الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مسافر زاده الخيال ...

Share

كلا انها ليست انوارا تلك الصور الناصعة التى استوقفت طرفك وانه ليس لذكرياتك ولا لامانيك من الواقع نصيب

كلا انك لم تر شيئا ولا سمعت نغما . وهذه اللغة التى تحكى اصواتها ليست لغتك .

انك لم تر شيئا . حتى السراب انك لم ترة .

انك لم تستنشق قط ريح البحر فى الصباح المنعش ولم تشتق نفسك في سكون الاذان الابدى الى الفجر الجديد ولا ارتاحت الى ريح " الوقيدة يشعل بها ابوك سيقارته فيمتلئ قلبك نشاطا واملا قتالا

كلا انك لم تستأنس - طفلا - لطبل السحور حينما كنت تسمعه من عالم النوم يقترب . شيئا فشيئا من راس الزقاق الى يقظتك فى بيتك وامك تخضك لتشاركها في انتظار الاب الساهر - وهل من حاجة الى السهرة ان لم ياتك بالزلابية الصفراء ؟

كلا انك لم يناجك الخريف بغناء " الرطب " ونداء " الامسية " ولم تفتح اجفانك على طيب الرمان المفلج والذباب المترنم وامراض العيون

انت ؟ انم لم تمر قط بين ازقة المدينة فى فجر الصيف ولم تلتفت الى روائح " الزبلة " المؤذنة بالحر ولم تنحدر خلال الشوارع ترافقك بين مراحل المقاهي الجائمة نغمات اغنية لا وجه لها ولامشيت على البلاط المرشوش وغبارا تتبعك روائح الشواء .

انك ماسموت قط الى موسيقى الكاتدرال ولاجثوت لصمت المساجد ولا تاثرت لنشيد اليهود في مصلاهم ! كلا ما تفتحت نفسك الى وسع الله وما انشرح صدرك لما انت فيه من ايمان الريح على رمال الشاطئ ولم تنم قط لنزاهة البحر المصوت

كلا انك لم تنطلق مع رفاقك الى ساحل بلادك الجميل ولم تر تسيج

كلا لم تدس حافيا بياض الرمل الممتنع ولم تعرف برد البحر يمتصه من لحمك حر الريح ولم تهشم قدماك قضبان " الشرببو " المنسابة تحت اوراقها الخضراء . وما التهمت - ملطخا فمك ويديك - حبات التوت الاكحل وما امتسحت بحشائش " الغاسول " وما تسلقت الخروبة الظلماء قط ولا التجات الى ظلال الزيتون

كلا انك لم تر فيضان الشمس فى البادية الجرداء ولا استواء الدنيا فى منتصف النهار عندما يشد القيظ ويقف الزمان وتتبرج الارض ويلح الصرصار ويطغى الفكر

انك لم تضطجع لسكورة القيلولة الحار يستفزه الشوق ويضجره العرق كلا ما تاقت شفتاك الى اللوز الاخضر ولا ننسك الى قضمه قضما وتفليجه تفليجا وما مررت مصبحا او ممسيا بين زروب الهندى " تجمع بكماشتك الطويلة ثماره ثم تعمد اليها فتملسها فى الرمل تمليسا .

كلا انك لم تغمس يدك فى طبق " الشكشوكة " المشترك

كلا انك لست منا وهذا الفضاء الذى ايقظك فى هذا الصباح ليس البحر الابيض المتوسط كلا . وهذه الصور البيضاء التى وقفت عليها عينك ليست ضواحي ثونس وهذه الباخرة الداخلة الى الميناء ليست بمرجعتك الى وطنك .

بلى ! هذه هى بلاده ! قد رآها فاثبتها . هذه بلاده قد سمع عنها انها تدعو كل ذى علم ليعمل وكل ذى عزم ليجتهد . وهذا الميدان بين ايدينا واسع مفتوح لجميع الناس فلا حياء ولا رياء .

انه سمع - الى دعاء البلاد - صراخ بائعى الصحف حواليه الخارج الى الاهتمام بما حوله وسمع من الداخل صراخ بعض اقوال الحكماء ينبثق فى نفسه وتختلط الصرخات وتمتزح

" الرئيس الامريكى يصرح : لسنا سعداء ما بقى على وجه الارض فقير يؤلمه فقره

" حريق فظيع فى مغازة كبيرة بمرسيليا . جرح الاسد وقتل الثور " البرلمان يصادق على قانون الحريات الفردية . ليس للمصلى فى صلاته " ولا للمتصدق في صدقته ولا للورع في ورعه من الاجر ما للمجاهد عن نفسه اذا كانت مجاهدته على الحق . تسخر طاقة الشمس لتوليد الكهرباء

" العلم لا يتم الا بالعمل . برنامج كبير يصمم لاعانة البلاد المتخلفة . ان الرجل " العاقل اذا لقى عدوه فى المواطن التى يعلم انه فيها هالك سواء أقاتل ام لم يقاتل كان حقيقا ان يقاتل عن نفسه كرما وحفاظا .

انه كان لنا بالمدينة ناسك لم ير الناس مثله قط حدة ذكاء وسعة معرفة واعمال راى وحرصا على العمل والاجتهاد . وكنا " كلما هبت الريح على قضبان الشجرة " نأوى الى صومعته فيتحدث الينا فيفتح لنا الآفاق وكنا نراها بعيدة واسعة . فاذا تكلم فكانه القرآن يقرأ او المذياع يذيع فليس الا ان نستمع - وكان من كثرة الزهد وقيام الليل نحيل الجسم التوى لحمه على عظمه فكانه قد من اجذاع الكروم . وكنا- عفا الله عنا - نحبه ونعجب به .

وكنا نرنو معه الى بعيد الآفاق ، وتنعطش الى الفجر الازرق ونفر الحضيض ونحاسب النفس ونطلب المثل الاعلى وتسبح في الخيال .

فكان يذهب بنا الخيال الى ضروب من الصور نبتغي عن ورائها الخروج من واقعنا الى مصير احسن واصلاح معيشتنا فى الدنيا ونجاة ارواحنا في الآخرة . وكان يذهب بنا الخيال الى انسجام السلطان مع الحكمة على ممر السنين . فكنا نجد لكل كبير برز فى الميدان السياسى كبيرا يسايره ويسانده فى ميدان الفكر وكنا قد وجدنا ان ديشليم باعانة بيدبا وكسرى انوشروان باعانة برزويه والخليفة المنصور باعانة عبدالله بن المقفع والمأمون بإعانة المعتزلة وسيف الدولة باعانة المتنبي والفارابي وابا يوسف يعقوب باعانة ابن طفيل واين رشد قد ساعدهم الحظ على السير الى الامام بامور الرعية .

وكان يتعمق بنا الخيال فنذهب الى تصور المقابلة التاريخية بين ابن خلدون وتيمورلنك والمحادثة الهامة بين " قوته " و " نابليون " بالمانيا . فنتساءل عما كان يمكن ان يدور من الحديث بين الرجل والرجل بين رجل العلم ورجل العمل بين رجل الفكر ورجل السلطان عندما يشعر كل منهما انه امام ند له وانهما كليهما مسؤولان عن سعادة البشرية جمعاء فيعظم فى اعيننا الحدث ويحيط به السر والهيبة والجلال والمسؤولية والواجب

لما نشبت الحرب العالمية الثانية كان اكثر من بيدهم الحل والعقد ببلادنا اليوم اما مقبلين على التعليم الثانوى او منتهين منه . وكنا جميعا فى ذلك العهد نامل ان يتم انتصار المجاهد في الميدان السياسى وان يتحقق عمل الكاتب فى ميدان الفكر

ثم كانت ثورتنا وانتصر الحق . ولكنا لم نر فى طول تلك المدة من كنا نرمقهم من رجال الفكر قد وطدوا العقول وكتبوا الكتب مسايرين الثورة التحريرية او مهيئين الثورة الكبرى التى هى على الابواب . لقد تحقق النصر

السياسى ولكنا وجدنا على الصعيد الفكرى وفى الميدان الروحى فراغا يكاد يكون كاملا وانتاجا قليلا جدا او بعيدا كل البعد عن المشاركة فى الثورة والحياة .

فماذا فعل الذين تناولوا القلم للكتابة اثناء الحرب العالمية الثانية وبعيد انتهائها وماذا كتبوا عن الشخصية التونسية المكافحة المتحررة مما يشبه منهاج فركور وارغون وسارتر وكامو وما اهتموا به فى مؤلفاتهم ؟ وكيف حددوا القيم وكيف عالجوا المشاكل وهل وصفوا العقلية الجديدة ؟

ام ما بالهم سكتوا ، سكتوا عن الثورة كانها لم تكن سكتوا عن التونسي فى كفاحه عن التونسى فى تعلمه عن التونسى فى عمله وتشييده كان كل هذا لم يكن ؟

وانا وجدنا من فتح لنا آفاق الفكر يغلق اليوم فى وجهنا الابواب ويستر النوافذ ويضرب لنا مثل جمل الاعورة وبغل المعصرة

نعم انا نجد فراغا فى ميدان الانتاج الفكرى ونجد فرقا عظيما بين ما كنا نأمله اثناء الحرب العالمية الثانية وما نجده اليوم بين ايدينا - فلئن لم يخب املنا لاقليلا ولا كثيرا فى الحقل السياسى فلقد خاب املنا فى ميدان الفكر الخيبة الكبرى . وانه يحسن بنا عند هذا الفراغ القائم ان نكون على شىء من التواضع فانه ليس لاحد ان يتزعم الفكر التونسى فى غير انتاج وفى غير تعليم وانه ليس لاحد فضل على احد والعمل فى بدئه والجهد جماعى والانتاج قليل والمرحلة طويلة .

وانا لئن تألمنا اذ نجد انفسنا فى اول هذه المسافة الطويلة وحدنا بدون معلم وبدون قائد فكرى فانا نتألم اكثر من هذا عندما نفكر فى الجيل التونسى الصاعد المتعطش الى المعرفة المحتاج الى الغذاء الفكرى . وذلك انا قد ساعدنا الحظ على تجمعنا وابقاء شخصيتنا اذ التففنا حول المبادىء السياسية الرامية الى استقلال بلادنا اما هؤلاء الاطفال الذين يجدون بلادهم - طبيعيا - حرة مستقلة فمن لهم ومن سيغذى افكارهم ومن سيربطهم بماضيهم ومن سيكون شخصيتهم ويجعل من كل واحد منهم تونسيا حرا لامصريا خالصا ولا فرنسا صرفا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية