* غناء العرب فى الجاهلية :
لم ينتحل العرب فى الجاهلية صناعة الغناء وانما عرفوا البسيط من التلاحين لغلبة البداوة عليهم ، وترنموا بأصوات متناسبة فى " حداء " إبلهم ، وسموا الترنم بالشعر " غناء " وبالتهليل والقراءة " تغبيرا " ، وعرفوا " السناد " وهو مناسبة بسيطة بين النغمات ، فاذا كان موقعا بالدف والمزمار ويرقص عليه سموه "هزجا" .
وهذا البسيط من التلاحين هو فى نظر ابن خلدون من أوائل الغناء " ولا يبعد أن تتفطن له الطباع من غير تعليم شأن البسائط كلها من الصنائع " (1) ناهيك بان ما اهتدى اليه العرب فى بداوتهم من تأليف الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها فى عدد حروفها المتحركة والساكنة هو - على حد قول ابن خلدون - " قطرة من بحر من تناسب الاصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى الا انهم لم يشعروا بما سواه " (2) .
* الغناء فى عهد الرسول :
ومع ظهور الاسلام وفى عهد الرسول خاصة تراجع العرب عن هذا المقدار البسيط لشدة الدين " فى ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع فى دين ولا معاش فهجروا ذلك شيئا ما ولم يكن الملذوذ عندهم الا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو دينهم ومذهبهم " (3) .
* دور الفرس في تلقيح الغناء العربي :
ثم جاء الترف وتحول عيشهم من شظف الى نضارة عندما اتصلوا بالأمم المتحضرة وبخاصة الفرس فاستحلوا الفراغ وجودوا الغناء .
والباحث يجد فى " كتاب الأغاني " لأبي الفرج الأصبهاني وفي مختصره " مختار الأغاني فى الأخبار والتهانى " لابن منظور محمد بن مكرم من ثرى المعلومات ودقيقها ما يعينه على تاريخ الغناء العربى منذ نشأته كصناعة لا كحداء فى صدر الاسلام الى أوان اكتمله وبروز أعلامه .
وليس غرضى هاهنا الاحاطة بهذا التاريخ اذ قصدت فحسب تقديم مساهمة فى التعريف بظاهرة حضارية طريفة متمثلة فى تلاقح ثقافى بين ضربين أو ثلاثة من لحون الغناء تولدت عنه سنة غنائية عربية حاولت تتبعها من خلال أهم مسالكها وأطوارها بتسلسل سندها .
وما من شك فى أن أهم حدث فى تاريخ الغناء العربى هو تزاوج ألحانه والحان الغناء الفارسي في صدر الاسلام ، فولد اللقاح أنغاما جديدة تطورت وتعقدت مع الايام فى مدارس أعلام الغناء بالحجاز أولئك الذين اعتنوا بتعليم الريضين الصنعة وبتخريج القيان على مذاهبهم وبتصدير أصواتهم بواسطتهن أو مباشرة بانتقالهم الى مركزى الخلافة بالشام ثم بالعراق ، والى بلاد الأهواز بفارس والى افريقية والأندلس وغيرها .
وكما كان هناك توليد بين الأجسام والعقول أنتج أفكارا ومعاني جديدة أثرت الحضارة الاسلامية كان هناك توليد غنائى نشأ عن تزاوج الأنغام والألحان وأفاد الغناء العربى أيما إفادة .
وفى الامكان معرفة زمن حصول ذلك التزاوج لاول مرة بالرجوع الى فصل موجز ثرى من قسم العلوم أفرده ابن خلدون فى مقدمته لصناعة الغناء باعتبارها ظاهرة حضارية وعنصرا من عناصر علمه الجديد علم العمران البشرى الذى يبحث فى شؤون البشر من حيث الملك والكسب والصنائع والعلوم . قال ابن خلدون : لما جاء الترف وغلب الرفه على العرب اثر اتصالهم فى صدر الاسلام بالشعوب المتحضرة " افترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا الى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للاصوات ولحنوا عليها أشعارهم " (4) .
* دور سعيد بن مسجح فى هذا اللقاح :
وأورد أبو الفرج الأصبهانى خبر تطعيم الغناء الحجازى بانغام أعجمية فارسية ورومية ويونانية وأفادنا أن ذلك قد تم فى صدر الاسلام بواسطة عبد مكى اسود من فحول المغنين وأكابرهم اسمه سعيد بن مسجح قادته رحلاته الى عديد من الاقطار فكان " أول من نقل غناء الفرس الى غناء العرب ثم رحل الى الشام وأخذ الحان الروم والبزنطية (5) والأسطوخوسية (6) وانقلب الى فارس فأخذ بها غناء كثيرا وتعلم الضرب ، ثم قدم الى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم " .
ويستفاد من هذا الخبر أيضا أن اللقاح الذى تناول الغناء العربي عند اتصاله بأنغام الفرس والروم واليونانيين لم يترتب عنه انسلاخ ذلك الغناء عن اصالته ، بل ان اللقاح ما زاده الا قوة وسماكة اذ ألقى سعيد بن مسجح من الانغام المستوردة " ما استقبحه من النبرات والنغم التى هى موجودة فى نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب وغنى على هذا المذهب ، فكان أول من أثبت ذلك ولحنه وتبعه الناس " (7) .
* ظروف أخذه الغناء الفارسي :
وعن ظروف اخذ سعيد بن مسجح الغناء الفارسي ونقله الى غناء العرب ساق أبو الفرج روايتين مختلفتين . أما الاولى فتفيد أن ابن مسجح نقل غناء الفرس لما بنى معاوية (من 41 ه . الى 60 ه/ 661 - 680 م .) فى مكة دوره التى يقال لها " الرقط " حمل لها بنائين فرسا من العراق فكانوا يبنونها بالجص والاجر ، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع من غنائهم على بنيانهم ، فما استحسن من ألحانهم أخذه ونقله الى الشعر العربي ، ثم صاغ على نحو ذلك "(8) .
وأما الرواية الثانية فتقول : " انه مر على الفرس وهم يبنون المسجد الحرام فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه فى شعر عربي... واتسع فى غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به لظرفه وحسن ما سمعوا منه " (9) .
وقد أعيد بناء الكعبة لما احترقت في زمن عبد الله بن الزبير (1 ه - 73 ه ./ 622 - 692 م .) الذي ادعى لنفسه الخلافة واستقل فى الحجاز فقاومه بنو أمية المستقرون فى الشام .
وكان سبب خرابها " أن أهل الشام لما حاصروه سمع أصواتا بالليل فوق الجبل ، فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا اليه ، وكانت ليلة ظلماء ذات ريح شديدة صعبة ورعد وبرق ، فرفع نارا على رأس رمح لينظر الى الناس فأطارتها الريح فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها واستطارت فيها وجهد الناس فى إطفائها فلم يقدروا فأصبحت الكعبة تتهافت وماتت امرأة من قريش فخرج الناس كلهم فى جنازتها خوفا من أن ينزل عليهم العذاب وأصبح ابن الزبير ساجدا يدعو ويقول : اللهم انى لم أتعمد ما جرى فلا تهلك عبادك بذنبي ، وهذه ناصيتى بين يديك . فلما تعالى النهار أمن ورجع الناس ، فقال لهم : أينهدم فى بيت أحدكم حجر أو يزول عن موضعه حتى يبنية ويصلحه ، وأترك الكعبة خرابا ؟ ثم هدمها مبتدئا بيده وتبعه الفعلة حتى بلغوا الى قواعدها ، ودعا بنائين من الفرس والروم فبناها فسمع ابن مسجح غناءهم فنقله وغناه " (10) .
ويتبين دارس " كتاب الأغاني " ومختصره أن الغناء العربى بدأ يتطور فى الحجاز بفضل جهود ثلة من فحول المغنين من ضمنهم هذا العلم الذي أرسى قواعد الموسيقى العربية وأثرى غناء أهل الحجاز وعقد ألحانه وأذاع طريقته فى موطنه وخارجه مباشرة وبواسطة تلاميذه الذين عني بتخريجهم أمثال الغريض وابن سريج وكان هذا التلميذ حسب شهادة أبى الفرج " أحسن الناس صوتا فتعلم (من ابن مسجح) ثم برز عليه حتى لم يعرف له نظير " .
ومن طبقة سعيد بن مسجح مغن مملوك فارسي الأصل من فئ كسرى اسمه " يسار " أعتقه بنو ليث وهو " أول من عمل العود بالمدينة وغنى به " (11) .
* دور سائب خائر ونشيط في تطعيم الغناء :
وللمولى ابن يسار المشهور بــــــ " سائب خائر " شأن عظيم في تطعيم الغناء
العربى بالأنغام الفارسية (12) وقد مكنه من ذلك رجل فارسي اسمه نشيط سمعة سائب خائر يتغنى فى المدينة فعجب منه سيده عبد الله بن جعفر " فقال له سائب خائر أنا اصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربية ، ثم غدا على عبد الله بن جعفر فغناه :
لمن الديار رسومها قفر لعبت بها الأرواح والقطر ؟
وخلالها من بعد ساكنها حجج مضين ثمان أو عشر
والزعفران على ترائبه شرقت به اللبت والنحر
وهو أول شعر غني به فى الاسلام من الفناء العربي المتقن الصنعة . ثم اشترى عبد الله بن جعفة نشيطا بعد ذلك فأخذ عنه سائب الغناء العربى "(13) .
* مدرسة سائب خائر ونشيط الحجازية :
أ - عزة الميلاء : ويفهم من خبر اخر وارد فى كتاب الأغاني أن سائبا ونشيطا تزعما مدرسة غنائية بالحجاز تخرج منها أكابر المغنيين والمغنيات من ضمنهم امرأة حسناء مولاة للانصار مسكنها المدينة واسمها عزة الميلاء " وكانت مطبوعة على الغناء احسن الناس صوتا بعود . وهى اقدم من غنى الغناء الموقع من نساء الحجاز "(14) .
وقد جمعت عزة الميلاء بين حسن الغناء وحلاوة الصوت وحسن الضرب وجمال الوجه وظرف اللسان وكرم الخلق حتى لهج بذكرها مشائخ أهل المدينة وبفضلها تطور غناء أهل الحجاز وتعقد بلقاح الألحان الأعجمية التى لقنتها عزة عن سائب خائر و نشيط لما قدما المدينة وغنيا أغاني الفارسية .
ب - ابن سريج : والى مدرسه عزة الميلاء وسائب خائر ونشيط ينتمى ابن سريج وكان في حداثه سنه يأتى المدينة ويتعلم غناء عزة " وكان اذا سئل من أحسن الناس غناء
قال : مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء " (15) .
ج - طويس : وعن عزة الميلاء أخذ أيضا طويس المعنى مولى بنى مخزوم " وكان أكثر ما يأوى (إليها) وكان فى جوارها وكان اذا ذكرها يقول : هي سيدة من غنى من النساء ، مع جمال بارع وخلق فاضل ، واسلام لا يشوبه دنس ، تأمر بالخير وهى من أهله ، وتنهى عن السوء ، وهي مجانبته ، فناهيك بها ما كان أنبلها وانبل مجلسها " (16) .
د - مسلم بن محرز : وفى المدرسة الموسيقية العربية الفارسية نجب بالحجاز من الطبقة الثالثة بعد سائب خائر ونشيط وعزة الميلاء أقطاب فى التلحين والأداء والعزف من بينهم مسلم بن محرز " وكان أبوه من سدنة الكعبة وأصله من الفرس ... و كان يسكن المدينة مدة ومكة مدة وكان يشخص الى فارس يتعلم الحان الفرس والى الشام يتعلم الحان الروم ، ويسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين ، ويأخذ محاسنهما ، يمزج بعضها ببعض ، ويؤلف منها الأغاني ، فأتى بما لم يسمع مثله . وكان يقال له صناج العرب . . . وهو أول من غنى بزوج من الشعر . وعمل بعد ذلك المغنون اقتداء به . وكان يقول : الأفراد لا تتم بها الألحان " (17) .
وبهذا الخبر يتضح أن مسلم بن محرز هو أيضا من المغنيين المولدين الذين أوجدوا نمطا جديدا من الغناء تولد من تزاوج الألحان العربية والفارسية والرومية ومن تلاقح ثلاث ثقافات وثلاثة أذواق .
ه - تدعم الغناء مع ابن سريج والغريض ومعبد :
ومع طبقة مسلم بن محرز ومنها أقطاب التلحين والأداء والعزف ابن سريج والغريض ومعبد ازداد الغناء الحجازى تدعما بلقاح الأنغام الأعجمية ( 18 ) فضبطت قواعده وتبلورت مصطلحاته وتعقدت ألحانه حتى احتاج المختصون
الى اعمال الفكر فى الغناء مراجعة بعض الأصوات المرار العديدة لحفظها (19). بيد ان اللقاح الذى لحقة من الغناء الفارسي لم يفقده شيئا من أصالته حسب ما يفهم من الاخبار الواردة فى كتاب الأغاني لان المغنيين الذين اقتبسوا اللحون الاعجمية قد هضموها وأخرجوها إخراجا عربيا أسقط منها مالا يناسب أذواقهم .
و - تدوين يونس الكاتب للغناء : ومن مظاهر تدعم السنه الغنائية العربية مع الطبقة الثالثة من المغنين الحجازيين والواردين على الحجاز من الفرس جمعه وتدوينه فى كتب بعد أن كان شتاتا. وفد أخبرنا الأصبهانى أن أول من دون الغناء هو يونس الكاتب من المدينة " وكان أبوه فقيها فأسلمه فى الديوان ، فكان من كتابه وأخذ الغناء عن معبد و ابن سريج و ابن محرز و الغريض . وكان أكثر روايته عن معبد ، وله غناء حسن وصنعة كثيرة وشعر جيد . وكتابه فى الأغاني ونسبتها إلى من غنى فيها هو الأصل الذي يعمل عليه ويرجع اليه " (20) .
* الخصومة بين القدامى والمحدثين :
ظل المغنون يتناقلون غناء أعلام المدرسة الحجازية ويسمونه " الغناء القديم حتى جاء ابراهيم بن المهدى ( 162 - 224 ه . / 779 - 839 م . ) أخو الرشيد ( مدة حكمه من 170 ه . الى 198 ه . / 786 - 813 م . ) وكان م الطامعين فى الخلافة : فلما آل الأمر الى المأمون ( من 198 ه - إلى 218 ه . / 813 - 833 م . ) انصرف هو الى الغناء . وكان ابراهيم عالما بالنغم والوتر والأيقاعات مطبوعا فى الغناء حسن الصوت . وهو من الطبقة الممتازة التى ضمت في عصره ابراهيم الموصلى الفارسي الأصل ( 125 ه - 188 ه 742 - 804 م .) وابنه اسحاق ومخارق وابن جامع وعمر الكنات ، ولكنه كان مقصرا عن أداء " الغناء القديم " على طريقة المغنيين الحجازيين القدامى التى أخذها في عصره ابراهيم الموصلى وابنه اسحاق ، فكان ابراهيم بن المهدى" أول من افسد الغناء القديم وجعل للناس جسارة على تغييره " (21) حسب شهادة أبر الفرج الاصبهانى . وكان " اذا عيب ذلك عليه قال : أنا ملك وابن ملك أغنى كما أشتهى وعلى ما ألتذ " .
وانقسم المغنون عصرئذ الى قسمين من كان منهم على مذهب اسحاق الموصلى واصحابه انصار " الطريقة القديمة " ممن يغنى الغناء القديم على جهته أو قريبا منه ومن أخذ بمذهب ابراهيم بن المهدى وجماعته أنصار " الغناء الحديث " (22) .
وكان ابراهيم بن المهدى "يناظر اسحاق ويجادله فلا يقوم له ولا يفي به ولا يزال اسحاق يغلبه ويغصه بريقه ويغض منه ويظهر عليه السقطات ويبين .... قصوره عن أداء الغناء القديم فيفضحه بذلك وكانت بينهما منازعات لا تنقطع وكانا يجريان كل قبيح وماتا على هذه الصورة من المنازعات والمناظرات " (23) .
ولا يستبعد أن يكون للخصومة بين القدامى والمحدثين فى الأدب في مطلع القرن الثاني للهجرة مع بشار بن برد الفارسي الأصل أثرها فى الغناء العرب كما يبينه قصيده " مجلس غناء " (24) حيث انتصر صاحبه - وهو رائد المحدثين - لشعره على شعر جرير وللأصوات المحدثة التى غنتها القينة على الأصوات القديمة فى آخر القصة . ومع ذلك استجاب بشار لذوق عصره الادبى والغنائى فى تمثيله الفترة الانتقالية التى ربطت بين جرير والأخطل والفرزدق وبين أبى نواس وأبى العتاهية ومن لف لفهما ، وفي تأرجحه بين القديم والجديد من الشعر والألحان فى قصيده المذكور الهندسي الشكل المركب من قسمين متعانقين أحدهما يحكى والآخر يغنى . ويعتبر ذلك القصيد ميثاق بشار الأدبي ودستوره الغنائى فى ذلك العهد ومطلعه :
" وذات دل كأن البدر صورتها باتت تغنى عميد القلب سكرانا :
إن العيون التى فى طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا .
* مسالك الغناء العربي :
1) من الحجاز الى الشام : أيقنت الآن أن الغناء العربى تجاوز محيطه البدوى البسيط وتطور بفضل لقاح لحقه من تفتحه على العالم الخارجى واتصاله فى العراق والأهواز بالأنغام
الفارسية خاصة وفي الشام وبلاد الروم بالأأنغام البيزنطية والأغريقية عامة : وتبينت - ابعد الله عنك الشبهة - أن ذلك اللقاح أثرى الغناء العرب دون أن يفقده طابعه الخاص أعنى أصالته فكان الاخصاب من جهتين أو أكثر أخذا وعطاء ، تأثرا وتأثيرا كما تبينه مسالك ذلك الغناء .
ألا ترى أنه - بعد تزاوج لحونه ولحون العجم وبعد تطوره وتعقده بفضل جهود ثلات طبقات من اعلام التلحين والعزف والأداء - أخذ يغزو بدوره الاقطار المجاورة لمحيطه الحجازى ويعود الى منابع اللقاح وينتقل أولا من بيئته البسيطه وبخاصة من مكة والمدينة الى موطن الترف دار خلافة بني أمية بالشام إما مباشرة عن طريق أقطابه الحجازيين أو بطريقة غير مباشرة بواسطة القيان اللاتى نفقت بضاعتهن وتخرج عديد منهن على أساتذة مبرزين فى الغناء بالحجاز .
فهده حبابة جارية مولدة من مولدات المدينة "حسنة الغناء طيبة الصوت ضاربه بالعود " قد أخذت عن معبد " ثم اشتراها بعد ذلك رجل من اهل افريقية ، فلما ولى يزيد ( بن عبد الملك ) ( من 101 إلى 105 ه / 720 - 724 م .) اشترتها سعدة امرأته ، وعلمت أنه لا بد طالبها ومشتريها فلما حصلت عندها قالت له : بقى عليك شىء من الدنيا فلم تنله ؟ قال : نعم العالية ، قالت : أو رأيتها ؟ قال : نعم ، قالت : افتعرفها ؟ قال : نعم ، فرفعت الستر فرآها ، فقال : هذه هي ، فقالت : هي لك . وخرجت عنهما فسماها حبابه وعظم قدر سعدة عنده . ويقال إنها أخذت العهد عليها قبل أن تهبها له أن توطىء لابنها عنده فى ولاية العهد " (25) .
وكانت حبابة وسلامة المتخرجتان على استاذ واحد هو معبد تتباريان فى الغناء فى مجالس يزيد بن عبد الملك وتتنافسان في استحلاب عطفه "وكانت سلامه هى المتقدمة فى الغناء عند يزيد ، وكانت حبابة تنظر اليها بتلك العين ، فلما حظيت عند يزيد قصرت في حق سلامة " (26) .
واذا كانت حبابة وسلامة تحظيان بمثل ذلك المقام عند يزيد فذلك دليل على شغفه وشغف ملوك بنى أمية وأهل الشام بغناء أستاذهما معبد الحجازي . اجل إن الوليد بن يزيد ( 125 - 126 ه . / 743 - 744 م .) اشتاق اليه فوجه رسولا الى المدينة لاحضاره فى بلاطه بدمشق وتفنن خدمه في تنميق مجلسه ،
فلما غناه معبد طرب فألقى نفسه فى بركة ملئت " ماء ورد خلط بمسك وزعفران " (27) .
وكما كان الشعر فى الأدب ينقد كان الصوت فى الغناء ينقد ، والنقد صناعة شملت جميع أنواع الفنون من أدب وتصوير ورسم ونحت وموسيقى ومسرح وغيرها . وكثيرا ما ينقلب المغنى ناقد اللحن والعزف والأداء مثلما فعل معبد اذ تبرم أثناء إقامته بالشام فى سفرته الى الوليد بن يزيد من كساد غنائه فى بعض حمامات الشام وفي منزل رجل من السراة لقيه فى ذلك الحمام فاستدعاه الى بيته وأكرمه ولكن صاحب الدار ما ارتاح لما رأى وسمع منه ولا حفل به ، ولما غناه شيخه طرب وكاد يخرج من جلده فانسل معبد من الدار وانصرف ولم يعلم به وقال : " فما رأيت مثل ذلك اليوم غناء أضيع ولا شيخا أجهل" ( 28 ) .
ويروى عن تهتك الوليد وولعه الشديد بالغناء الحجازى أنه " لما ولى لهج بالغناء والشراب والصيد وحمل المغنيين من المدينة وغيرها اليه " ( 29 ) .
وكان محمد بن عائشة من الواردين عليه بدمشق وهو الذى أفسد بمحادثته ومجالسته فتيان المدينة فى زمانه " وكان يفتن كل من سمعه " . فلما غنى الوليد طرب حتى كفر وأحد ( 30 ) .
ومن الحجاز خرج معبد بغنائه الى الشام وتبعه فى نفس المسلك عبد الرحمان دحمان تلميذه فزار بلاط الوليد بن يزيد صحبة جارية علمها طريقته وطرق معبد الأبحر وغيرهما وأشار عليها باخفاء اسمه فغنت الخليفة أصوانا لسيدها اطربته فاشتراها منه - وهو يظنه مقينا - بعشرة آلاف دينار رجع بها دحمان الى الحجاز . ولما رغبت القينة الوليد فى سماع غناء صاحبها منه - وكانت قد كشفت عنه بعد رحيله - كتب الوليد " الى عامل المدينة بأن يحمل اليه دحمان فحمل ، فلم يزل عنده أثيرا " (31) .
والأخبار التى تشهد بولع ملوك بني مروان وأمرائهم بالمغنين الحجازيين لا تحصى كثرة فى كتاب الأغاني وهي تريك أن جلهم أغدقوا الاموال الطائلة
على المطربين الحجازيين إعجابا بصنعتهم - دون شك - ولكنهم أرادوا أيضا شغل منافسيهم فى الحكم من شيعة على وانصار الزبيريين بالغناء الذى يلهيهم عن السياسة فأخذوهم بالشدة تارة ووفروا لهم أسباب اللهو طورا آخر كما فعلوا مع سكينة بنت الحسين التى كانت تقيم فى منزلها مجالس الطرب فيؤمها مشاهير المغنيين ابن سريج والغريض ومعبد وحنين وتأذن للناس اذنا عاما فتغص بهم دارها (32) .
ولما قبض عامل عبد الملك بن مروان بمكة مال سعيد بن مسجح ووجهه الى الشام بتهمة افساد فتيان قريش " أمنه عبد الملك (من 65 الى 86 ه / 685- 705 م .) وكتب الى عامله برد ماله عليه وألا يعرض له بسوء " ( 33 ) . وكان ابن مسجح قد دخل على عبد الملك متنكرا فغناه فاهتز طربا وقال له : " من أنت ويلك ؟ قال : أنا المظلوم المقبوض ماله المنفي عن وطنه سعيد بن مسجع ، قبض مالى عامل الحجاز ونفانى ، فتبسم عبد الملك وقال : قد وضح عذر فتيان قريش فى أن ينفقوا عليك أموالهم " ( 34 ) .
ودونك خبرا آخر يزيدك وثوقا من تشجيع ملوك بني أمية للغناء الحجازي . فقد " أشرف معاوية بن ابى سفيان ( 41 - 60 ه 661 - 680 م . ) ليلة على منزل يزيد ( من 60 الى 64 ه . / 680 - 683 م .) فسمع صوتا أعجبه واستخفه السماع ، فاستمع قائما حتى مل ثم دعا بكرسي فجلس عليه ، وقال : أشتهى الاستزادة فاستمع بقية ليلته ثم غدا عليه يزيد فقال : يا بني من كان جليسك البارحة ؟ قال : أى جليس ؟ واستعجم عليه ، فقال : عرفني فانه لم يخف عنى شىء من أمرك . قال : سائب خائر يا امير المؤمنين ، قال : فأكثر له من برك وصلتك ، فما رأيت بمجالسته بأسا ( 35 ).
غير أن أهل الشام لم يترددوا فى الفتك بسائب يوم الحرة لأنه انقلب على بني أمية فقال يزيد يومئذ : " ويله ؟ وماله وما لنا . ألم نحسن اليه ونصله ، ونخلطه بأنفسنا ؟ فما الذى حمله على عداوتنا ؟ لا جرم إن بغيه صرعه " ( 66 ) . واعتاد ملوك بني أمية أن يناظروا بين المغنين تنشيطا لهم وتشجيعا مثلما فعل سليمان بن عبد الملك ( 96 - 99 ه . / 715 - 717 م . ) لما حج فسبق بين
المغنين ففاز ابن سريج بجائزته (37) ولشدة ولعه بغناء الحجازيين كان يستدعي الى بلاطه بالشام بعض مشاهيرهم من ضمنهم الدلال الظريف الذي جىء به اليه سرا فأطربه و" أقام عنده شهرا يشرب على غنائه ، ثم سرحه الى الحجاز مكرما " (38) .
وفيما تقدم أدلة كافية على أن مدارس الغناء بالحجاز هي التى كانت تزود دمشق مركز خلافة بني مروان بأساطين العزف والتلحين والأداء وبالقيان المتخرجات على طرقهم .
2 - من الحجاز إلى العراق وفارس :
وإذ لم يكن غرضنا استقصاء الأخبار المتعلقة بمسلك الغناء العربى من موطنه الحجازى الى الشام بعد أن لحقه لقاح الأنغام الأعجمية ووقع بالعود اليونانى المستورد عن طريق الفرس ، فلنكتف بهذا المقدار المثبت على سبيل المثال لا الحصر ولنوجه اهتمامنا فيما يلى الى مسلك ثان للغناء العربى لعله أهم من الاول فى نظر دارس الحضارة لأنه يبرز بصورة أدق ظاهرة التلاقح الثقافي ( acculturation ) وان كان التزاوج قد تم أيضا فى الشام بين ألحان الروم وألحان العرب في مرحلتين مثلتا الاخذ والعطاء من الجهتين . والمسلك الثاني هو من الحجاز الى العراق وفارس .
فبعد أن كان الغناء العربى فى بداية نموه يتأثر بالانغام والتقاليد الموسيقية الأعجمية صار لما اكتمل يؤثر فيها بدوره وفى موطن الساسانيين وذلك هو معنى التبادل الثقافي الصحيح الذى يكون من جهتين عندما تلتقي الحضارات فتتزاوج ويثرى بعضها بعضا . وهل أدل على ما ذكرنا من مسلك غناء معبد المتخرج من المدرسة الموسيقية العربية الفارسية التى تقدم ذكر اعلامها . فقد انتقل غناؤه فى مرحلة أولى من الحجاز الى العراق ثم الى الأهواز بواسطة " جارية من جوارى الحجاز تدعى ظبية عنى بتخريجها فاشتراها رجل من أهل العراق فباعها فى البصرة فاشتراها رجل من الأهواز ، فأعجب بها ثم ماتت بعد أن أقامت عنده مدة وأخذ جواريه اكثر غنائها عنها . وكان لمحبته إياها وتأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقره ويظهر التعصب له والتقديم لغنائه " ( 39 ) .
وفى المرحلة الثانية تم رواج غناء معبد فى بلاد الأهواز بواسطته مباشرة لما بلغه خبر الأهوازي فخرج من مكة يبحث عنه حتى صادفه فى سفينة اكتراها من البصرة لينحدر فيها الى الأهواز ، فعقد على ظهرها مجلس غناء تبارى فيه معبد مع جوارى الأهوازى وتم بينهم التعارف وأقام معبد عند صاحبه حتى حذق جواريه غناءه ثم ودعه وانصرف الى الحجاز (40) .
ظل هذا الولع بالغناء الحجازى شديدا فى دور السراة وقصور خلفاء بني العباس بالعراق رغم بروز مغنين عراقيين جلهم من أصل فارسي كان لهم شأن عظيم أشهرهم ابراهيم الموصلي وابنه اسحاق وزرياب وابراهيم بن المهدى . وهذا الأخير ابن خليفة شغف والده بغناء أهل الحجاز فسمعه فى موطنه وجلب من مكة والمدينة أعلامه . روى اسحاق الموصلي أن المهدى ( 158 - 169 ه . / 775 - 785 م .) لما حج طلب من المغني المدني أبى سعيد مولى فائد أن يرافقه الى بغداد فامتنع فقال له : كنت لآخذك بما لا تحب ولو كان غيرك لآكرهته على ما أحب ولكن دلنى على من ينوب عنك فدله على ابن جامع وقال له : عليك بغلام بني سهم قد أخذ عنى وعن نظرائى ، وهو كما تحب ، فهذا كان سبب قدومه بغداد " (41) .
وفى خلافة المهدى أيضا قدم عليه مغن محسن من أهل المدينة اسمه يزيد حوراء " فحسده ابراهيم الموصلي على شمائله وإشاراته فى الغناء " (42) .
ولما مات المهدى وملك موسى الهادى ( 169 - 170 ه . / 785 - 786 م .) جلب الفضل بن الربيع ابن جامع من مكة لمعرفة موقعه من نفسه " وكان ابن جامع ممن انقطع الى الهادى أيام المهدى وضربه المهدى وطرده " (43) .
وكان ابن جامع ذا حظوة عند الرشيد (170 - 193 ه . / 786 - 809 م . ) ايضا ، دخل عليه فقيرا وأصبح من جلة الناس ومياسيرهم " ( 44 ) .
وغير ابن جامع من المغنيين الحجازيين الذين استقدمهم الرشيد الى بلاطه كثير من ضمنهم اسماعيل الهربذ الذي "أدرك آخر أيام بني أمية وغنى
الوليد بن يزيد وعمر الى آخر أيام الرشيد ، وكان قد قدم عليه من مكة فدخل اليه وهو يومئذ خائر به خمار شديد فغناه ابن جامع ثم فليح ثم ابراهيم وابنه اسحاق فما حركه أحد منهم ولا أطربه ، فاندفع اسماعيل فغنى فعجبوا من إقدامه على الرشيد ومن جرأته وهو على تلك الحال ... فاستخف الرشيد الطرب وكاد أن يرقص حتى ضرب بيديه ورجليه وأمر له بعشرة آلاف درهم " (45) .
ومسكين أبو صدقة من المغنيين الذين أقدمهم الرشيد من الحجاز فى أيامه وكان يعبث به لخفة روحه ويطرب بمليح غنائه (46) ويسبق بينه وبين الزبير بن دحمان كما يناظر بينه وبين ابن جامع وابراهيم الموصلي وزلزل وبرصوم وعمر الغزال وسائر المغنين (47) .
تجلى لك مما تقدم المسلك الثاني للغناء العربى فى مدرسة الحجاز المتفتحة على أنغام الفرس خاصة وعلى لحون الروم عامة ، وأدركت أن خلفاء بني العباس وسراة القوم ومياسير المقينين هم الذين شجعوا على استيراد ذلك الغناء من الحجاز الى العراق وهو أحد مواطن الساسانيين قبل الفتح الاسلامى ومنه ومن فارس جاءت الأنغام الفارسية التى لقحت أنغام العرب وولدت منها مخلوقا جديدا تعلق به خلفاء بني العباس ورغب فيه المغنون العراقيون ورحلوا لينهلوا من معينه بالحجاز كما فعل ابراهيم الموصلى زمن العباسين وحنين الحيرى فى عهد بنى أمية ولكن حنينا لم يعد من المدينة اذ مات بها تحت ردم رواق دار سكينة عندما ازدحم الناس ليسمعوا غناءه (48) .
* دور ابراهيم الموصلي في دعم السنة الغنائية :
أما ابراهيم الموصلى فانه أفاد كبير افادة من " الطريقة القديمة " الرائجة فى الحجاز وهضمها ولم يجد فى غناء من اجتمع بهم من الفرس فائدة على حد قوله . فانه لما آنس فى نفسه قدرة على الأداء الحسن " اشتهى الغناء وطلبه وسافر الى المواضع البعيدة فيه والى الرى ، وتزوج بها هنالك امرأته دوشار وتفسيرها أسدان وتزوج بها شاهك أم ابنه اسحاق وسائر ولده " (49) .
ويروى ابراهيم الموصلى ظروف تعلمه الصنعة واتصاله بالمغنيين من الفرس وبدء تكسبه بالغناء فى الأهواز ثم اشتهاره ببلاط المهدى فى خبر نسوقه الآن لاهميته وطرافته . قال ابراهيم : " أول شىء كسبته بالغناء اني كنت بالرى انادم أهلها بالسوية لا أرزؤهم شيئا ، فمر بنا خادم انفذه المنصور ( 136 - 158 ه . / 754 - 775 م .) الى بعض عماله برسالة فسمعني عند رجل من الرى فشغف بى وخلع على دواج سمور له قيمة ، ومضى بالرسالة ورجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم وكسوة كثيرة ، فجاءنى الى منزلى وأعطاني نصف الكسوة وألفي درهم . فقلت لا أنفق هذه الدراهم الا على الصنعة التى أفادتنيها ، ووصف لى رجل بـــ الأبلة (50) اسمه جوانويه فلما حئته لم اصادفه فى منزله فانتظرته حتى جاء فلما رآنى احتشمني وكان مجوسيا فأخبرته بصناعتى والحالة التى قصدته لها ، فرحب بي وأفرد إلى جناحا فى بيته ووكل بى جارية فقدمت لى ما احتاج اليه ، فلما كان العشاء عاد الى منزله ومعه جماعة من الفرس ممن تغنى فنزلت اليه فجلسنا في مجلس قد هيء لنا فيه نبيد ورياحين وفاكهة ، وأخذوا فى شأنهم وضربوا ، فلم أحد في غناء احد منهم فائدة ، وبلغت النوبة الى فضربت وغنيت ، فقاموا جميعا الى وقبلوا رأسى وقالوا : سخرت بنا ونحن الى تعليمك أحوج منك الينا ، فأقمت على تلك الحال أياما حتى بلغ محمد بن سليمان بن على ما جرى ، فوجه الى فأحضرني وامرني بملازمته فقلت : أيها الأمير إنى لست أتكسب بهذه الصناعة وانما ألتذ بالغناء ولذلك تعلمته وأريد العود الى الكوفة ، ولم أنتفع بذلك عنده واخدنى بملازمته وسألني : من أين أنا ؟ فأخبرته أني من الموصل فلزمتنى وعرفت بها ولم أزل عنده أثيرا مكرما حتى قدم عليه خادم من خدام المهدى فلما رانى عنده قلت له : أمير المؤمنين أحوج الى هذا منك ، فدافعه عنى فلما قدم الرسول على المهدى سأله عما رأى فى طريقه ، فأخبره بذلك حتى انتهى الى ذكرى فوصفني له ، فأمره المهدى بالرجوع واشخاصي اليه فجاء وأشخصنى اليه وحظيت عنده وقدمنى " (51) .
* اكتمال الغناء في العراق :
متى أضفت الى هذه النبذة من ترجمة ابراهيم الموصلي ومسلك غنائه ما علمت من انتمائه الى " الطريقة القديمة " تبينت أنه تمسك بالسنة الغنائية العربية التى تدعمت بالحجاز واكتملت بالعراق بعد أن هضمت شيئا كثيرا من
أنغام الفرس والروم وصاغتها صياغة تستجيب للذوق العربى فقوى الغناء العربى بذلك حتى صار قطب من أقطابه ابراهيم الموصلي الفارسي الأصل لا يجد فى غناء الفرس فائدة واعترف له جماعة منهم بأنهم الى تعليمه أحوج منه اليهم .
ويقول ابن خلدون فى شأن اكتمال الغناء العربي في العراق بطريقتيه القديمة التى مثلها ابراهيم الموصلي وابنه اسحاق وابنه حماد والمحدثة التى تزعمها ابراهيم بن المهدى : " وما زالت صناعة الغناء تتدرج الى أن كملت أيام بنى العباس عند ابراهيم بن المهدى وابراهيم الموصلى وابنه اسحاق وابنه حماد ، وكان من ذلك فى دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث بعده به وبمجالسة لهذا العهد ، وأمعنوا فى اللهو واللعب واتخذت آلات الرقص فى الملبس والقضبان والأشعار التى يترنم بها عليه وجعل صنفا وحده واتخذت آلات أخرى للرقص تسمى بالترج وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكرون ويفرون ويثاقفون وأمثال ذلك من اللعب المعد للولائم والأعراس وأيام الأعباد ومجالس الفراغ واللهو وكثر ذلك بــــ بغداد وأمصار العراق وانتشر منها الى غيرها " (52) .
3 - انتقال الغناء المشرقى الى المغرب والأندلس : (زرياب)
ولم ينقطع حتى القرن الثالث عصر زرياب ( 173 - 243 ه.) سند السنة الغنائية التى غرست وتدعمت فى الحجاز ، ثم اكتملت في العراق . فقد سلك بها تلميذ اسحاق الموصلي مسلكا آخر فنقلها الى الأندلس سنة ( 207 ه . / 822 م .) بطلب من الأمير الحكم الأول بن هشام ( 180 - 206 ه ./ 796 - 822 م . ) بعد أن أذاعها فى عهد زيادة الله الأول ( 201 - 223 ه . / 817 - 838 م . ) بــــ القيروان عاصمة افريقية الأغلبية حيث تأصلت يومئذ الأوضاع العربية وتقاليدها بما فى ذلك السنة الغنائية التى امتدت بما لحقها من تطور على يد زرياب بالخصوص الى زمن الطوائف . ولما غربت شمس الأندلس انتقلت الى المغرب و افريقية وبقى أثرها الى عصر ابن خلدون . فاقرأ لمزيد تيقن من ذلك - قوله :
" وكان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه الى المغرب غيرة منه فلحق الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل امير الأندلسي ، فبالغ فى تكرمته وركب للقائه . وأسنى له الجوائز والاقطاعات والجرايات
وأحله من دولته وندمائه بمكان فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه الى ازمان الطوائف وطما منها باشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها الى بلاد العدوة بافريقية والمغرب ، وانقسم على أمصارها " (53) ونلاحظ تعليقا على ما جاء فى نص ابن خلدون من وفود زرياب على الأمير الحكم - أنه لم يره اذ توالت عليه فى طريقه اليه الأخبار " بوفاة الحكم فهم بالرجوع الى العدوة فكان معه منصور اليهودى المغنى رسول الحكم اليه فثناه عن ذلك ورغبه فى قصد عبد الرحمن ولده " (54) . وفيما تقدم من كلام ابن خلدون اشارة الى أن زرياب غلام الموصليين ومولى بنى العباس تخرج فى صناعة الغناء على " الطريقة القديمة " لاسحاق الموصلي " فتلقف من أغانيه استراقا وهدى من فهم الصناعة وصدق العقل مع طيب الصوت وصورة الطبع الى ما فاق به اسحاق ، واسحاق لا يشعر بما فتح عليه الى أن جرى للرشيد مع اسحاق خبره المشهور فى الاقتراح عليه بمغن غريب مجيد للصنعة لم يشتهر مكانه اليه فذكر له تلميذه هذا وقال : انه مولى لكم وسمعت له نزعات حسنة ونغمات رائقة ملتاطة بالنفس اذ أنا وقفته على ما استغرب منها وهو من اختراعي واستنباط فكرى وأحدس أن يكون له شأن ... " (55) فلما أحضر أمام الرشيد طلب أن يغنى بعوده الخاص لا بعود استاذه اسحاق وتفنن فى وصفه فاستبرع الرشيد ذلك الوصف وأمره بالغناء فجس وغنى :
يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح اليك الناس وابتكروا " فأتم النوبة وطار الرشيد طربا .. وقال اسحاق : والله لولا أني أعلم من صدقك لى على كتمانه اياك لما عنده وتصديقه لك من أنك لم تسمعه قبل لانزلت بك العقوبة " (56) . ولما علم اسحاق موقع زرياب من نفس الخليفة و "هاج به من داء الحسد ما غلب على صبره " صرفه الى الأندلس صحبة أهله بعد أن هدده بالاغتيال ان هو أقام على كرهه .
* الغناء فى الأندلس قبل زرياب :
ونقل حسن حسنى عبد الوهاب فى " ورقاته " من مخطوط بعنوان "متعة
الأسماع فى علم السماع " لأحمد التيفاشي التونسي المتوفى سنة 651 ه . بالقاهرة خبرا هاما أشار فيه الى ما كانت عليه الألحان والأغاني في بلاد الأندلس قبل عبور زرياب اليها وهاك ما قاله : " أخبرنى أبو الحسن على بن سعيد ( الغرناطى ) أن أهل الأندلس في القديم كان غناؤهم اما بطريقة النصارى واما بطريقة حدة العرب ، ولم يكن عندهم قانون يعتمدون عليه الى أن تأثلت الدولة الأموية وكانت مدة الحكم الربضي (من سنة 206 ه . الى سنة 238 ه .) فوفد عليه من افريقية من يحسن غناء التلاحين المدنية فأخذ الناس عنهم الى أن وفد الامام المقدم فى هذا الشأن على بن نافع الملقب (بزرياب) غلام اسحاق الموصلي . . . " ( 57 )
* دور افريقية فى نقل الغناء المشرقى الى الأندلس :
ومن هذا الخبر تفهم أن الطريقة المشرقية فى الغناء والتوقيع التى ليست الحداء البدوى دخلت بلاد الأندلس عن طريق افريقية فى أوائل القرن الثالث الهجرى ثم توطدت مع زرياب . وفي " ورقات " حسن حسنى عبد الوهاب اخبار متعلقة ببعض مشاهير المغنيين المشارقة المدنيين والبغداديين الوافدين على القيروان ورقادة وقرطبة قبل قدوم زرياب الى المغرب وبعده ومن ضمنهم مؤنس المغني الذي لقن الصنعة للجوارى فى قصور رقادة وظل فى خدمة الأمراء الأغالبة حتى سقوط دولتهم سنة 296 ه . ثم دخل فى خدمة عبيد الله المهدى ومات سنة 314 ه .
وكان عبد الوهاب بن حسين بن جعفر حاجب الدولة الفاطمية مولعا بضرب العود وصنعه اللحون وقد عرف به صديقه ابراهيم الرقيق مؤرخ القيروان ومن جملة ما قال عنه : " كان لا يطرأ من الشرق مغن الا سأل من يقصد لهذا الشأن فيدل عليه ، فمن وصل اليه منهم استقبله بصنوف البر والاكرام وكساه وخلطه بنفسه ، ولم يدعه الى أحد من الناس ، فلا يزال معه فى صبوح
تجلى لك الآن ما لحق غناء أهل افريقية والأندلس من تطور بورود المغنين المشارقة الحجازيين والعراقيين عليهم ، ولعلك أدركت أيضا أن السنة
وغبوق وهو يجدد له فى كل يوم كرامة حتى يأخذ ما عنده من صوت مطرب أو حكاية نادرة " ( 58 ) .
الغنائيه المشرقية تكيفت بحسب ذوق أهل كل إقليم ولحقها من لقاح غنائهم القديم ما اكسبها فى كل قطر طابعا متميزا لم يغب عن أحمد التيفاشى ملاحظته فى كتابه " متعة الاسماع فى علم السماع " كما يلى : " فأما أهل افريقية فان طريقتهم فى الغناء مولدة بين طريقتى اهل المغرب والمشرق ، في أخف من طريقة اهل الأندلس وأكثر نغما من طريقة أهل المشرق ، وكذلك أشعارهم التى يتغنون بها هي أشعار المولدين " ( 59) .
والمؤرخون مجمعون على أن مؤصل السنة الغنائية المشرقية ومطورها فى المغرب عامة هو - دون شك - زرياب والمتخرجون عليه وقد احدث انتقاله الى الاندلس تحولا فى تاريخ حضارتها اذ لم يقتصر دوره هنالك على غرس الطريقه الغنائية المشرقية التى أخذها عن اسحاق الموصلى وزاد عليها من اختراعه ما ادهش الرشيد بل سن للأندلسيين بالاضافة الى مراسم الغناء ضروب الظرف وآداب المجالسة ولطف المعاشرة ومهارة خدمة الملوك وعلمهم ألوانا مستحسنة من الأطعمه وفن التجميل وزاد فى أوتار عوده وترا خامسا اختراعا منه وعوض مضراب العود من مرهف الخشب بقوادم النسر وكان يحفظ " عشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها " ( 60 ) .
وملأ اسم زرياب بلاد الأندلس . وما هو الا ان سمعه عبد الرحمن الثاني بن الحكم ( 206 - 238 ه . / 822 - 852 م . ) " فاستهوله واطرح كل غناء سواه
وأحبه حبا شديدا وقدمه على جميع المغنيين وأكرمه غاية الاكرام وأدنى منزلته " ( 61 ) . ولكن خبره نسى بالمشرق " إذ لم يكن اسمه شهر هنالك شهرته بالصقع الذي قطنه . . . " ( 62 ) حتى أن أبا الفرج الأصبهانى لم يذكره فى موسوعته " كتاب الأغاني " الا عرضا فى سياق خبر عن حنين علويه فى غنائه يوما بمحضر المأمون الى بني أمية وكان قد صحبه الى الشام وطاف قصور بنى مروان بدمشق فنظر اليه الخليفة مغضبا ولعنه ولعنهم فقال المغني : " أتلومني على أن أذكر بني أمية ؟ هذا مولاكم زرياب عندهم يركب فى ثلاثمائة مملوك ويملك ثلاثمائة ألف دينار سوى الضياع والخيل والرقيق وأنا عندكم أموت جوعا " (63) .
وأورد أبو الفرج عديدا من الأخبار أشار فيها الى مسالك أخرى للغناء العربى ومنها مسلك من الحجاز الى بلاد الروم مع الصلت الوابصى الذى حده فى الخمر ( عمر بن عبد العزيز ) ( 99 - 101 ه. / 717 - 720 م . ) وهو أمير الحجاز فغضب فلحق ببلاد الروم وتنصر ، فمات هناك نصرانيا " (64) ومنها ايضا مسلك من الحجاز الى اليمن مع الغريض فى أيام سليمان بن عبد الملك (96 - 99 ه .) ولكن غناءه كسد عند قوم لم يفهموه فأبكاه إعراضهم عنه وإنكارهم لعوده ( 65 ) .
ونعلم ايضا من مراجع أخرى انتقال الطريقة الغنائية الحجازية من موطنها مباشرة الى الأندلس بواسطة القيان ومن بينهن الثالوث الشهير " فضل " و" علم " و" قلم " اللائي تخرجن على المغنيين بالمدينة ثم جلبن الى بلاط عبد الرحمان الثاني بن الحكم بقرطبة فأطربنه فى مجالسه وانجبت كل واحدة منهن ولدا له ( 66 ) .
وانتقل الغناء ايضا من العراق الى الشام كما كان الشأن مع ابراهيم الموصلى (67) وحنين (68) وعلويه المغني (69) . وللطريقة المشرقية فى الغناء مسالك اخرى عديدة لو دخلت فى تفاصيلها لطال البحث وخرج بي عن الحدود التى أردتها له ولكنى أكتفى بهذا المقدار الدال على أن جميع تلك المسالك تشهد بامتداد السنة الغنائية الى اطراف العالم الاسلامي حتى عصر أبى الفرج بعد أن رسخت فى الحجاز واكتملت فى العراق بتزاوج الأنغام العربية والفارسية والرومية فضلا عما لحقها من لقاحات أخرى آلية ونغمية كما فى الموشحات والأزجال ، ثم تواصلت تلك السنة فى الأندلس وفي افريقية والمغرب حتى بقى منها " صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها " ( 70 ) فى عصر ابن خلدون اذ أن صناعة الغناء فى نظر علامتنا التونسي هي " آخر ما يحصل فى العمران من الصنائع لأنها كمالية فى غير وظيفة من الوظائف الا وظيفة الفراغ والفرح وهي أيضا أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه والله أعلم " ( 71 ) .
نعم إن تراجع العمران وتناقص الدول فى الأندلس وافريقية والمغرب كان ينبئ زمنئذ - كما توقع ذلك ابن خلدون - بقرب انقطاع سند السنة الغنائية التى تتبعت اطوارها فى هذا البحث بل سند الثقافة العربية الاسلامية بوجه عام طوال قرون الظلام وزمان الانحدار الحضاري .
حمام الأنف - تونس - أغسطس 1971

