) مهداة إلى الصديق الاستاذ عبدالفتاح ابو مدين (
سألني صديق من الشعراء ونحن نتحدث عن الشعر :
ما ظنك بالشعر ومستقبله ؟ وهل تراه الى تقدم أو تأخر ؟ . . قل رأيك بصراحة ! . . وتطلعت اليه فى دهشة فهو شاعر . ومصارحته بالحقيقة فيها شئ من القسوة والايلام ولكنني لا املك غير الصراحة فقلت له محاولا جهدى أن الطف الرد :
الشعر في رأيي في تأخر مستمر أقولها والأسى يملأ جوانحي - نعم يا سيدي ، الشعر في تأخر وليس معنى هذا انه يتأخر فى مادته وأسلوبه وأوزانه وبحوره . لا . فما يزال هناك شعراء نتاجهم فوق الجيد نتاج ممتاز ، ولكنني أعني بتأخر الشعر تأخر الذوق الشعرى .
نحن في عصر المادة . وقل ان نجد اليوم من يهتم بالشعر والأدب لأنه يرى أن الوقت الذى يقضيه فى قراءة ديوان او كتاب ادبي وقت يضيع سدى وخير له أن يقضيه فيما يعود عليه ينفع مادى .
على أن هناك قلة من الناس ما زالت تهتم بالشعر وتبحث عنه وتصغى اليه بكل شعورها وجوارحها . وأخشى الذي نخشاه ان تتضاءل هذه الفئة مع الزمن ثم تتضاءل فتبور سوق الشعر ومن ثم ينقرض ويتلاشى
قال صاحبى وقد طفحت نفسه بالألم : وهل هناك علاج ؟ ! قلت : لا بد لكل شئ من علاج ولكن
علاج هذا الامر يطول فى هذا الزمن الهادر والدنيا الصاخبة دنيا الحديد والكهرباء دنيا تركب رأسها وتطحن كل ما تصادفه أمامها . ومع ذلك فأنا أدلك على العلاج وهو الدعاية للشعر الدعاية الواسعة لو فرض تدريسه في المدارس والاكثار من اذاعته . وأقصد بالشعر ، الشعر
الجيد الذي يحض على الفضيلة ومكارم الاخلاق لان هذا الشعر يهذب الشعور ويرهف الاحاسيس ويعلم الشجاعة والكرم والمروءة ومبادئ الانسانية العليا والمثل الفضلى ولقد ساهم الشعر في كل عصر من العصور فى رقي الامم واستنهاض الهمم ودفع الشباب الى جلائل الاعمال وقديما كانت للشعر مكانة فى النفوس لا تضاهيها مكانة اما اليوم فواحسرتاه !
وثمة شئ آخر وهو ضرورة اذاعة الشعر على افواه الفنيين والمطربين على أن يكون المذاع منه أفضل من هذا الذي نسمعه عن الحب . والفراق . واللوعة . والشجى . والحنين . نريد أن نسمع في اغانينا الشعرية امثلة من الوطنية والشهامة والنجدة وانكار الذات .
وبعد فأنني اكتفى بهذا المجهود الضئيل أسهم به في عدد " المنهل " الممتاز عن الشعر وارجو ان يتاح لنا اليوم الذي نرى فيه ازدهار الشعر والادب وما ذلك على الله بعزيز .
