الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

مستقبلنا الاقتصادي

Share

كتب سعادة الأستاذ الكبير الشيخ محمد سرور الصبان مقالا قيما عن مستقبلنا الاقتصادي وواجب قيام بنائه على اساس متين يستطيع ان يتحمل نقل الصرح الذي يحلم بتشييده ، وان يجعله متطاولا فى السماء ، على هذا الاساس تنمية ثروات البلاد ومواردها سواء كانت ثروة مادية أو روحية أو أدبية . وبالرغم من أن مقالة كان موجزا فانه كان عظيم السعة حتى ليسع الاقتصاد كله ، ولهذا فهو بمثابة العناوين التى تتطلب المجلدات الضخمة ، وقد رغب فى أن يتجه الكتاب إلى البحث في حياتنا الاقتصادية وإلى الكتابة فى الموضوعات التى أعطاهم عناوينها ، وهأنذا استجيب لدعوته فأقول :

إننا إذا أردنا أن نبنى مستقبلنا الاقتصادى فان من الواجب قبل كل شئ أن نبنى جسم الامة وعقلها وخلقها بناء متينا حتى يسعنا ان نقيم عليه صرح مستقبلنا الاقتصادى ، وبغير هذا لا يمكن أن نبنى شيئا .

وبناء جسم الامة لا يكون إلا بالعناية الصحية التى يجعله جسما مثاليا متفجرا بالنشاط والقوة ليستطيع ان يقوم بالاعباء الثقال التى تلقي عليه ، وحالتنا الصحية ليست مرضية كل الرضى ولا بعضه ، فكثير من فراد الامة يشكو داء ، وأحسا منا ومظاهرها تدل على ذلك دلالة صارخة .

ونحن قوم متواكلون ولهذا لا تحسن الوقاية ولا نحسن العلاج ، ولكن الغفلة حصانة أحيانا ، فوقايتنا وعلاجنا هذه الغفلة التى ندرع بها ونتحصن

وبناء جسم الامة بناء صحيحا هو أول شئ يجب ان نأخذ به - حكومة وشعبا_ إذا رغبنا فى بناء مستقبلنا الاقتصادى على أساس متين ، ونطلب إلى الحكومة المزيد من نشاطها فى ميدان الصحة وتعود الناس الاخذ باسباب الرياضة والعناية بالصحة .

ويجب أن يكون قرين هذا البناء الصحى البناء العقلي والخلقي ، إن المتعلمين منا لا يبلغون ٤ % نعم لا يبلغون هذا العدد ، فسكان المملكة ستة ملايين تقريبا - وإذا تسامحنا وفرضنا ان عدد المتعلمين ٤ % وجب ان يكون عندنا ٢٤٠٠٠٠ متعلم ، وأقصد بمتعلم من يعرف القراءة والكتابة الاوليين وأما المتعلمون تعليما ابتدائيا فلا يبلغون ١٤٠.٠٠٠وإذا صعدنا قليلا إلى التعليم الثانوى نجد العدد يتضاءل ولا يتجاوز الخمسة الآلاف بل لا يبلغها ، فإذا ارتقينا إلى قمة التعليم العالي لم نجد أكثر من مائتين ، أما التعليم الذي يصل بصاحبه إلى حد الاجتهاد والابتكار فمفقود ، وهذا فقر فى العلم .

وما دمنا نفكر في بناء مستقبلنا الاقتصادى فيجب أن يجعل من آسسه التعليم الالزامى ، وإذا قدر الله ووفقنا إلى تعميم التعليم في الطبقات كلها وفي البادية والحاضرة فان وضعنا نفسه حينئذ يحتم علينا التعليم الابتدائى فالثانوي فالعالى فالاعلى ، وحينئذ تتفتح لنا أبواب جديدة للنهوض والمجد .

ولا يمكن التوفيق فى بناء الجسم والعقل والخلق إذا لم نعالج مشكلة الفقر ويجب ان نعنى بأمر الشعب حتى ينال حصته من الثروة العامة ، وفي الوقت نفسه يجب توزيع الثروة توزيعا عادلا ، ورفع مستوى المعيشة إلى الدرجة التى توفر له الراحة والاطمئنان ، وتكسبه صحة وسلامة ومناعة من الضعف والسقم ،وتزين مظهره .

إننا نعيش عيشة غير محمودة ولا تساعدنا على النشاط والعمل المثمرين ومن المحزن الا نتمتع بهية الله التى يستوي فى التمتع بها الانسان والحيوان والنبات وهي الهواء والنور والماء كما يجب ، وذلك راجع إلى الجهل والفقر ، فبيوتنا غير صحية ، والنور والهواء لا يتخللانها ، والبيوت اشبه بالسراديب يعيش معنا بها المرض ويجد من نفوسنا واجسامنا مرتعا خصيبا ، ولولا ان الغفلة حصانة - عندنا - ولولا لطف الله لقضي علينا .

ولهذا لا أتصور أن يبني مستقبل الامة على أساس انضاء مهازيل اوجهلاء أميين او فقراء مدقعين ، بل لابد للامة ان يكون بناؤها الجسمى والعقلي سليما لا خلل فيه حتى يسعها أن تمشى فى طريق الحياة والحضارة مشيا يدل على نشاط وحيوية .

كما انني لا اتصور بناء مستقبل اقتصادي لأمة لا تصنع شيئا بل تعيش في كل شئ - بلا استثناء- عالة على ما يقذف به البحر من الواردات

وإذا كنا مصممين على بناء المستقبل الاقتصادى فيجب على الشعب والحكومة ان يتجها إلى الصناعة فهى وحدها التى تستطيع أن تسود وتجلب الغنى والجمال والرخاء ، وكل أمة لا تعتمد على الصناعة فانها تعيش عالة على غيرها ، والامم الكبرى السيدة هي الأمم الصناعية ، أما غيرها فانها محكومة أو منطوية على نفسها أو عائشة فى غير مجال حيوى .

الصناعة فرض علينا ، وفي وسعنا أن نفتح مصانع للصابون والأسمنت والغزل والنسيج والكبريت والزجاج والالومنيوم والسكرتون ( المقوي ) والجلود ، والاطعمة المحفوظة .

- أما الزراعة فالالتفات اليها مشهود ، غير أننا نريد أن نثب لاأنى ندب كالنمل ، ونريد العناية الفنية التى تفيد الزراعة وأصحابها فوائد لا نقف على جنى الثمار ، بل إذا كانت الزراعة على احدث الاساليب فاننا نتمكن من تربية الدواجن والماشية والدواب ، ونتمكن من الحصول على البيض وعلى الالبان ومشتقاتها كالجبن والزبد ، وعلى الشعر والصوف .

وفي وسع البلاد كلها - إذا اهتممنا بالزراعة على أصول فنها الحديث - أن تفيد من الزراعة وما يتفرع منها ، وهي لبنات قوية فى مصرح الاقتصاد القومى ولا تكفى فيها عناية الأفراد بل لابد من اتجاه الحكومة اليها إتجاها فعليا مجديا .

واحيي بهذه المناسبة حضرة السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل الذي وجه اهتمامه إلى الزراعة حتى جعل من مزرعة القشاشية التى كانت - قبل أن يشتريها سموه بخيلة لا تجود بالخيرات والثمرات إلا ما لاغناء فيه - مزرعة نموذجية وحقل تجارب فقد اثبتت فى عهد سموه كفاءتها لانبات الفاكهة والخضروات ، كما انه عني بالدواجن والمواشى ، وسنجد في السوق بفضل عناية الأمير من هذه الدواجن المواشي كل سمين صحيح ، سليم ومن الالبان ومشتقاتها كل شئ لذيذ ونظيف . وبعد ، فان الموقع الجغرافي الطيب لبلادنا ، ومصادر الثروة الطبيعية التى حباها الله بها هوا اختلاف الآلاف اليها كل عام للحج والزيارة ، ووجود الايدى الكثيرة التى تنتظر العمل تتيح لها أن تثب وثبات بعيدة فى سبيل النهوض

اشترك في نشرتنا البريدية