الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

مسؤولية العرب اليوم في صيانة، تراثهم المعماري

Share

انه ليطيب لى فى مستهل كلمتى أن أتوجه اليكم بخالص الشكر لتفضلكم بدعوتى الى المشاركة فى مؤتمركم هذا ( * ) وإتاحتكم لى فرصة الاستفادة من أعمالكم ومزيد التعرف على مختلف جوانب قضية هامة هى قضية المعالم التاريخية ومكانتها من ثقافة العصر الحاضر .

ولئن حرصت على أن أسهم فى أعمالكم بهذا البحث المتواضع فلاعتقادى أن مداولاتكم قد جاءت فى ابانها بل ان درسكم لهذا الموضوع ، فضلا عن الاهمية التى يكتسيها فى حد ذاته ، قد أضحى جد متأكد طالما أن مسألة ادماج الماضى فى الحاضر وربطه باهتماماتنا المستقبلية اصبحت تمثل اليوم وأكثر من أى وقت مضى عقبة فى سبيل كل سعى يرمى الى ادراك البعد العالمى للتراث الاثرى لدى مختلف الامم . ان المسؤولين الذين نظموا هذا الملتقى قد وفقوا أيما توفيق حينما اختاروا أن يكون موضوعه : (( المعلم التاريخى ، مدلوله ومكانته فى عالم اليوم )) واضعين بذلك اصبعهم على مشكل حيوى قد أصبح علاجه من أوكد الواجبات .

ذلك أن المعلم التاريخى فى البلدان النامية - وحتى فى بعض البلدان المتقدمة - هو الآن معرض للخطر . فلأول مرة فى تاريخ الانسانية تتضافر عناصر تدمير المحيط وخنق الثقافات وتتخذ لها اتجاها واحدا يفضى الى التواطؤ على تعميق مأساة هى من أشد مآسى عصرنا خطرا : وأعني بذلك ما آلت اليه معالم أنشئت لتبقى قائمة الى الابد فاذا بها اليوم - وقد غالبت

الزمان قرونا بل آلافا من السنين - معرضة لخطر داهم ، وسواء تعلق الامر بمدينة البندقية أو بكوليزى روما أو بالقدس العتيقة أو بمعابد انقكور فان تلوث البيئة قد سدد الضربة القاضية لبدائع فريدة من نوعها فقدت - ويا للأسف - بالنسبة لبعض معاصرينا تلك المكانة الممتازة التى كانت تتمتع بها فى الماضى .

ومن هذا المنطلق فان القضية الكبرى التى تحتل الصدارة فى مداولاتكم قد جاءت فى ابانها . وإن السؤال المطروح اذن يتعلق بالمكانة التى ينبغى أن نوليها فى نطاق بناء صرح الثقافة المعاصرة ، لمعالم الماضى التى هى شواهد مجيدة على حضارات عريقة طواها الزمان لكنها بقيت خالدة حتى الآن ؟ ان الامر يتعلق فى الواقع بكل ما تملكه الامم من تراث ثقافى ، غير أننا نشهد اليوم نزعة تسعى باسم المعاصرة الى ازدراء تقاليد الشعوب وخصائصها وحضاراتها وتسارع الى سلوك شتى السبل للقضاء على قيم ماضى الانسانية جمعاء بصورة مكثفة واحيانا كاملة .

ان ما ينتابنا من انشغال عميق فى هذا الصدد لا يرجع فقط الى تصاعد المخاطر بل أيضا الى عجزنا والى محدودية عملنا ، ولو لم يكن الامر كذلك لوجب أن نتساءل ماذا فعلنا حتى اليوم لمواجهة تلك الاخطار وماذا اقترحنا من الاعمال للمستقبل ؟

والواقع أن هذا المشكل لا يخص بلدا دون آخر ولا يتعلق بوضع محلي معين ، بل هو يهمنا جميعا . ومهما تكن الثقافة التى تنتسب اليها فاننا جميعا بمثابة المبحرين على مركب واحد .

أما فيما يخصنى فانى لسعيد بأن أتيحت لى هذه الفرصة للتعبير عن رأيى باعتبارى منتسبا للفكر العربى الاسلامى ، وريثا لحضارة ثرية ذات مجد أثيل ، وباعتبارى أيضا مواطنا عاديا واعيا بالمسؤوليات الثقيلة الملقاة على كل المواطنين لصيانة التراث المعلمى العظيم الذى خلفته لنا الاجيال الماضية .

ان تلك التحف المعمارية البديعة التى تحمل لنا رسالات قديمة ومتجددة قد اسهمت ولا تزال فى اعلاء مجد الانسان حيثما كان ، وهى تكتسى اليوم , بالنسبة الى ضميرنا العربى ، مدلولا خاصا لا نجد له فى سالف الاحقاب ما يعادله أو يضاهيه .

وكيف لا تتملكنا الحيرة ويساورنا التساؤل عن مصيرنا فى عصر وجدنا فيه أنفسنا مدفوعين دفعا عنيفا الى مواجهة ما تقتضيه مواكبه العصر وما يتطلبه تحقيق التنمية ، خاصة وأن التساؤل عن مستقبلنا يحمل فى طياته تساؤلا آخر لا يقل عنه تأكدا وأعنى به التساؤل عن مستقبل ماضينا .

وازاء الضغوط المضنية التى تسلطها علينا مساع تتطلب نموا متزايدا بلا انقطاع وتتعرض لاخطار التضخم المفرط والوقوع فى الانماط المتماثلة و الاساليب الرتيبة فانه بامكاننا ومن واجبنا أن نبحث فى تراثنا عن أنماط ونماذج حضارية تكون أقرب الى الانسانية وأكثر مراعاة للقيم الاخلاقية .

وفعلا فانه مما يعيننا على الظفر بما نرومه أن رسالة الحضارة الاسلامية ان هى الا بحث دائم عن التوازن المنشود بين اشواق الروح ومتطلبات الجسد . لقد أقر الاسلام الاخوة والمساواة التامة بين الناس مهما تكن اجناسهم وأعراقهم فامكن له بذلك الافادة من كل المقومات الذهنية والعلمية للشعوب التى اعتنقته . وأمكن للعرب بفضل الاسلام أن ينشئوا حضارة عالمية طبعت فى الاعماق بلادا شاسعة ممتدة من المحيط الاطلسى الى المحيط الهادى . وقد كان أخص ميزات هذه الحضارة أنها ملكت القلوب وغذتها ومزجت بين الثقافات وزكتها وسمت بها الى أوج الابداع فسوتها وأبقت على روح العبقرية فيها وجلتها .

وكان من طبيعة الحضارة العربية التى انشأت هوية متجددة وحملت رسالة خالدة أن تمكن الانسان حيثما كان وعلى الدوام من التعبير الكامل عن ذاته . وبدلا من أن تحطم فى طريقها مآثر الحضارات السابقة او أن يكون لها ازاء الشعوب التى خضعت لسلطانها موقف متعال أو نظرة تكبر وازدراء فقد كانت على العكس من ذلك عاملا لا مثيل له لتلك الشعوب من أجل التقدم والاستمرار ومن أجل التطور العميق مع الوفاء للذات .

وبذلك أمكن للعرب أن ينقلوا الى الانسانية ليس فقط ما خلفته الحضارات القديمة اليونانية والرومانية والبيزنطية والفارسية والبربرية والهندية من تراث ذهنى بل قد ساعدوا ايضا على انتشارها وتقدمها عن طريق الترجمة والتعليم والبحوث وخاصة بما اضافوا اليها من امتدادات ولواحق يعز حصرها

فالمدن العربية العريقة التى لا تزال محتفظة بطابعها الى اليوم والاثار المعمارية للمدن الغابرة التى هى ثمرة عبقرية أجيال عديدة من الفنانين المبدعين ونتيجة أعمال جماعية تضافرت فيها جهود جمهور من العمال الى جانب الحرفيين والمهندسين والمعماريين انما تقوم شاهدا بليغا ومؤثرا على عهود سحيقة فى الزمن لكنها بقيت بفضل ما قدمه كل هؤلاء حاضرة بيننا .

لقد أتيح للفنون الاسلامية المتولدة عن توافق نادر بين العقيدة الجديدة وبين ما وفرته من أساليب الثقافات التى سبقت الاسلام أن تشع الى أبعد الحدود وأن تبلغ أعماق أوربا وآسيا وافريقيا مما ساعد على ظهور فنون معمارية طريقة مثل الهندسة المعمارية الرومية أو القوطية التى نقلت رسالة الاسلام الثقافية والحضارية الى أقصى أصقاع الدنيا بصورة ظلت طويلا غير معروفة .

هذه الآثار المعمارية العربية الاسلامية التى اسهمت ولا تزال فى اثراء التراث الثقافى العالمى ليست والحق يقال مقصورة على الامة العربية والاسلامية وحدها بل أن شعوبا كثيرة غير عربية وغير اسلامية مثل شعوب اسبانيا وايطاليا ويوغسلافيا وبلغاريا وعدة بلدان أخرى تمتلك جانبا منها ومما يدعو الى الارتياح أن نرى هذه الشعوب المؤتمنة على التراث العربى وصيانته تشعر بأنها معنية مثلنا بالحفاظ على تلك الآثار التى وضعت بصماتها على شخصيتها وطبعت ملامح بلدانها .

وهل من غرابة فى ذلك ؟ ألم يكن موقفنا نحن بالذات ازاء آثار الحضارات القديمة من يونانية ورومانية ونصرانية وساسانية مثل موقفهم ؟ ان الانسجام فى المواقف الذى يقتضى تجاوبا مع فنون الماضى يعتبر هو أيضا عامل صداقة بين الشعوب وعنصر سلم بين الامم . وهذا ما يؤكد أن سحر الفن وما يدعمه من قوة الايمان هو أبلغ أثرا فى النفوس وأشد وقعا عليها من عوامل الحقد والتفرقة .

ومن الغريب أن الحفاظ على هذا النوع من الآثار الماثل فى صورة مساحات كبيرة من الاطلال تم الكشف عنها أو ما زالت كامنة تحت التراب لا يثير من المصاعب على ما يبدو مثلما يثيره الصنف الآخر من الآثار الذى يمكن تسميته (( بالتراث الحى )) وأعنى به المدن التاريخية العربية والمدائن العديدة الغنية بالمعالم الشاهدة على ماضيها العريق العاجة بالحياة بقدر ما هى مهددة بما تفرضه مقتضيات الحياة العصرية .

وقد سبق للاستعمار أن سعى بعنف الى تحطيم نسق حياة المدن العربية الذى كان بطيئا ولكنه منسجم وحاول تنفيذا لاهدافه السياسية أن (( يدمجها )) المدينة الاوربية الجديدة المزدهرة المزهوة نصرا وخيلاء لكن (( الادماج )) فى المفهوم الاستعمارى كان يعنى فى الواقع طمس الهوية باخضاع النظام العمرانى القديم الى النظام الجديد المسيطر الغالب . ويعنى أيضا القضاء أو على الاقل ذوبان المسحة القومية الاصيلة ببطء ولكن بثبات لتعويض نمطها بنوع من الحداثة الاستعمارية .

ان هذه الممارسات التى ترجع الى عهد ظننا أنه ولى وانقضى ما زالت للاسف قائمة الذات على أيدى المحتل الصهيونى بالارض الفلسطينية حيث ينفذ الآن مشروع ضخم يرمى الى التصفية الثقافية والمادية للتراث الفلسطينى وخاصة فى القدس الشريف بالتدمير الكامل لعدة معالم تاريخية ذات قيمة عالمية رفيعة وأحيانا بتقويض احياء برمتها مثل حي المغاربة أو بمصادرة الممتلكات والاراضى أو بطرد المواطنين من الجزء الاسلامى والمسيحي للمدينة وتعويضهم باليهود المهاجرين وهكذا تسعى اسرائيل بمرأى ومسمع من الجميع الى تشويه (( بيت المقدس )) ! وتتجلى هذه التصفية أيضا فى الغاء المجلس البلدى المنتخب وفى اقرار مخطط تهيئة عمرانية لا يتورع باسم حداثة لا مبرر لها الى محاصرة مدينة القدس بطوق من العمارات والتجمعات الكبرى ويطرق للمواصلات السريعة مما يمثل اعتداء صارخا على قلب المدينة التاريخية بعزله عن الارياف المحيطة به

اما الحفريات الاثرية فانها لا تخدم غير الايديلوجية السياسية الصهيونية . ولكى تبرر اسرائيل دعوى سيادتها على تلك البقاع فهى تقوم بالحفريات بحثا عن آثار معيد سليمان . وتجرى هذه الحفريات تحت معالم تاريخية ذات مجد أثيل وهو مما يعرض استقرارها وسلامة هياكلها للخطر دون أى مبرر علمى وبدون أى اكتراث لما تثيره تلك الممارسات من قلق لدى سكان المدينة .

ان القدس أهم من أن تغدو لعبة فى حلبة سياسة من السياسات ؛ وازاء موقف أوساط عريضة من الرأى العام الدولى التى لاذت بالصمت فى تواطؤ مفضوح ارتفعت بعض الاصوات الحرة منذرة بالخطر الداهم ومن ذلك اليونسكو بالخصوص التى قدمت عدة لوائح واتخذت عدة قرارات سواء فى المؤتمر العام أو أثناء دورات المجلس التنفيذى وأود أن أنوه بعمل آخر جليل قامت به لجنة

التراث العالمى بتوصية من المجلس الدولى للمعالم والمواقع(ICOMOS ) اذ نجحت بفضل عزائم صادقة فى ادراج مدينة القدس ضمن قائمة التراث العالمى المعرض للخطر . لذا فنحن نتوجه اليكم ونخاطب من خلالكم الضمير العالمى من أجل انقاذ مدينة القدس مما يحدق بها من تدمير ومما يهدد هويتها من مسخ .

لقد تغير فى أيامنا هذه مفهوم الادماج تغيرا كبيرا فى العديد من أنحاء العالم - الا فى اسرائيل مع الاسف - ونحن على يقين من أن صيانة التراث المعمارى تمر حتما باحترام النسق القديم وأن الشعور بالحاجة الى قيام مذهب عالمى يكون بمثابة ميثاق لكافة الشعوب يتعهد باحترامه لا فقط أصحاب المهنة الموكول اليهم بالصبانة بل أيضا كل رجال الدولة والثقافة أو الادارة المنوط بعهدتهم التصرف فى مدننا التاريخية .

انه لرهان عظيم وعمل جبار أن نسعى لانقاذ تلك المدن الحية المثقلة بالامجاد التاريخية والزاخرة بالثقافات العريقة بادماجها فى عالم معاصر تطغى عليه الآلة ويشهد تحولا تكنلوجيا عميقا .

ان تلك المدن هى اليوم فى قطيعة مع المجتمع الذى أفرزها وهى تحمل الآن فى ذاتها بذورا من التناقض والتنافر العميقين . ان هذا العالم فى تشعبه وهشاشته ونفاسته أيضا والذى يترابط فيه برباط وثيق كل من الانسان والطبيعة والرسالة الروحية والعناصر المادية للثقافة يقتضى تمشيا يكون فى نفس الوقت مرنا وناجحا ، سريعا ومتدلا ، ملائما ومتزنا ، متفتحا على المستقبل ووفيا للماضى .

فما هى التقنيات الجديدة أو القديمة المتوفرة لدينا اليوم ؟ وما هى المنهجية ؟ وما هو المذهب الذى بامكاننا اعتماده لحل هذه المعادلة الصعبة التى تتضمن عناصر مجهولة عديدة ؟ وهل بامكاننا ان نجد فى الترميم العلمى التقليدى كما حدده ميثاق البندقية الحل المرضى بالنسبة الى وضع المدينة العربية والهندسة المعمارية الاسلامية ؟ وهل بوسعه ان يفض تلك القضية الشائكة المتمثلة فى التوفيق بين ما اعتدنا أن نسميه (( التقاليد )) و (( الحداثة )) ؟ والى أى مدى يمكن له أن يوفر لتلك المدن التى طالما عانت من غوائل الدهر توازنا جديدا قابلا للدوام فى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ؟

وفى خضم الكفاح الذى يخوضه العالم العربى ضد قوى الظلام وعوامل التخلف لا يمكن أن تغرب عن انظارنا القيم الروحية والمعنوية لمعالم الماضى ذلك أن انقاذ التراث كما قال ميشال باران رئيس المجلس الدولى للمعالم والمواقع يعنى اقرار (( حق جديد )) هو الحق فى المعرفة ، معرفة الاصول ، معرفة دواع الحياة وكذلك معرفة أسباب النزوع الى اختيار مستقبل مغاير لما يقتضيه نمط موحد تذوب فيه انسانية الانسان وهو حق لنا ولغيرنا ، إنه حق يخول التعرف على تراث الآخرين .

ومن هنا يتضح مدى الاهمية التى ينبغى أن نوليها لاجتماعكم هذا الذى سينكب بلا شك على بحث كل هذه المسائل الدقيقة وانى لواثق من أن ما يتمتع به المشاركون من كفاءات عالية وما يتحلون به من شغف عميق بكل ما هو بديع ومن اخلاص لا حد له لقضية صيانة التراث المعمارى العالمى التى هى من أنبل القضايا ، هي كلها مؤشرات تبشر بنجاح مؤتمركم الذى أتمنى له من صميم الفؤاد كامل التوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية