ما هو الحظ...؟! قال بعضهم: - هو قائد اعمى يجر مقوديه الى مصير مجهول بدون ان يفرق بين صالح وطالح في جميل او قبيح
وقال البعض، انه يد تمتد في ظلام دامس الى رؤس متساويه فتأخذ منها واحداً، الى ما يحب وآخر الى ما لا يحب بدون اختيار لهذا ولا ذك
وقال غيرهما .. انه قسمة عادلة تمنح كلا ما يستحق ان خيرا فخير وان شرا فشرا
وقال اخرون ان النفوس القوية لا تعرف للحظ معنى ولكنها تسخر من هذا الباسم الذي اخترعه البوساء ليلطف من آلامهم القاسية - والقارئ يجد فى نفسه حيرة قبل ان يفكر في ماهية الحظ وهل له وجود في حياة الأفراد والامم او لا وجود له، واعترف انى من الحائرين، ولكنى لا احجم عن الاشتراك في البحث: ينسب الى ( نابليون بونابرت ) انه قال: الحظ كلمة لا توجد الا في قاموس المجانين ) ولعل القارئ يجب ان يعرف رأيى فى هذه الكلمة فاسارع الى القول انها كلمة حق صريح لا ريب فيه ولامراء واني شخصيا لو اتاح لي الحظ ان اكون في مكان ( نابليون ) لما قلت غير هذه الكلمة دون ما تردد
ولا ابطاء. فالابطل اللامعون الذين ظفرت رؤسهم باكاليل المجد من امثال ( نابليون لا يعرفون في الحياة غير هذا الرأى اللماع - فما الاراء الا مرآة تصور نفس اصحابها. وهل كان لمن سخت عليه الحياة بمجد الحياة الا ان يتغنى بهذا المجد وان ينسبه الى المقدرة والكفاءة نفيا عنه ما يعلق فى اذهان العامة من نسبته الى الحظ ليضيف هذا الرأى مجدا مشكوكا فيه الى مجد غير مشكوك
ونابليون رجل اوتي من المجد ما تنقطع دونه الاعناق - ومن لك بالرجل. الذي يقف بين يديه سبعة من ملوك عصره، وقفة الخاشع الذليل بعد ان يستولى على ممالكهم وحده فيضمها الى مملكته لآلى فاخرات في سلك عقد فريد ندر ان تسمح بمثله الحياة لقائد ذى حول وطول
واقل بكثير من هذا المجد يغرى من لا يساوي قلامة ظفر نابليون ان يقول فى الحظ كلمة جامحة كهذه ان دلت على شئ فان هذا الشئ هو صورة مصغرة لنفس تذوقت من متاع الدنيا ما يتطلع اليه العدد الحافل أو الجم للنفير من الآدميين.
ولكن نابليون ليس برجل الرأي المدروس والحكمة البطيئة المستوحاة من صميم الحيا، فما هو بالعالم المفكر ولا الشاعر الفيلسوف المتعمق في نظريات الواقع، وان استعان عليها باضواء الخيال، انما هو رجل العمل السريع، هو الرجل العابر لا يلوى على شئ، يمضي ضامي البطش عظيم ألايد إن فكر في شئ فهذا الشئ فى حسابه هو مركز ثابت في الفضاء يقف عليه ليزحزح كرة الارض من مكانها ليضمها حيث يشاء وتشاء قرته المضية، كما كان يقول:
وفي عصر نابليون من العلماء والأدباء والفلاسفة من هم أولى بالتفكير فى مسألة الحظ صحتها او فسادها، وأقرب مثل من هؤلاء هو الشاعر " جوته " شاعر الألمان الفذ وصاحب الآراء العالية في الأدب والعلم والحكمة
والطبيعة والاجتماع، وألادباء حريون ان يتلقوا عن " جوته " رأيه فى الحظ بثقة وأطمئنان لانه رجل الافكار التي لا تنظر الى العالم من جانبه المضئ أو من جانبه المظلم ليس إلا - فلماذا لم يقل جوته كلمة كهذه؛ ذلك لانه رجل يزن الاقوال شأن رجال الشعر والادب المطبوعين، فلا يرسلها كلمة عابرة تأخذها عليه الاجيال بينما هي لا تاخذ على رجال ألاعمال الا أعمالهم وحدها.
ولندع نابليون وكلمته، كما ندع جوته وتحفظه، الى حيث نسأل أنفسنا هل الحظ حقيقة من حقائق الحياة الثابتة أو هو خيال من أخيلة الشعراء، اضفوه على صحراء الحياة القاحل يد رحمة تمس قلوب الذين فاتهم المكان المرموق لعلة خفية، او علة ظاهرة، أو لأن ذكاء المرء محسوب عليه!؟
ولكي القى ضوءاً فى طريق من يريد إستئناف التفكير من قراء هذه المجلة الافاضل - فما أظن أن هذه المرة اولى المرات لرجل - أو امرأة - خطرت له معضلة الحظ فوزنها بينه وبين نفسه، وان كنت اوقن انها اول مرة يثار فيها هذا البحث على صحيفة حجازية...
اقول: لكى القى الضوء في الطريق أمام الباحثين أذكر المسائل أو الامثلة التالية: ١ - شخصان يمشيان في طريق واحد كان أحدهما - صدفة - على يسار الطريق والاخر على يمينه فلقي الثاني صرة تحوى اربعمائة قطعة ذهبية فلماذا لم يجدها الاول ولماذا كان الثاني على اليمين دون اليسار هذه مسألة او مسألة اخرى او سؤال آخر:
٢ - تصدق محسن على فقراء في طريقه فكان يدخل يده فى كيسه ويخرجها بعد ان يتناول كمية مجهولة من النقود فكانت تقع في يدحد الفقراء قطعة فضية كبيرة " ريال " وتقع في يد الثاني قطعة صغيرة وفي يد الثالث قطعة متوسطة بينما لا
تقع في يد الرابع الا قطعة من النيكل " قروش " لا تقوم بالنسبة لقطعة الفضة الاولى الا بنسبة ٥% اذا تسامحنا في تقدير قيمتها فلماذا كان توزيع الانصبة بهذا الشكل؟
ولماذا كان كل فقير من هؤلاء صاحب نصيبه المعطى له من هذه الانصبة؟ ولماذا لم يكن الريال مثلا من نصيب الثاني والثالث او الرابع دون الاول والقرش من نصيب الاول والثاني مثلا دون الرابع؟ ولماذا لم يكن مجلس الفقير الرابع حيث جلس الاول ليكون الريال المجهول من نصيبه؟ ومسألة ثالثة ولا بأس من تعداد المسائل كأمثلة توضح معالم القصد:
٣ - هب ان ملكا او اميراً اراد ان يلهو باثنين من جلسائه فامر عبيده باعداد غرفتين تشتمل احداهما على جنة فيحاء نضجت ثمارها وزانت افناتها وساغ ماؤها ورق هواؤها وتغنت اطيارها وتشتمل الغرفة الثانية على الوحوش الضارية والحشرات الفاتكة ثم اغلق البابان وجئ بالجليسين وهما يجهلان كل الجهل ما في الغرفتين من نعيم وجحيم فعصبت عيونهما وارسلهما اللاهي المطاع الى حيث يختار كل منهما دخول باب من هذين البابين ليأخذ نصيبه مما ورائه مع اعطاء كل منهما الحرية الكاملة فى الاختيار فاقتحم كل من الرفيقين غرفة مجهولة الداخل فلقى زيد ما لقي فى غرفة النعيم ولقي عمر وما لقي في غرفة الجحيم بعد ان نزع كل منهما عصابته عن عينيه
والمسألة بعد مفترض فيها تساوى الرجل في المنزلة من الحب او البغض عند اللاهى وفي العمل والنية والسير والتفكير فماذا صنع زيد من الحسنى لينال هذا النعيم؟ وماذا اقترف عمر المسكين من السوء حتى يلقي هذا العذاب الاليم؟
ولماذا لم يحظ عمرو بماحظي به زيد؟
ولماذا لم يقاسم زيد اخاه عمرا ما كان من نصيبه مستقلا من الشقاء؟ هذه طائفة من الاسئلة تضاف الى سابقتها يقف الفكر حائرا في تعليلها ويستوي في العجز عن حلها العالم والاديب والمتحذلق والفيلسوف بينما يبادرك العامى ورجل المشارع - قائلا: الحظ. الحظ. فما هو الحظ -؟!...
وهل هو حقيقة من حقائق الحياة، أو خيال اخترعه الشعراء ليمنحوا به صحراء الحياة القاحلة يدا من الرحمة تمسح الام الذين فاتهم المكان المرموق لعلة خفية أو ظاهرة؟!
هذا ما احب ان يشترك فى التفكير فيه ادباؤنا وشخصياتنا البارزة ليوجهوا افراد الامة إلى حياة الجد التى لا تلتفت يمنة ويسرة إلى ما في الطريق من المجدودين أو الفاشلين وانما تمضى قدماً معتمدة على نفسها الى نجاح مأمول قد يعين الايمان به على تحقيقه - فالايمان بالنجاح من أركان النجاح - أو يوجهوها الى حياة تفكير صادق تصحح به مقاييسها المثالية تصحيحا يقوم على أساس التفكير الهادى الى الاطمئنان على المقادير والمصائر النهائية، كلا الى ما يؤائم طبيعته واتجاهه
وسيجد القراء في هذه الابحاث ما يشغل اعداد هذه المجلة شهوراً ان اقبل الادباء على تحليل هذا الموضوع الخصب المتغلغل في حياة الافراد والامم والذى ينفي بطبيعته عن النفس الانسانية ما فيها من خداع نفسها ويأخذها الى عالم ارحب وافق أوسع وحياة اجل.
وفي طرق هذا الموضوع ايضا مهماز للاتجاه الفكرى للمجموع، يأخذ منه الاديب مادة قيمة لرسم خطوط النهوض الصحيح للامة أو للفرد، وهو بعد كل هذا موضوع يتسع للقصة، والقصيدة، والمقال، فقد اتسع لها ما هو اضيق من البقية على الصفحة ( ٢٦ )

