ان الفلاسفة والمؤرخين كونوا عدة وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالصلات بين الفكر والحياة ، وبدور الافكار فى وضع السياسات ( 1 ) . وفى الأزمنة السابقة كثيرا ما كانوا يغالون فى دور الافراد فى توجيه مصير الامم ، وأدى ذلك الى وجهة النظر القائلة بأن التاريخ أساسا للاستهداف والتخطيط الفرديين ، أما فى العهود الحديثة فان هناك ادراكا متزايدا لتأثير القوى الاجتماعية الجماعية فى التاريخ ، وينطوى ذلك على الاعراف بأثر الانفعالات والمصالح . وقد اثبت علماء الاجتماع الحديثون ان برامج الاحزاب ، بل ونظريات كبار المفكرين ، تتحدد الى حد كبير ببيئتها الاجتماعية ، وبالاوضاع التاريخية الخاصة بها . بيد ان القوى العقلانية واللاعقلانية متشابكة كقاعدة عامة بحيث لا يكاد يمكن فصلها . والعالم الحقيقى يحاول وضع الحقيقة فوق
أعز مثله العليا ومصالحه الجوهرية ، ولكن حتى هو لا ينجح تماما فى القضاء على التحيز دائما ، بيد أن الداعية يستخدم الفكر والمعرفة كمجرد أدوات للدفاع عن أهدافه المتصورة . ونوع تفكيره يسمى عادة ايديلوجية اليوم لتمييزه عن التفكير العلمى غير المتحيز . وفى حالات كثيرة لا يكون الفرق الا فى الدرجة ويصعب تحديد الحد الفاصل .
وكانت الطبقات المثقفة هى دائما القوة الدافعة فى السعى من أجل الجنسية ومنها زعماء هذا السعى ، ومن الجلى ان هذه الطبقات معرضة بصفة خاصة لتأثير المذاهب التى يكونها المفكرون والحالمون ويدافع عنها كتاب وخطباء وفنانون كبار . وكثيرا ما اجتذبت حماسة المثقفين التى يزيدها الفلاسفة اشتعالا فكر الجماهير وحملته معها ، برغم أن الجماهير لا تكاد تعرف شيئا عن الخلفية الفلسفية لمذهبهم ، بيد أن الافكار الاصلية للمفكرين السياسيين فيما يتصل بأهداف الجنسية ومغزاها كانت تتغير عادة فى اثناء تحقيقها الى حد ان النتيجة كانت تجئ مختلفة ، بل ومناقضة لما توقعوه . ومن ثم فانه من الضرورى عند محاولة تحديد مدى تأثير المذاهب على عقلية الشعوب أن لا يقتصر البحث على نظريات الفلاسفة ، بل يشمل ايضا تعديلاتها فى ايديلوجيات الطبقات والشعوب .
وقد أكد الكثيرون أن كل طابع قومى يعبر عن نفسه فى خطة فلسفية معينة ، ولكن فى الحقيقة نجد ان النمو الفلسفى لكل أمة ينطوى على أنواع كثيرة مختلفة من الفكر . ومع ذلك فانه صحيح ان نوعا معينا من الفكر كانت له الغلبة عند كل أمة ، وان هذا الفكر تأثر بقوة عوامل سياسية واجتماعية معينة ، وان كل أمة اليوم تعتبر نمطا معينا سمة مميزة لجنسيها ، فيما يتعلق بكل من المدنية والسياسية ، فالانجليز يعتبرون التجريبية والنفور من النظريات المجردة من سماتهم القومية المميزة ، ويربطونها بتفضيلهم للحلول الوسطى والتحررية والديمقراطية . ويفخر الفرنسيون بتقليدهم العقلانى العظيم والدور المسيطر الذى يحتله العقل فى سياستهم . ويفخر الالمان بفلاسفتهم الميتافيزيقيين العظماء وبالعناصر المثالية والتصوفية والرومانسية فى فكرهم ، ويؤكدون أيضا الارتباط الوثيق بين فلسفتهم القومية وسياستهم .
بيد ان الارتباط بين الفلسفة والسياسة لم يقل به الكتاب الذين تحدوهم روح الفخر القومى وحدهم ، بل كثيرا ما كان موضع التأكيد يقصد القاء 370 18
مسؤولية السمات الشريرة فى التطور القومى لامة ما على فلسفتها . وفى الحرب العالمية الاولى بصفة خاصة اتهم كثير من العلماء الالمان الانجليز الفرنسيين بأنهم وضعوا نظما من الفكر تدعم نمو الرأى العام والمذاهب السياسية التى تؤدى الى الحرب . ومن الناحية الاخرى أكد بعض العلماء الفرنسيين والانجليز المبرزين ان الفكر الفلسفى الالمانى بالذات هو الذى صاغ العقلية السياسية التى انبثقت منها الحرب الكبرى . ومن ثم فان كلا من الطرفين فى حاول اثبات ان الحرب لم تكن مجرد حادث نجم عن اخطاء رجال الدولة والديبلوماسيين ، بل انها متأصلة الجذور فى العداء القائم بين المثل العليا والمعتقدات التى تدين بها الشعوب والتى يتعلق بها الامر ( 2 ) .
وقد تأكدت هذه الحجة فى المانيا بصفة خاصة وحظيت فكرة ان الحرب هى فى نهاية المطاف صدام بين عقليتين لا تتفقان ، كثير ما وصفتا بانهما المثالية الالمانية والمادية الغريبة ، بانتشار واسع بين المثقفين (3) .
وكل هذا الجدل بين ممثلى الامم المتعادية كان مصدر وحيه طبعا هو الانفعالات السياسية والتحيزات . ومع ذلك فلا يمكن انكار ان هناك صلة ما بين الفكر الفلسفى والايديلوجيات السياسية . وصحيح أن بعض الفلسفات قامت بدور أكبر من غيرها فى صعود النزعة القومية العدوانية . ولكن من الناحية الاخرى من الخطأ ان نفترض ان نوعا من الفكر الفلسفى هو الذى شجع هذا التطور . فمن الحقائق الغريبة أن عددا كبيرا من التيارات الفكرية والمشاعر والمصالح اشتركت كل منها فى نمو النزعة القومية من ناحية وقاومت آثارها من ناحية أخرى . فالمثالية والمادية والحتمية واللاحتمية والعقلانية واللاعقلية والتفاؤل والتشاؤم والفردية والجماعية والدين واللادين . . كلها شجعت الزيادة فى العدوانية القومية وعبادة الذات من ناحية وعارضتها من ناحية . اذ ان مدرسة فكرية تنطوى على اتجاهات مختلفة فى النمو ، وكثيرا ما أيقظ بعض المفكرين الكبار أفكارا فسرت فيما بعد بواسطة اتباعهم بمعنى مختلف تماما عما قصدوه .
وليس الغرض من الملاحظات التالية هو تتبع الارتباط بين بعض الفلسفات بذاتها وجميع جوانب الطابع القومى . فهذه المهمة تتطلب كتابا منفصلا لكل مفكر بمفرده . ان هدفنا هو مجرد عرض أفكار محمد مزالى عن بعض المشاكل الرئيسية فى الطابع القومى العربى بالاضافة الى ان الطابع القومى تأثر بالفكر فى صورة الدين والشعر والفن ، وكان تأثير مثل هذه العوامل عادة أقوى بكثير جدا من تأثير الفلسفة نفسها . ولذلك يذهب مزالى الى ان الثقافة روح الشعب ، منها منطلقه واكتمال وجوده ، هى كيانه المنحوت ومصيره المحتوم ، هى أمسه وغده والآن الذى يعيشه ، هى حياته فى عمق فلسفتها وتعدد أسرارها واصل ديمومتها ... هى آفاقه وتوقه وسر كينونته ، هى أرضيته اللا اخلاقية ونظرته الوجودية وفلسفته الحياتية ، هو بدونها جسم بلا روح ، كائن ممسوخ .. ضياع وهباء ...
ولذلك اعتبر مزالى ان تصنيف الثقافات من خطل الرأى ، بل هو ضرب من الغباء ونادى بأن ليس لثقافة فضل على ثقافة الا بما تساهم به فى اثراء التراث الانسانى .
ويرى مزالى ان الحديث عن الذاتية الثقافية لا يخلو من المخاطر والمزالق : " ولعل أشد هذه المخاطر بلاء هو ان نجنح الى تمزيق هذه الذاتية اشلاء بدعوى ابرازها وذلك بالاغراق فى بعض الاقليميات الضيقة . . وتشجيع 372 20
بعض اللهجات الميتة .. وان الاستعمار والامبريالية الجديدة ليسا بريئين كل البراءة من هذه المحاولات والمساعى التى يقصد بها خنق الثقافات الاصيله والهيمنة الايديلوجية الوقحة . ان الذاتية كل . . هى نزعة إلى الشمول و اكتمال الخلق . وانه لا استقلال ولا كرامة من دون حرمة ثقافية قومية " .
وفى هذا الصدد اقترح مزالى ان تبادر الينسكو الى اغتنام فرصه مرور 1400 سنة على هجرة الرسول الاعظم - سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - للاحتفاء بهذا الحدث التاريخى الهام الذى يعتبر منعرجا فى حياة البشرية ومولدا لاحدى الحضارات الكبرى والثقافات الثرية التى تفخر بها الانسانية والتى يمكن لمنظمة الينسكو ان تجلوها نقية وتبلغ العالم ثرواتها الفكرية والفلسفية والفنية مباشرة لا فقط عن طريق المستشرقين والمتخصصين فى الشؤون الاسلامية من غير المسلمين .
ان الثقافة عند مزالى هى التى تنجب القيم الجديدة وتضبط الاسس والامثلة لما ينبغى ان تكون عليه المجتمعات والحضارات فى مختلف العصور .
كما يرى مزالى ان المسؤولين فى الشرق والغرب ، فى الشمال والجنوب ، اصبحوا مقتنعين بوجوب ارساء علاقات اقتصادية جديدة بين الشعوب ، قوامها الانصاف والعدل ، وأغلب الظن ان هذا القول لا يزال فى طور الامال بل الامانى ، ويدعو مزالى الذين يمسكون بأيديهم اليوم مفاتيح الاقتصاد والتفوق التكنلوجى الى الاقتناع بأن التضامن البشرى والسلم التى لا تبنى على الجور والحرمان ، وحتى مصلحتهم الشخصية ... وكل ذلك يفرض عليهم العمل من جل هذا النظام الاقتصادى الجديد ... ان صح ذلك القول - تفاؤلا - فانه لا بد من نظام اعلامى جديد أكثر عدالة وتوازنا فى ميدان الاعلام بين البلدان المصنعة والبدان السائرة فى طريق النمو .
والواقع هو انه رغم استقلال أكثر شعوب العالم فان مخلفات الهيمنة الاستعمارية ما زالت قائمة الذات وهى هيمنة قد تكون أقل سفورا ولكنها أشد وطأة .
يقول مزالى : " ونحن معشر البشر الذين اصبحنا نعيش فى هذه القرية الكبيرة التى صار اليها كوكبنا الارضى حيث أصبح كافة البشر متجاورين تجاورا حميما 373 21 373
وصارت كل المعلومات السمعية والمرئية تكاد تكون فردية تدرك - أكثر من اى وقت مضى - فعالية الأعلام فى حل مشكلات الانسانية الكبرى : السلام ، الامن ، نزع السلاح ، الجوع ، التزايد العمرانى ، الصحة ، الامية ، الطاقة ، حقوق الانسان ... إذا ما سخرت برامجه وتقنياته الحديثه للخير والرفع من شأن الانسان .
ان الطريق لا تزال طويلة وشاقة لبلوغ هذه الغاية فى ميدان الاعلام النزيه كما هى طويلة وشاقة طريق العدل واحترام الشعوب ..
وانه ليحز فى النفس ويدمى القلب ان نرى فى اصقاع كثيرة من عالمنا انماطا بشعة من استغلال الانسان للانسان واشكالا متعددة مقنعة للجشع الاستعمارى رغم التضحيات المبذولة فى سبيل اجتثاث هذه الآفة الشنعاء ، ناهيك ان بعض البلاد الافريقية ما زالت الى اليوم ترزح تحت نير الاستعمار ووصمة التمييز العنصرى ... وهل ادعى الى الحيرة واقسى من مأساة هذا القرن المتمثلة فى ضرب من الاستعمار بغيض كان من نتائجه تشريد شعب كامل من أرض آبائه ونعنى بذلك شعب فلسطين الذى قاسى من ويلات القهر والتشريد والتشويه ما لا يستطيع ان يتحمله أى بشر .
ان الكيان الصهيونى لا يزال فى تعنته مصرا على ازدراء القانون الدولى العام ومقررات الينسكو مما يوجب على المجموعة البشرية ان تواجه هذا التحدى الصارخ للقرارات الدولية وهذا الاستخفاف بالقيم الانسانية .
وهل أدل على ذلك مما يجرى فى مدينة القدس من حفريات وتخريب وتشويه وتهويد للمعالم الاثرية وذلك رغم تتابع القرارات الصادرة عن مؤتمرات الينسكو والداعية الى الحفاظ على التراث المسيحى والاسلامى لهذه المدينة ؟
ومهما يكن فانه ما دام شرف الانسان فى النضال من أجل الغد الافضل فان هذه المنظمة ميدان من ميادين أخرى كثيرة يجد فيها الانسان اطارا للعمل الصالح ، وهو مثل مشرق وسط الضباب الذى نعايشه ويعايشنا ، وواحة سلام واطمئنان فى عالم تكالبت فيه الاهواء وتحلبت الاشداق ، ومصدر تعقل واتزان فى عصر نغلت فيه القلوب وطغت العاطفة ، وملجأ نسمو اليه بآمالنا ومطامحنا حين تختلط القيم وتدلهم مسالك الحقيقة . 374 22
وعلى هذا الاساس .. فان نضال الانسان فى سبيل تغيير ما به متواصل .. الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين " .
ومن ثم يدعو مزالى الى حوار الحضارات ايمانا بالانسان ، وتفانيا فى العمل باللسان والقلم وعرق الجبين من اجل مستقبل بشرى افضل ، قوامه التعارف والتحابب والتعاون المبرأ من شوائب الهيمنة والاستغلال والاستعمار الجديد . وان مستقبل البشرية مشروع حضارى متجدد متنام يساهم فيه كل البشر بدون ميز ولا تفوق ( 4 ) . . ويسترسل مزالى فيقول :
" . . لئن أخذنا أنفسنا - عملا بالقولة السقراطية الشهيرة : اذا أنت فهمت جيدا التمست لكل شئ عذرا ( 5 ) - بتفهم الملابسات والالتباسات التاريخية ، وعرفنا العوامل التى تحول إلى اليوم دون التفاهم المرتقب ، وقدرنا الوضعيات الموروثة فاستأصلنا كل أسباب النقمة والاحقاد وتفتحنا الى اخواننا فى الانسانية لنبنى معا مصيرا فاضلا للانسان حيثما كان ، فانه على الغربيين ان يبذلوا جهدا موازيا للتخلص من هذه الرواسب ولا يكون ذلك الا بالوعى ، والوعى مشروط بمراجعة ثقافية جذرية للتراث وباعادة قراءة وكتابه التاريخ وتوخى الطرق العلمية بحق لاعطاء كل ذى حق حقه .
ولعل لمنظمة الينسكو - كما اشرنا الى ذلك فى مناسبات عديدة - دورا فى هذا المجال اذ هى تستطيع ان تتجاوز الحساسيات القومية وتهدئ من غلواء الوطنية المشطة بشرط ان تأخذ بيدها الحكومات وأهل الحل والعقد . وعلى الجامعات كذلك والاساتذة عامة ، مسؤولية كبرى فى تخليص كل الكتب خاصة الفلسفية والتاريخية والادبية منها ، مما علق بها وترسب فيها من معانى التفوق والاستغلال والعنصرية ، ولازالة حقد الشعوب بعضها على بعض نتيجة الحروب الدامية التى تسبب فيها الغرور وحب التفوق والهيمنة والغزو " .
والاستاذ محمد مزالى مع ما كانت لمجلته " الفكر " من أياد بيضاء على الأدب والثقافة فى تونس والمغرب العربى خاصة وفى الوطن العربى عامة مفكر ملتزم تغلب عنده النزعة الفلسفية على الجانب الادبى ومرجع ذلك الى تكوينه الفلسفى
الجامعى وقد مر بكل اطوار الفلسفة من افلاطون الى باشلار فتشبع بأعمق النظريات دون ان ينقاد الى احداها بالخصوص فوعاها جميعا ولم يكرع منها الا مااقتنع وآمن به من "سبر أغوار النفس واسكناه منزلة البشر وقدرتهم على الفعل والخلق وروعة الانسان من أجل السيطرة على نفسه والرفع من منزلته وصراعه الدائم فى سبيل حياة أفضل . . .".
وهكذا تبدو نظرية محمد مزالى كتعامل متين خلاق بين الفكر الفلسفى الحق والواقع المعيش وهو ما يسميه " بالنظرية التفاعلية " الاستاذ محمد الامين خلفة صاحب كتيب " محمد مزالى والنظرية التفاعلية " الصادر أخيرا فى مارس 1984 عن الدار التونيسية للنشر والذى يحاول فيه الكاتب استنتاج فلسفة محمد مزالى وعرضها فى وضوح اعتمادا على آثاره الفكرية وموافقه السياسية وانجازاته العملية مبينا ان ليس هنالك جدلية بين العقل والواقع بل تفاعلية بين الذات والواقع .
ويعرف الاستاذ الامين خلفة تفكير محمد مزالى بالفلسفة العملية انها خلافا للنظرية الثابتة تعتمد أساسا على الظاهرة التطبيقية الدائبة الحركية تبعا للواقع الظرفى المتطور على الدوام شأن الحياة نفسها ضمن المسيرة التاريخية للبشرية عن طريق الفعل والخلق مع الاحتفاظ بالأصالة والتعلق بالقيم الدينية السامية الخالدة التى لا مندوحة عنها للسعى الدائم الى تغليب الخير على الشر الحق على الباطل والجمال على القبح والحرية على العبودية فى سبيل تحقيق الافضل خدمة للآخرين .
ونحن الذين رافقنا محمد مزالى فى مسيرته الفكرية نعلم يقينا ان قوله كان دائما ولا يزال حديث الفعل وأن نظرته الى المستقبل البشرى كانت دائما و لا تزال تفاؤلية ترفض المستحيل وانه كان ولا يزال شديد الاعتزاز بمنجم الفكر العربى الثرى الذى يجب عليه - ولن يصعب على خصوبته - ان يقوم من جديد - على شاسع البون اليوم بينه وبين مشارف العلم المعاصر - بالدور الهام حتى الرائد فى دعم الحضارة الانسانية غير " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
وهكذا تبدو شخصية المفكر الكبير والفيلسوف الانسان محمد مزالى بفضل تكوينه الفلسفى وتتلمذه للطريقة البورقيبية وممارسته للفعل .
وهو فى ذلك مؤمن بنظرية روجيه فارودى المفكر الفرنسى الكبير الكبير ، الذى دعا الى الحوار بين الحضارات ، وكتب مزالى يدعو الى حوار حقيقى بين الشرق
والغرب ( 6 ) ، وكتب يقول :
انه لا توجد حضارة واحدة ، بل حضارات ، كما انه لا توجد ثقافة واحدة مهينة بل ثقافات ، فكل الناس - باستثناء العنصريين والاستعماريين الذين لا يتعظون بالاحداث - مثقفون ، على أن الحضارة العالية انما هى حصيلة اسهامات متعددة مختلفة تأتى من كل الشعوب ومن كل الثقافات . ولذ يتعين ان يتم تنظيم المبادلات الثقافية على أساس التعامل بالمثل : ان جدلية الاخذ والعطاء يجب أن تقود خطانا منذ الآن ، فلكل شعب ذاتيته الخاصة وعبقريته القومية وان التعاون هو أيضا اثراء متبادل يفترض احترام الغير والتواضع والتسامح والاستعداد النفسانى والفكرى من قبل كل فرد وكل شعب للتعرف الى طرافة ما اسهم به الآخر وتقبله ان وجب الامر .
وفى هذا السياق يجدر ان نؤكد النزعة العدوانية واخطار التسطيح التى تنشرها عل رؤوس الاغلبية الساحقة من الشعوب - لا الشعوب المتخلفة فحسب - هذه الاجهزة السمعية البصرية ووسائل الاتصال الجماهيرى التى تفرضها التقنيات العصرية والتى " تطرق " الضمائر وتطوقها لصالح قوى تجاريه وسلطات مادية لا هم لها الا تجميع الثروات على حساب أكثر الناس ضعفا وسذاحة . ولقد لفتت الجلسة العامة للينسكو سنه 1972 انتباه المسؤولين الى الاسقاطات الخفية المتعذر ادراكها والمتنزلة من الوسائل التكنلوجية والبرامج المنحوتة بالثقافة والمذاعة " من فوق رؤوس الشعوب " - بأتم معانى الكلمة - والتى توشك ان تضر بطرافتها وان تستلب شخصية الامم .
ونحن لا ندعى - درءا لهذا الخطر - انه بوسعنا ان نبسط المظلات الواقية فى كل كان ، بل انه ينبغى لنا ، اذا ما اتفقنا على تحليل هذه الظاهرة ايجاد البيداغوجية القادرة على تكوين شبابنا بطريقة تمكنه من الاحتفاظ بذاتيته والامتزاج بالكثرة مع اجتناب عدوى هذه الاسقاطات " الثقافية " التى تصر على جرنا إلى ( جناتها ) جرا ، ان مثل الروح كمثل الجسد ، إذا تحصن قاوم الجراثيم التى تسكنه وقدر على احتوائها اما اذا كان واهيا غافلا " مشوشا " من جراء عوامل أجنبية عنه ، فانه يضمحل ، وفى ذلك انبثاث المرض الثقافى واستشراؤه ، ثم الموت .
هذا المشكل مطروح على كافة البلدان . ولقد استمعت شخصيا بمناسبة انعقاد الجلسة العامة للينسكو التى اشرت اليها آنفا ، الى ممثلين لاقطار أوربية كبرى " نشيطة " - بل " غازية " فى علاقاتها الثقافية مع العالم الثالث - يعبرون بدورهم عن شديد مخاوفهم ازاء امكانية " اغتصابهم " فى سلامة ذاتيتهم القومية عن طريق هذه الحملات " الثقافية " التى تعدها الدولتان العظيمتان اللتان تسيطران على التكنولوجيا الفضاء ، طالما ان كلامنا متخلف بالنسبة الى غيره ! ومهما يكن من أمر ، فانه يحق للاقطار النامية ان تضاعف من جهودها وتبصرها للمحافظة على ثقافتها وان تفكر بجد فى محتويات الانظمة التربوية المقدمة لشبابها .
وهكذا فاننا جميعا ، سواء انتمينا الى الضفة الشمالية او الضفة الجنوبية للمتوسط ، نجابه معا نفس المشاكل وتتهددنا نفس الظواهر .
فينبغى اذن ان ينهض كل منا بحضارته ويخصب الفوارق القائمة بيننا وفى نفس الوقت يجب ان نتعاون ، أى ان نأخذ ونعطى وان نتكامل وان يثرى بعضنا الآخر ، وان نناضل معا ضد كل شكل من اشكال التلوث الثقافى ... "
ويذهب مزالى - انطلاقا من عبقرية الشخصية العربية التى يصدر عنها - الى الدفاع عن ثقافتنا القومية بابعادها العربية الاسلامية ، والحوار الصادق البناء الذى ننادى به مع الثقافة الفرنسية وبوجه أعم مع الثقافة الغربية - وكذلك مع الثقافات الاخرى - علاوة على مظهره المساعد المثرى بالنسبة الينا ، يمكن ان يفيد الغرب ايضا رغما عن الفوارق الاقتصادية والتكنلوجية . . يقول : " انى لشديد الانتباه لما ينشر بأوربا وخاصة لدراسات الخاصة بمشاكل الحضارة . ولقد قرأت عددا من المؤلفات والفصول لسيدين " موريس دريون " و " روبير مالى " اللذين استشهد بهما لحضورهما معنا ، ولاحظت ما يعبران عنه فى مؤلفاتهما من حيرة بل ومن شعور بالضيق ، ولقد خص " ريمون ارون " هذه الظاهرة بصفحات رائعة ، كما ان " مالرو " لم ينفك يحلل حتى الممات ما اسماه بازمة الحضارة الغربية ، وان من بين الاستفهامات الممضة التى انطوى عليها كتابه الاخير ( الانسان العابر والادب ) ما يتعلق بمعرفة هل ان الغرب المصنع ما زال قادرا على افراز حكمة جديدة " .
وبعد مرور خمسة وعشرين قرنا على موت افلاطون يتساءل اليوم عدد كبير من كبار المفكرين بلهجة واخزة إلى ابعد حدود الوخز ، عن السعادة ومعنى الجهد ، انهم يتساءلون عما إذا كان النمو الاقتصادى يضمن بمفرده نشر السعادة والسلام بين البشر .
وبدون ان ندعى كما يفعل عدد من الغربيين انفسهم ان العالم الغربى مقلوب رأسا على عقب ، فضلا عن كوننا لا نستطيع ارجاعه الى نصابه فانه ليس من قبيل الادعاء ان نؤكد ان الشرق وان العالم العربى الاسلامى وان تونس بوسعها ان تساهم رفقة الشعوب الغربية فى تحريك العزائم ، وتأتى بما يشهد بطراوتها وان توجد لغة جديدة بامكانها ان تفضى الى حوار حقيقى بين الثقافات وتيسر تآلف الافكار .
إذا كنا جميعا - بفضل قيمنا الروحية المشتركة واحساسنا الموحد بمعنى المغامرة الانسانية - على اقتناع بان حضارتنا - خلافا لتأكيدات " لانك " وغيره من المفكرين والاطباء النفسانيين العديدين - ليست ضربا من ضروب الاسر ، ففى أى اطار وبأية لغة وكيف نرد الفعل ونناضل من اجل ان لا يكون الجسم سجنا والعمل عبودية والمجتمع اداة استلاب ؟ كيف نحرر الانسان ونتيح لكل فرد ان " يرتاح الى نفسه " ، ان يعيش حياته ، ان يتفتح ، ان يتجاوب مع الآخرين فى كوكبنا الذى يعتبره بعضهم " صخرة قردة " عظيمة ، كيف نخلص المواطنين من " مسالك الخردة المصهورة " التى اصبحت عليها شوارع المدن الكبيرة ؟ وهل من أمل فى خلاص العمال مما قدر لهم من مد وجزر بين مكان الشغل وحافلات النقل والنوم ؟ اية ثورة ثقافية ينبغى القيام بها لمكافحة الآلية التى فرضها التصنيع حتى لا يؤول العمل الى " استفراغ الدماغ " القضاء على الانسان ؟ كيف العمل لمكافحة نزعة القطيع فى الاقتداء بالموضات والنزول بالثقافة إلى مستوى الاشياء ومكافحة العنف والمخدرات والانتحار وهى ظواهر تشهد اليوم انتشارا مقلقا فى الاقطار الثرية على الاخص ؟ كيف نتجنب خطر تفليس الفكر ، وخطر حضارة مضادة يكون فيها شطط العقلانية القاسية والايجابية المؤدية إلى التشاكل - غامرا أكثر فأكثر لنشيد الرقة والفن والإيمان والحرية والحاسية والخيال والحب القادرة كلها على خلق المستقبل واختراعه واعادة استنباط الحياة ؟...
ان الامر يتعلق بمشاكل حقيقية ارتبطت بطبيعة الانسان او فرضها ضرب من النمو ، ولسنا فى تونس وفى العالم العربى عنها بمنجى ولكننا قادرون اذا وحدنا الصفوف على ان نتصالح مع انفسنا وان نواصل التقدم بالتنقيص من مصادر الضرر وبالعمل من اجل اقرار السلام والسعادة فى العالم . ( يتبع )
