فى السنوات الاخيرة من عمر اللغة العربية ، نشطت دعوات وادعاءات كثيرة من لغويي هذا العصر ، يرمى معظمها الى اعادة النظر فى تقسيم الكلام فى اللغة العربية ، وقد ظهرت بعض هذه الدعوات بحجة التيسير فى نحو اللغة ، وبعضها بححة تقريب فهمها وتقليص مصطلحاتها التى وضعها النحاة الأقدمون ، مدعية ان النحويين خلال العصور المتقدمة اثقلوا كاهل اللغة بالتعليل والمنطق والفلسفة , والتخريجات التى لا تحتملها .
وربما كان بعض هذا الكلام صحيحا ، ولكن فى كله من المجالفة عن الحق والصواب ما لا خفاء به على ذى لب .
والحق ان الدارسين من القدماء لم يدعوا شيئا تحتمله اللغة العربية الا عرضوه على عقولهم وأذواقهم ، وقلبوه ازاء منطقهم . فان وجدوا فيه شيئا جديدا لم يفطن اليه سابق ، كشفوا النقاب عنه ، وفتحوا له بابا للقول فيه ومناقشته و - بالتالى - اختلاف المذاهب فيه ، ووضعوا المصنفات فى ذلك كله . ومن هنا فان أية دعوة الى وجود سر من أسرار اللغة العربية فات القدماء , تعتبر - فى رأيي - باطلة واهية .
ان الاسباس الذى بنى عليه القدماء منهجهم فى دراسة اللغة ووضع قوانينها ، وأحكامها ، وقواعدها ، وأصولها ، هو الاستقراء وهو منهج منطقى صحيح ، اذ لا سبيل الى تحقيق ذلك كله الا بجمع أجزاء الكلام من الأمثلة والشواهد لتستخرج منها القواعد والأحكام والضوابط الكلية العامة .
ولقد هداهم هذا المنهج الى أن العربية لغة منطقية ، أصيلة . وان أصولها ثابتة لا تتغير ، وان قواعدها وأحكامها دقيقة ، وأنها تتسع للتعبير عن الحياة ومتطلباتها فى كل الأزمان ، اتساعا لا يخرج بجزئياتها عن حدود القانون العام لها .
نعم قد تلتقى العربية مع لغات أخرى فى كثير من الأصول ، ولما كانت العربية لغة سامية ، أوجب ذلك على هذه اللغات جميعها - أعني السامية - أن تلتقي وتتقارب فى بعض الأحكام والأصول والقواعد ، ولقد أقر علماء اللغة فى عصرنا الحاضر هذه الحقيقة . لما وجدوا من تقارب كثير بين هذه اللغة واللغة السريانية أو الأرامية أو غيرهما .
وليس غريبا - كذلك - أن تلتقي هذه اللغة فى بعض أصولها مع لغات غريبة عنها - لا تنتمى الى مجموعتها التى تنتمى اليها كاللاتينية التى تولدت منها الانكليزية الحديثة . فان منهج الاستقراء للغتين العربية والانكليزية وعقد المقارنة بينهما
يهدى إلى اتفاق فى بعض الأصول لهذه اللغة مع تلك ، فالاسم والفعل والحرف من أقسام الكلام فى العربية ، أصول ثابتة لا تتغير ينتسب اليها أجزاء كثيرة مما توصل اليه الدارسون بالاستقراء ، كالماضى والمضارع والأمر ، الى الفعل والضمير والإشارة والموصول وأسماء الافعال والشرط والاستفهام ، الى الاسم ، وحروف الجر وبعض حروف الشرط واسمائه ، والعطف والهمزة وهل وغير ذلك . وهكذا .
وهذا التقسيم للكلام فى العربية ، تجد مثيله فى كثير من أقسام الكلام فى لغة أخرى ، فالانكليزية ، تقسم كلامها الى اسم وفعل وحرف ضمير وصفة والى الادوات ، والظرف ، والعطف . فأنت تجد ان الاجزاء التى ذكرتها العربية ، ذكرتها الانكليزية ولكن بعض هذه الاجزاء فى العربية أصول ، وبعضها فروع ، وقد جعلتها الانكليزية أصولا جميعها .
فدعاة ( النظر فى تقسيم الكلام ) يرون ان التقسيم الذى درج عليه علماء اللغة العربية ناقص يحتاج الى اعادة ودراسة وتمحيص بأسلوب جديد ، أكثر (( منطقية )) مما بنى عليه القدماء منهجهم ! !
فيرون ان (( الضمير )) أو (( الصفة )) - مثلا - هما أصلان قائمان بذاتهما ، ولا يمكن ادراجهما تحت مجموعة (( الاسم )) تماما كما تفعل الانكليزية ! ! أو غيرها من اللغات الاوربية الحديثة ! !
وليس من شك فى أن تقسيم الكلام فى هذه اللغات على هذه الشاكلة وجد مع وجود هذه اللغة ، وسار معها جنبا الى جنب ،
فكلاهما جديد مستحدث ، وليست العربية كذلك ، فانها لغة قديمة ، مرت بأطوار تاريخية . حتى استوت لغة ناضجة
متكاملة ، فلما جاء الاسلام احتاج الناس الى دراسة العربية - بشتى الدوافع المعروفة - كالخوف من تفشى اللحن ، أو احتياج غير العربى الى فهمها ، أو تيسير فهم كلام الله ، وحديث نبيه ، أو غير ذلك ، فوضعت قواعدها .
ولست أدرى كيف يمكن التوفيق بين لغتين لهما خصائصهما ، وتأريخهما ، ولكل منهما قانونها الذى عليه تسير .
ان من أهم الظواهر التى تختص بها العربية دون سائر اللغات الموجودة هذا اليوم ، (( ظاهرة الاعراب )) فليست الحركة التى تلتزمها الكلمة العربية عفوا زائدا لا فائدة فيه ، بل انها من بنية الكلمة ، بحيث لا نستطيع أن نلفظ حرفا واحدا ، الا بالحركة ، فكيف التوفيق - اذن - بين لغة ، هذه خصيصة من خصائصها ، لست واجدا نظيرها فى لغة أخرى وبين تلك اللغة .
ولئن كانت العبرية - وهى لغة سامية - تستأثر ببعض هذه الظواهر الاعرابية كدلالة ما يشبه الفتحة على المفعولية ، وتفقد ما عداها ، كالكسرة ، والضمة ، فقد وجدتا داخلتين على المضاف فى الأمثلة المنقولة عن العبرية ، لا على المضاف اليه ، كما هو الحال فى العربية ، أقول : لئن كانت العبرية ، وهى من سلالة العربية نفسها تختلف عنها ، فقد كان الأجدر أن لا تلتقى بـ (( الانكليزية )) وهى فرع من سلالة بعيدة كل البعد عن الساميات ، فان التقت بها فى بعض الاصول فذلك الالتقاء هو ما يوجبه قانون اللغة العام .
واللاتينية - فى الواقع - ذات اعراب ، ومعظم الأسماء فيها تتغير أواخرها فى ست حالات هى : الفاعلية ، النداء ، المفعولية ،
الاضافة ، المفعولية غير المباشرة ، الآلية .
ويطرأ هذا التغيير بوساطة رمز يأتى فى آخر الاسم لا يسقط عند الوقف ، وهو خلاف الحركات الاعرابية فى العربية فى الفعل والاسم .
وهذه الرموز اللاتينية - كما يرى الدكتور ابراهيم أنيس - لا تمت لمنطق عقلي أو دلالة عقلية ، فلا يصح أن نقارن بها نظامنا العربى .
فاذا كانت اللغة العربية ذات خصائص ومميزات ، لا توجد فى سائر لغات العالم فان دراسة هذه اللغة ، ووضع أصولها ونظامها جدير بأن يختلف عن أية لغة ثانية ، وهذا هو الذى حصل للعربية حين اتجه علماؤها يستقرؤون اللغة استقراءا دقيقا متقنا ، فوجدوا أن الكلام لا يتعدى أن يكون ( كما يقول ابن مالك ) :
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
واسم وفعل ثم حرف الكلم
والذين يحاولون أن يقسموا الكلام فى اللغة العربية الى ما سبقت الاشارة اليه من تقسيم الكلام فى اللغات الحديثة كالانكليزية أو الجرمانية أو الفرنسية ، أو أية لغة أوربية حديثة ، انما يفرضون على العربية قيودا جديدة ، ليست من خصائصها ولا من جنسها ، فالانكليزية التى تجعل من (( الضمير )) قسما خاصا تطلق عليه لفظ Promoum (( ومن الصفة )) قسما آخر تطلق عليه لفظ Adjective وهكذا بقية الأجزاء ، نجد العربية تضع هذه الاقسام تحت القسم الكبير الذى نسميه (( الاسم )) ثم تقسم الاسم الى أجزاء أخرى هى الضمير ، والعلم ، والاشارة ، والموصول الاسمي - لا الحرفى ، وأسماء الشرط
والاستفهام ، والقاعدة فى معرفة الاسم وتمييزه عن الفعل أو الحرف جمعها ابن
مالك بقوله :
بالجر والتنوين والندا وال
ومسند للاسم تمييز حصل
فهذه الخصائص المميزة تفتقر اليها - أو الى بعضها - بقية اللغات الاخرى فلست ترى تنوينا فى اللغة الفرنسية أو الانكليزية ، ولكن التنوين فى العربية يعطي سمة واضحة لكل لفظ يقبله ، فنطلق على ذلك : (( الاسم )) . وقد لا تقبل بعض الأسماء التنوين ، ولكنها تقبل المميزات الأخرى كدخول (( أل )) أو ندائها ، أو دخول حرف الجر عليها أو استعمالها مسندا اليها ، أو مسندة أحيانا .
(( والضمير )) . Promoum يعرفه النحاة ، كناية عن الاسم الغائب أو المخاطب المتكلم ، أفرادا وتثنية وجمعا ، وهو عندهم ينطبق عليه استعمالات الاسم وقواعد تمييزه عن الحرف أو الفعل ، وذلك أنه يستعمل مسندا اليه ويقبل دخول حرف الجر عليه أو المضاف ، يضاف الى ذلك ان الذى يسوغ كونه من مجموعة الاسم ، انه كناية عنه . والواقع ان الانكليزية تسميه كناية عن الاسم كما هو الحال فى العربية فان لفظ Prou اللاتينى يعنى النيابة . و Moum تعنى الاسم ، والضمير نائب عن الاسم أو كناية عنه ، وحينئذ لا خلاف بين التسميتين ، فاذا كان الضمير - اذن - فى الانكليزية اسما وهو فى العربية اسم لم يبق فى الخلاف شئ الا الشكل . فوضع الضمير فى قسم خاص لا يعطيه تعريفا واضحا ولا يميزه ، فالاسم ما يسمى به انسان أو حيوان أو جماد
أو نبات ، أو أى شئ آخر ، والضمير ما ينوب عن هذه التسميات .
ومن خصائص العربية ان ما ينوب عن الشئ يأخذ حكمه ، كما نرى فى نائب الفاعل وأخذه حكم الرفع بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله ، والنائب عن المفعول المطلق وأخذه حكم النصب ، والصفة النائبة عن موصوفها ، فانها تأخذ مواضعه ، وتتبعه فى حكمه .
وقد جرنا الحديث الى (( الصفة )) , فانها تحتل فى اللغات الاوربية قسما خاصا من تقسيم الكلام عندهم ، ولكنها فى العربية يمكن أن تدرج تحت مجموعة الاسم ، ومع ذلك فهي ذات حكم خاص , وشخصية منفصلة عن بقية أجزاء الكلام , لأنها بعض التوابع ، غير اننا يمكن أن نقول : ان (( الصفة )) المفردة فى العربية هى اسم ليس غير ، ونعنى بالمفردة ، غير الجملة ، إذ لا بد من تسمية (( جديد )) و (( ظريف )) و(( كاتب )) و (( مجتهد )) . . . الخ بالأسماء ، وذلك لانطباق قواعد الاسم على كل لفظ منها ، فهى تجر وتنون وتنادى وتقترن بأل ويسند اليها ، يضاف الى ذلك كله أن علاقتها بالاسم لا بشئ آخر ، فليس ممكنا ان نصف الفعل أو الحرف . . ومن هنا كان اندراجها تحت مجموعة الاسم أصح . ومع ذلك فان لفظ Adjective اللاتينى يعنى : ما يضاف الى الاسم ، وهذا يجرنا الى القول بأن ما يضاف الى الأسماء أو ينوب عنها أو يكنى هو من مجموعتها لا من مجموعة الافعال أو الحروف .
وخلاصة القول ان اللغة العربية ذات خصائص ومميزات تختلف كثيرا عن لغات العالم ، وان ما تجرى عليه من أحكام وقياسات وقواعد وأصول يفتقر اليها كثير من اللغات الاجنبية ، فليس صحيحا أن نحمل لغة ذات أصالة ، وتاريخ طويل وقوانين دقيقة مستبطة من فروعها وأجزائها وأمثلتها - على لغات مستحدثة مستجدة ، تجمع أشتات مفرداتها من هنا وهناك ، وتضع قوانينها على أساس خاص بها ، مرتبطة بشخصيتها التى لم يمر عليها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون .
هذا ولقد دعانى الى كتابة هذا المقال ما يتحدث به بعض أخواننا من مدرسى اللغات الاجنبية - كالانكليزية - من ضرورة اعادة النظر فى تقسيم الكلام فى العربية على وفق ما ينقسم اليه فى غيرها من اللغات ، وحسبنا ان نقول : ان شخصية هذه اللغة - أعنى العربية - وأسسها القوية المتينة وأصولها التى بذل العلماء جهودا جبارة ، فى وضع دعائمها ، وكشف أسرارها ، وتفصيل أحكامها وقواعدها لم تعد تقبل تقليد غيرها من اللغات ، بل اننا لنرى ان على اللغات الاخرى أن تستمد منها ، وتستند عليها حين الحاجة ، والا فان العربية ذات كيان باق خالد ، يملك الحياة والنماء ويتسع لكل زمن وجيل ، وافية بحاجات مجتمعاتها ، دائمة ما دام القرآن الكريم على الارض .
( مكة المكرمة )

