعد ، فارجو ان اكون قد وفقت في تصوير ذلك المركب العجيب مركب النقص الذي كان مندسا فى اعماق العقل الباطن لبشار والذى قد استحال الى قوة عملت عملها فى تكييف حياته وتلوين أدبه .

