تقديم : أحمد خالد
مازلنا نشكو فى تونس جهل الكثيرين لملاح ثقافتنا وطرافة أدبنا وإن عديدا من المثقفين التونسيين فضلا عن الأجانب يجهلون نهضتنا الأدبية المعاصرة وأسسها وأعنى بها نتاج الشعراء والكتاب فى السنوات الثلاثين الماضية فضلا عن جهلهم الأدب التونسى فى فترة ما اتفق على تسميته عصر النهضة فى العالم الاسلامى فى أواخر القرن الماضى والثلث الاول من هذا القرن .
وقبل اصلاح التعليم كان شباب المدارس يجهل تاريخ نهضتنا الأدبية المعاصرة ويكاد لا يعرف من أدباء تونس وشعرائها إلا الشابى لسيرورة شعره وحلاوته . ثم جاء إصلاح التعليم الثانوى وأدرج فى آخر برنامج الأدب فى السنة السادسة بعض الأعلام من أدباء تونس وشعرائها كالشابى والشاذلى خزندار وسعيد أبى بكر والمصلح المناضل الطاهر الحداد والأساتذة الأدباء محمود المسعدى والصادق مازيغ والمختار الوزير . وبذلك وقع سد فراغ كبير فى برامج الادب فى معاهدنا .
ومهما يكن من أمر فان الجهل والتعصب ما زالا يحجبان وجه الحق على فئة من الدارسين الغربيين والمشارقة والمعنيين بالامر الذين ينكرون وجود أدب تونسى حديث ممتاز بالأصالة والطرافة . أما التعصب فلا أرى فائدة فى تعليله . وأما الجهل فله عدة أسباب ليس غرضى ههنا تفصيلها ولكن مجرد التنبيه الى أن من أهمها قلة الدراسات النقدية التى تساهم فى التعريف بهذا الأدب الحديث وأسسه . فاذا استثنينا بعض المقالات التى عرفت بجوانب مختلفة من الأدب التونسى فى الصحف والمجلات نجد الدراسات الطويلة قليلة وأذكر منها كتاب (( ألبار كنال)) (Albert canal) (( الأدب والصحافة التونسيان من الاحتلال الى سنة 1900 )) وكتاب (( إيف شاتلان )) ( yves chatelain ) بعنوان )) الحياة الأدبية والثقافية فى تونس من سنة 1900 الى سنة 1937 )) وكتاب الشيخ الفاضل ابن عاشور (( الحركة الأدبية والفكرية فى تونس )) ومقالا طويلا
للأب (( ديمرسمان )) Demersmann فى مجلة Ibla بعنوان )) ستون سنة من الفكر التونسى من خلال المجلات )) .
ولعل من أهم أسباب جهل الأدب التونسى الحديث وبقائه فى البراعم بقطع النظر عن الامكانيات المحدودة للنشر أن هذا الأدب مبعثر فى مراجع يصعب الوصول إليها وممارستها كالجرائد والمجلات . فان دارس أدب الثلث الأول من هذا القرن بتونس لا يجد بدا من الرجوع الى عديد من المجلات والجرائد التونسية حيث كانت تنشر الأشعار والمقالات الأدبية غثها وسمينها . وعدد تلك المجلات والصحف كثير ناهيك بمجلات الفجر والبدر والآداب والمنير والعرب والسعادة العظمى وشمس الاسلام والمجلة الزيتونية ونشرة الجمعية الخلدونية والمجلة الصادقية ومجلة خير الدين والعالم التى أصبحت تسمى العالم الأدبى فيما بعد . وأما الصحف فأذكر من بينها الرائد التونسى والحاضرة والرزنامة التونسية والتونسى باللسان العربى والرشدية والزمان والزهرة والنديم والصواب والمشير والمنصف ولسان الشعب ومرشد الأمة وغيرها . فان تلك الصحف فضلا عن اشتغالها بالسياسة وبالمسألة التونسية قد جمعت شتى المواضيع من اجتماع واقتصاد وأدب . وهذه الآثار جديرة بالعناية وبالفهرسة والدرس وإن كان ذلك العمل يستدعى صبرا طويلا وخبرة بالوثائق وبذلا من طرف الباحثين والمسؤولين عن الثقافة فى بلادنا على السواء .
ولولا كتاب (( الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر )) لزين العابدين السنوسى لكنا نحهل أشياء كثيرة عن أدباء تونس وشعرائها فى الثلث الاول من هذا القرن . فهذا الكتاب جدير بأن يعاد نشره وإن كان مجرد محاولة للتعريف السريع بأدباء تلك الفترة عن طريق نبذ من أشعارهم ومختصرات من تراجمهم ليست دائما موفقة .
ولأهمية هذا الكتاب فى تاريخ أسس الأدب التونسى الحديث رأيت من المفيد لقراء محلة الفكر الغراء أن اقدم جملة وثائق متعلقة بخصومة أثيرت حوله فى صفحات جريدة (( لسان الشعب )) بين مؤلفه الأديب زين العابدين السنوسى واحد من ترجم لهم من شعراء تونس الفحول أعنى سعيدا أبا بكر وقد ساهم فى الخصومة أيضا كاتبان لم يكشفا تماما عن اسميهما .
ولئن كانت هذه الخصومة شخصية أكثر منها أدبية وعاطفية لا تخلو من تطرف وحيف فانها تمكن الباحث من الخروج بفكرة عن مفهوم النقد المنقلب خصاما عند أديبين من أدباء تونس إذ ذاك ، وتعينه أيضا على تصور بعض الملابسات التى حفت بتأليف كتاب (( الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر )) وبظروف ظهوره كما تعينه على معرفة صدى هذا الكتاب فى تونس وفى الجزائر وفى المشرق منذ أربعين عاما وعلى استفادة معلومات أخرى عن الحركة الأدبية فى تونس زمنئذ .
