الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مركب فوق السحاب

Share

( 1 ) ... وسارت نظراته ! وتأملها موردة خفرا ، مبتسمة شمسا ، وغمرته الغبطة . واستوقفه ثوبها الابيض يلتحم بها في أعلاه ، فضفاضا فى ذيوله التى لا تنتهى ، وبدا كمن يستنطقه حكايات أسبوع من الفرح والعناء والمرح والاجهاد ، ولكنه لم ير فيه الا بياضا واشعاعا . . . وتذكر انها ليلته الموعودة . . وعاد يربت عليها بعينية المضمختين عطرا كالرحيق تمتصانه مما تقعان عليه منها . . يوم اكتشفها أحس ان لقصة " قيس " طعما وكره ان يقال ان ملحمة " المجنون " أسطورة اختلقها القصاص . . وصافحه الوجه المورد ونفحته البسمة الحريرية وتلمس بقلبه المزهو الثوب الابيض يزف اليه الحلم الموعود . . . وفتح عينيه ، ثم عادت نظراته ترحل من جديد وقد تزودت أحيانا فى الكلام ! أمساحة الصوت تحد من مدى الفكرة ! وآثر الصمت ، وسارت نظراته مربتة على الحد المورد فى الثوب الابيض يزغرد بابتسامات كالحرير...

( 2 ) وتفتحت عيناها وتمعنت فيه نظرات منسكبة فى وله وانامل جذلى متحسسة وأغضت وبسمة الشمس فى أعماقها تتدفق طلا عذبا يروى اكمامها التى انتظرت فى لهفة حرى لقاء السحاب يغذيها ... حين كاشفها يوما بحديثه رقصت وان لم تتحرك ... واستغربت ان تشعر بالرغبة فى الهروب من الذكرى . . . لماذا تتملص من المكان والزمان والحديث! انها فى ليلة العمر الموعودة وحاضرها رائع والذكرى تقتل لحظة الحاضر، والحديث القديم بداية ولا تذكر البداية الا عند النهاية . . . ولكنها ما زالت تتطلع الى فوق . . . وعادت تفتح عينين واسعتين حوراوين وأغفت بهما فى نظراته الولهى ونامت أناملها فى صدره الحانى وخيم عليهما الليل ثوبا أبيض

مزغردا بالنجوم تتوالد من القمر يحتضنها بعد ان ركنت الشمس الى صدره "الشفقى ".

( 3 ) وحطت نظراته الرحال ، وتعلقت عيناها بشفتيه: - " ماذا تقولين ! " وصمت طويلا . ثم نطقت أساريرها مهللة: - " ما تقوله انت . . . " وابتسم مداعبا : - " ذكية ! " وانتاب الكرى صوتها : - " ألست استاذى ! " وشدت عيناه على شفتيها : - " أما زلت عندك كذلك ! " وهمست حالمة - " علمتني الكثير ! " وتنشقها عبيرا مضواعا وتنهد بارتياح : - " ما أجمل أن تكونى أرضا بكرا . . . " وتضرجت وباحت في بحة خجلى: - " وما أروع ليلتنا قربانا لحياة حبلى " وصمتا طويلا ، وأدمنا النظر . . . واحتضنها بعينيه فجأة: - " هل كنت تتصورين يوما ما نشعر به لو لم نعشه !" وأجابت بهدؤ حالم : - " نحن قصة ، تروى فتنمق . . . " وأكمل فى حماس : - " والواقع دوما أعمق وأعمق !" وصمتت . . وأردف : - " ما ظننت لحظة ان حب قيس موجود ! " وتضاحكت معابثة: - " ولكن قصائده معلومة ..." وأطرق كالمفكر : - " ليس المخطوط معلوما حتى يجرب ! " -

وترددت هنيهة ثم مالت عليه : - " أذو سوابق أنت !" ومازحها بدعابة : - " ألست أستاذك ؟ وكيف أعلم اذا لم أكن خبيرا !" وأرسلتها نظرة متفحصة معاتبة : - " العلم فنون ، والخبرة "هناك" ليست فنا ولا علما . " وناغتها ضحكاته جذلى : - " هي المرأة ، تحب لنفسها ما تحرمه على غيرها !" وأمسكت . وعاد يهمس متضاحكا : - " لذا سمى هذا الفن عند قيس جنونا فكان فى القصة " المجنون " ! " وضحكت رغما عنها . . . والتهم ابتسامتها بسؤالها : - " لم لا تسألين عن خبرتى ، ومن أين تزودتها !" وتمتمت شبه خائفة : - " لان زادى مع المجرب يكون خيالا ... يرانى جزءا وأراه لغيرى و ..." وقاطعها حانيا : - " الله ! أقصتنا خيال ؟ " وترددت ثم اندفعت : - " إلا إذا كانت تجاربك سرابا " وتأملها حبا عظيما وقلبا واجفا وهمس : - " بل أنا مجرب . . . زاده تجربة واحدة ، هي تجربة العمر ! " ونامت الطمأنينة فى ناظريها . . وأرادت ان تعابثه : - " ولكنك بتجربة واحدة ذو ماض ! " ولم يتردد : - " ومن كان ذا سوابق سجن !" واندهشت عيناها كمن وقع من جديد : - " ماذا ؟ أتعتبر نفسك سجينا معى ؟ " وتمددت أنامله فى الشعر المنسدل عتابا فياضا : - " سجين فى مركبة . . . " وتمتمت ذاهلة : - " و فى مركبة أيضا ! . . . . " وسرح صوته بعيدا ، رقراقا حالما : - " مركبتى عجيبة ... تمخر صدر الفضاء وتستوى ملاءة مريحة على

سطح السحب النائم . . هناك أنسى القيظ والجليد وأغفو فوق الغمام حريرا شفافا . . "

وتكاسلت أهدابها فى كلماته وانسابت ذاهلة حيرى :

- " وسارت المركبة يهدهدها السحاب أمواجا رفيقة وتناغيها النسائم أنامل حانية ... وانابني الارتخاء خدرا لذيذا وعانقت النسيم وتلفعت بالسحاب واستمرأت اغفاءتى . وتمنيتها عمرا لا ينقضى وغيبوبة لا تنقشع !" وصمت ... كان كالمجتر لذة علقت به بقاياها . . .

وهدأت تستوعب ما قال وتبحث ! ولم تلبث أن همست والحيرة فى نبراتها - " أكنت وحدك !"

ونظر اليها ... وأدرك انها لم تفهمه وابتسم: - " وهل يحلو السفر بلا رفيق ؟ " ولم تنبس وبدت خائفة فأردف : - " رفيقتى . . . هي المركبة ! " ولم ترفع رأسها فواصل:

- "تحنو على تهدهدنى ، تحتضننى ، تسير بى فتجعلنى فى سفرتى الوحيدة اكتشف وأكتشف . . . ايه ايه ! لولاها لهويت الى القاع عدما منسيا أو هباء

منثورا ..." وتأملته وتمتمت كمن بدأ يفهم : - " المركبة دنيا . . . " وأغضت وعيناها مخضلتان ومسحهما همسه: - " وانت ألست دنياى !.. وعادت الطمأنينة تنام فى أعماقها وحنت الى معاكسته - " أنا بذلك مركبة !" واكتفى بالصمت . . . نظر اليها ثم همس حالما : - لولاها لهويت الى القاع عدما أو هباء . . " وصمتت . . لم يبتسما . . وتحركت الاعماق فى نجوى ملائكية ...

(4) - " أتدرين فيم أفكر ؟ " وردت ممازحة : - " فى مركبة نالها الاعياء بعد سفر طويل فتريد ان تريحها قليلا . . " وضحك : - " يبدو أنك تعبت . . هيا ولكن أجيبى قبل ذلك !" وتساءل حاجباها الدقيقان الرقيقان . . . وأجاب نفسه بعد اطراق: - " أفكر فى ابننا . . . " وقاطعته ضاحكة: - " ابننا ! ولكننا فى الليلة الاولى " وبدا كأنه لا يسمعها : - " ترى هل سيعثر يوما على مركبة تشق به الفضاء لتعلو الى السحاب . . فمراكب السحاب هذه الايام نادرة ! "

وتمعنت بارتخاء أعقاب الليل فى ثوبها الابيض وتأمل بلهفة الشوق أنامله نندس فى تسريحة الشعر أفنيت فيها ساعات طوال وسرحا فى الليل يرف بأحلامهما السعيدة وفجأة ، نظرا الى بعضهما طويلا ثم انفجرا ضاحكين ... وتنفس الفجر الصعداء باحثا عن مركبة جديدة . -

اشترك في نشرتنا البريدية