مقدمة فى منهج القراءة :
نعتقد منهحا انه لا يمكن النظر الى آثار مفكر او اديب او اى " فرد " ما لم نربط بين ما الف المؤلف واخرج الى الناس فى مستويات متعددة .
أ بين اجزاء الاثر باعتباره يمثل وحدة .
ب بين ذلك الاثر وصاحبه
ج بين ذلك ومجموع ما انتحته الظروف والملابسات فى وقت تاريخي ما ) ذلك ان الفرد - وقد صار هذا من تحصيل الحاصل لا يمكنه ان يصنع قيمه بمفرده . ويكون ما الف محاولة منه لبلورة بعض القضايا بلورة تختلف بحسب الاسلوب المعتمد : مقالة / خطبة / مسرحية . . (
ويجد كل ذلك تفسيره ضمن الاطار الفكرى الذى فيه يتحرك وهو الذي يعطيه انسجامه ومعناه .
ولهذه الاسباب يتحتم علينا ، ونحن نقرأ ما انتج الاستاذ مزالى - ان نربط دائما بين الاجزاء : ) لان الاستاذ لا يقدم لنا رؤية شاملة متكاملة ولم يكن ذلك قصده ( وان نرجعها الى ما يمكن من العناصر المحددة لرؤية كلية للامور ) ان وجدت ( .
ونظرا لما سبق فاننا بهذه " الكلمة " لا ندعي تقديم دراسة فى ) دراسات ( ولا موقفا من : ) مواقف ( ، انما غرضنا كان ان نتامل فيها بحثا عن المشاغل الاساسية وما يمكن ان ترجع اليه من مستندات فكرية وفلسفية عقائدية قد تضئ لمن يريد ان يفهم تلك المواقف الاسباب الداعية الى اتخاذها فخرجنا الى اعتبار الكتب مساهمة - على حد تعبير الاستاذ فى تغذية الحوار الفكرى المتواصل بين كل من ينظر للثقافة نظرة جد . فكان غرضنا فتح باب الحوار في بعض المحاور الاساسية التى تتضمنها الكتب المذكورة ( واحدها مفهوم مسؤولية المثقف والتزامه القضايا الجوهرية
المطروحة امامه على كل المستويات - ولا يسعنا فى هذا المجال الضيق الا ان ننظر في عجالة الى جملة من الافكار تتعلق ب :
أ - صفات المثقف المسؤول ودوره ب - وسيلته فى ذلك
ج - الى اى مدى تجسد تلك الاثار صفات مثقف مسؤول وان كان مضمون الدعوة التى ترمي اليها كتب الاستاذ مزالى هو هذا الشعور بالمسؤوليه من المؤلف بدءا ومن القارىء غاية .
ان المفكر المسؤول يجب ان ينظر الى ما حوله ويقارن " دراسات ص 237 ، نعتقد ان هذا هو احد وجهى النشاط لدى المثقف : تعميق وعيه بالحاضر ودراسته ومعاناته المشاكل المطروحة والشعور بالمسؤولية ازاءها قولا وفعلا وهذه هي الصفات الكبرى التى يظهر انها تبدو من خلال آثار الاستاذ
فالمثقف بحكم رؤيته النافذة نسبيا لابد ان يكون دائم الفزع لكل ما قد يمس مبدأه ، فهو يناضل من اجل تحقيقه تحمل فى ذلك ما تحمل من مرارة الصراع ، صراع حتمة عليه اخلاصه لذاك المبدأ وقد اكد هذا المعنى الاستاذ مزالي في مقدمة مؤلفه " وجهات نظر " حيث يقول : " ان المثقف الحق يعيش من اجل المبدأ ويصمد فى النضال لاعلاء ما يراه حقا وخيرا ويستمد طول النفس من الامل الذي يغمر وجدانه والايمان الذى يملا حياته . "
من هذا المفهوم ندرك تماما ما " للكلمة " من اثر فى الفعل والتحريك . فالكلمة هي سلاح المثقف وهي موقف والموقف هو الفعل والفعل هو تجسيد للمسؤولية ، وهكذا تكون الكلمة عنادا ومعاندة وصراعا ومصارعة ولا تقدر ان تكون كذلك الا اذا كانت تحمل من الطاقة التحويلية ما يصير الفاسد نافعا والمعوج قويما ولعل في مؤلفات الاستاذ ما يعطى صورة واضحه لهذا الدور الخطير الذى تلعبه الكلمة الملتزمة المسؤولة فقد سلط الاستاذ مزالي الضوء على النظرة الى العلم وتقدمه حيث ابان ان جوهر التقدم العلمي لا يكمن فيما ابتدعه الانسان من مخترعات بقدر ما يكمن فى توجيه هذه المخترعات الى نبيل غاية هي الانسان - اجل فمن منا ينكر قدرة الانسان على تحدى الطبيعة ، لكن اذا قهر الانسان بالعلم الطبيعة فهل يمكن له قهر نفسه بمخترعه - كلا - فلا يقهر الانسان نفسه بل هو المسؤول عن مصيره وهذا ما جاء فى ) وجهات نظر ( حيث يقول الاستاذ : " وان العلم ليس خيرا او شرا فى
حد ذاته وانه ليس قيمة اخلاقية بل هو وضوح رؤية ، وانه فى آخر الامر لا يخدم صالح الانسان الا بقدر ما يريد ذلك الانسان ذاته "
وكاني بالاستاذ مزالى ، وقد عرج على مفهوم العلم ، الذى استطاع به الانسان ادراك القمر ، يتساءل عن مشاكل الانسان فى الارض : هل وقع التفكير فيها قبل تجاوزها الى مشاكل السماء ؟ ونفهم هذا التساؤل مما خطه الاستاذ فى وجهات نظر عن عملية ) أبولو ( : " ولو فرضنا ان عملية أبولو لم تنجز وان الاعتمادات الضخمة لم ترصد للبحث العلمي - النظرى والتطبيقى - فى شؤون الفضاء - فهل نحن واثقون من انها كانت تنفق فى سبيل مقاومة الفقر والقضاء على الامية والاخذ بيد الشعوب المستضعفة ؟ لا اعتقد ذلك .
لا أعتقد ذلك : اجابة مقتننع بان العلم ما زال فى تعميق ارادة التفوق وانه دائما فى خدمة ايديولوجية معينة . ونعتقد ان هذا الموقف من العلم موقف واع ويمكن ان نجد هذا الوعى والالتزام فى الوقوف من قضية كقضية الشعب الفلسطيني فقد ازاح الاستاذ الستار عن هذه المظلمة فكان دوره دور من يحلل ويفضل ويشهر وفي هذا الصدد يقول الاستاذ مزالى مبرزا دور المثقف الملتزم فى نفس المصدر : " ان اكبر سلاح نملكه - نحن المثقفين - انما هو الحقيقة . فلنفضح الجوهر الصهيونى امام الرأي العام ولنكشف عن سوءاته ولنبرز مغالطاته وبهتانه " وواضح ان هذا الموقف يصدر عن احساس عميق بالمسؤولية .
وبعد تحليل هذه الجملة من النقاط ) المعبرة عن موقف ( نخلص الى جملة اخرى من القضايا والمقولات منها مقولة الانسان ، والعقل فى عملية المعرفة ، والعلم والتكنولوجيا
لئن بدا فى المقالات اشارة الى الحدس الغزالي باعتباره وسيلة من وسائل المعرفة ، فان الاستاذ يؤكد على مقولتين من المقولات الفلسفية هما " الانسان - وعديد من المقالات تحمل الكلمة لا فائدة من تعديدها ، وعلى مقولة فلسفية اخرى هى " العقل " ، بصدد تحليل وضع العرب والعالم بصفة عامة . الحق ان بعض العرب لم يستشرفوا مستوى العقل ، ولم يصلوا الى درجة العقلية الوضعية Positiviste او فى سياق حديث عن العالم العربى : ) وهو تبعا لذلك لا يزال متأثرا بالكلمة ، مأخوذا بسحرها مستعيضا ببهرجها وبريقها عن واقع الاشياء وحقيقة الامور ) دراسات 245 (
وامام هاتين المقولتين لا يتسنى لنا الا ان نرجعهما الى الحضارة الاوروبية بالمفهوم الذي صار يعرف باسم الانسية البورجوازية Humanisme Bourgeois وهذا هو المصطلح المعروف . فى مرحلة ما تطور الفكر الذى هو حتميا مرتبط بتطور الاساس المادى فى الحياة وتطور العلوم
أو قوله إن الواجب يدعو إلى الايمان بسيطرة العقل للحكم على كل المذاهب والكتب وكل ما قاله السلف ويقوله الغير . " ان العقل يجب ان يتخلص من كل انواع السيطرة ويتحرر من كل القيود الفكرية والمذهبية مهما كانت " ) دراسات 250 ( ونعتقد ان رأيا مثل هذا - رغم ايجابيته فى الرفع من شأن العقل امام كل ما هو ذهنية غيبية غارقة فى الماورائيات - يجعل العقل جوهرا مفارقا خارجا عن حدود الزمان والمكان وهو أمر لا يمكننا ان نقبله فلسفيا لان خروج العقل عن الزمان والمكان وعن التاريخ ، امر غير وارد اطلاقا
اما المقولة الاخرى المعتمدة والتابعة لهذه الدعوة العقلية فهى مقولة العلم والتكنولوجيا وهي في راينا مقولة ايديولوجية ظهرت في اوروبا في العصر الحاضر في نوع من المجتمعات اصبح فيه الحكم للمهندسين وهى تمثل وجها من اوجه الصراع فى اوروبا يغلف باسم العلم والتكنولوجيا ليظهر بمظهر العلم اى انتفاء الذاتية والظهور بمظهر الموضوعية
وهنا نتساءل ايضا عن جدوى الكلمة والكلام بصفة عامة ، فلئن كانت لها فاعلية هي فاعلية التوعية فهي تبقى - ان بقيت كلمة قاصرة ، والتغيير ينبغى ان يتم لا بالقول ولكن بالفعل
ونعتقد فى نهاية الامر ان الحكم فى شان آثار الاستاذ مزالى ليس من مشمولاتنا بل من مشمولات التاريخ . %
