أن تتكهن بشأن تطرد مقدماته وتتساق الى نتائجه أمر هين ميسور ، أما ان تتكهن بشأن تلتوى مقدماته فلا نؤدي إلى نتائج صحيحة إلا بطريق المصادفة فذلك هو الحدس المضلل الذي لا يقدم عليه حصيف ، والصعوبة المعقدة التى تتم عن سهولة خداعه كما يتم السراب عن الماء! فالحوادث التي تجرى ياعيننا تكذب كل منطق وقياس . ونحن نشاهد الحرب تندلع في أشد أوقات السلام صفاءا ! و السلام يرفرف في أشد الظروف حلوكة وقلقا ؛ ومن أجل هذا يضن الباحث بابداء رايه على ضوء ما يمر به من احداث ويتناثر في طريقه من اشاعات لا لمجرد الضن بالرأي يبديه ؛ ولكن لكثرة ما تمنى به الآراء من خيبة في هذه الآيام! ومستقبل البشرية الان في كفة القدر ، وسيكون لذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة المتوقعة ، لا يستطيع أحد ان يتكهن بما سيكونه إلا ان يجزف بالرأى خطؤه اكثر من صوابه . . وتتابع الحوادث المتناقضة يغرى الحكيم بالترييث قبل إطلاق الحكم، ويتوقع الغلط اكثر من توقع الصحة.. فقد كان معظم الناس قبل نشوب الحرب العالمية الثانية يتنبأ بفوز هتلر واشياعه على الحلفاء لفخامة استعداده وقوة روحه وشدة اخلاص اتباعه واندناعهم في سبيل المبادئ التى غرسها فى نفوسهم فجرت منها مجرى الدم كانوا يرون هتلر وموسوليني يامران فيطاعان بلا تهيئة ولا مقدمات ولا محاسبات .
وما هكذا زعماء الجبهة المقابلة الذين يجدون لكل رأي معارضة وبكل سبيل خصومة ومنازعة ، وعلى كل قول او فعل حسابا وتدقيقا !! وقوات الحوادث باخذ بعضها برقاب بعض ، وكل الدلائل تدل على اندحار الديمقراطيات وانتصار الدكتاتوريات مما سيحدث فى العالم انقلابا عظيما . . كان هتلر لا يتورع عن المجاهرة بتفاصيله ! فماذا حدث ؟ لقد خيبت النتائج كل حدس وتخمين واختفى هتلر بعد أن انقض عنه بعض انصاره ، وانتحر البعض وأسر الباقون و شردوا كل
مشرد ! وبعد ان ترك المانيا انقاضا وأطلالا ، وترك اهلها مستعبدين مستذلين محرومين من مقومات الحياة الضرورية التى قد تتيسر للحيوانات ولا تتيسر لهم ! ولم يكن مصير موسوليني بأحسن من مصير هتلر فقد ديست ايطاليا بالاقدام ، وقتل موسوليني بايد ايطالية بعد ان ذاق من الهوان الوانا لم يذقها رجل الشارع الحقير ! وأمست في شر حال من العوز والذل والخراب والاستبعاد !
اما اليابان التى لم يكن احد يحلم بانهيارها السريع فقد شربت من الكأس التى شربت منها حليفتاها ، وغدت مستعمرة اميريكية يتصرف فيها " ماك ارثر ، كيف يشاء ، ويذيقها من الاذلال والتحكم والاستغلال ما لم يخطر بالبال ! ! هذا ما اسفرت عنه الحرب العالمية الثانية . فهل كانت هذه نتائج صحيحة لمقدمات مستقيمة ؟ ! وهل كان احد يتنبأ بما وقع وهو يرى هذه الدول الثلاث الكبرى فى عنفوان مجدها وجبروتها ؟ ! وهل كان تشرشل وروزفلت يحلمان بعشر معشار هذا الانتصار بعد ان هربت بريطانيا العظمى جواهر التاج من جزرها الى كندا ؟ ! وبعد ان كانت سحب الطائرات الالمانية تمطر انكلترا كل يوم بالموت الزؤام وترسل عليها آيات الخراب والدمار ؟ ! وبعد أن منيت الولايات المتحدة بالهزائم المتتابعة فى جزر المحيط الهادى وطردت هى وحليفتاها : بريطانيا وهولندا من اندونيسيا والقلبين ؟ ! الجواب : لا. .(بملء الفم) . ولكن ما وقع قد أخلف الظنون وسخر من المنطق ! فقد انتصر الحلفاء على المانيا وحلفائها انتصار آساحقا ومزقوهم شر ممزق . ولا يزالون يحكمون بلادهم بالعسف والارهاب . . وقد كان الناس يظنون بعد انتصار الديمقراطيات على اعدائها أنها ستوطد اقدامها فى الارض ، وستدين لها الشعوب قاطبة بالولاء والطاعة ، وسيعتنق الناس مبادئها برغبة واختيار ، فالدول التى تمثلها هي اقوى دول الارض واغناها واكثرها علما وحضارة . والعالم كله فى حاجة ماسة الى التعمير والقباتة بعد أن خرج من الحرب مهيض الجناح منهوك القوى ، وليس اقدر من الديمقراطيات على هذا العون الذى ينشده . فماذا وقع ؟ هل دانت الشعوب للديمقراطية كما كان ينتظر وكما يقضى به المنطق السليم والأمر الواقع ؟ وهل أخذ الناس بمبادئها باعتبارها أنها مبادئ النصر الدالة على القوة والرشاد ؟ كلا . فان الديمقراطية قد كسبت ميادين
الحرب وخسرت ميادين أخرى لا تقل عن تلك اهمية وخطرا لانها تنمرت بعد النصر وقلبت ظهر المجن لكثير من حلفائها الضعفاء الذين ناصروها بدمائهم وأموالهم وأباحوها بلادهم ميادين حرب ومعابر جيوش ومخازن غلال وعتاد!! فاثبتت بذلك انانيتها وضعفها المستكن خلف القوة البادية ! ودلت على قصر نظر وضيق افق ، فانصرف الناس عنها مشمئزين يبحثون عن الغوث . وشاءت المقادير أذ لا يعدموه فوضعت أمامهم الشيوعية وهي فى أو ج قوتها وسلطانها ولكن الشيوعية خطرة كالسلاح ذي الحدين أو كالهرة التى تأكل بنيها إذ عدمت الطعام ! وان كانت تتظاهر بالوداعة وبحماية الطبقات الدنيا ، وتنادى بضرورة المساواة بين الناس . .
والعالم حائر لا يدري أى سبيليه يسلك . فهو موتور من الديمقراطيات التى هزأت به واستغلته اكثر من مرة فاكلته لحما ولفظته عظما او خالف متوجس من الشيوعية لانها -كما يشاع عنها- تكتم الانفاس ، وهو لا يؤثر شيئا على الحرية ! ولانها تنادى بمبادئ لا يمكن تطبيقها عمليا على البشر لتنافيها مع طبائعهم وتقاليدهم ومثلهم.. ولكن هذه الحيرة لن تطول ، فمحال ان يعيش الناس طويلا فى مثل هذا التارجح ، وسينقلبون الى احد المعسكرين ويعتنقون مبادئه متى لاحت لهم بارقة أمل فى المفاضلة والاختبار . وهذا ما يعمل له كلا المعسكرين بسخاء واستماتة . . فالولايات المتحدة تتقرب الى شعوب العالم وحكوماته بمشروع "مارشال" الذي يساعد العالم مساعدة مادية ، ولكنه يربطه الى "عجلة الدولار" !! وروسيا تبث اعوانها وتبذل الاموال الطائلة فى سبيل "تشييع" العالم وهي تستعمل الوعد والوعيد في هذا السبيل بحسب الظروف والملابسات ! وما يعلم الا الله ما سيسفر عنه الصراع الذي لم يصل بعد الى حد الاشتباك ، وان كان يفوقه هولا وفتكا بالاعصاب . . وسواء كسبت الشيوعية المعركة ام الديمقراطية فان النتيجة -بالنسبة لشعوب العالم- واحدة لن تختلف عن عكسها كبير اختلاف ! فالديمقراطية معروفة الاساليب . وقد خبر الناس من افعالها واقوالها ما يكفيهم للحكم عليها بما تستحقه.. وهى لن تنسلخ من طبيعتها فتذيق الناس لبنا وشهدا بدلا من العلقم المعتاد الا اذا شاء ذلك مغير الطبائع ، فاذا هي انتصرت على الشيوعية واكتسحتها فلن ينتظر احد منها العدالة التى تتشدق بها والحريات التى تقدسها
وتحارب من اجلها كما -تزعم- الا اذا حدثت المعجزة . . وسيطل الاستعمار على العالم في ثوب جديد واسم خلاب فيستغل ويتحكم!! وستكون الكلمة العليا للرأسماليين الذين يدبرون الحركات من خلف ستار وينسبون الى غيرهم ما يصنعونه !! وسيظل الضعيف ضعيفا مستباحا ما لم ينشد القوة من طرقها الصحيحة ويصبح ذئبا فى القطيع يبحث كغيره عن فرائس!! وسيظل الفارق الكبير بين الطبقات قائما ان لم يزدد سوءا بسبب زيادة استفحال القوة وتدهور الضعف !
اما اذا انتصرت الشيوعية فسوف تدخل في طور جديد بعد ان زالت العوائق الكبرى من طريقها وأصبح الطريق ممهدا أمامها للاصلاح الاجتماعي الذي تتغنى به ! فهى تشكو الآن من ضغط الرأسمالية ومعاكساتها ووقوفها فى سبيل رفاهية البشر وحسن توزيع الثروة . فاذا زالت الرأسمالية او زالت اعتى مظاهرها من الوجود فمم تشكو ؟ ! ولن يقوم لها عذر اذا ما فشلت فى تعميم نظام عال بجعل الناس سواسية او ما يقارب هذا . . ولكننا نتنبأ منذ الان بأنها ستفشل لأنها فى ذلك الحين تكون قد عدمت الحافز للنضال!! ولان زعماءها غير مخلصين فى دعوتهم لأنهم مثقفون خبيرون بطبائع البشر وذوو مطامح لا ترضى بالسواسية وهي تنشد الرجحان والسيادة !! ولان طبائع البشر نفسها لن تهضم هذه المساواة الجبرية التى لاعدالة فيها ولا انصاف . . فمن غير الحق ان يتساوى او يتقارب الافذاذ العاملون والأغبياء الخاملون . ونظام هذا العالم الواقعي منذ فجر التاريخ حتى اليوم يدفع هذه النظريات الخيالية وبدحضها بقوة . ونعتقد أنه لن برضاها فى المستقبل كما فعل فى الماضى.. ولهذا فان انتصار الشيوعية قد يكون أوخم عواقب من انتصار الديمقراطية لانه بوقع العالم فى ارتباك وفوضى ويجعله فريسة لأهواء فردية قد الفت السيطرة والاستبداد ، وتعودت على ان تتلاعب بمقدرات الجماهير وتتحكم في مصايرهم فصارت ما تطيق الا ان تكون مطاعة محترمة حتى ولو لم تكن اهلا للطاعة والاحترام!!
ان الحرب العالمية الثالثة ستشب فى يوم من الايام.. وسيكون وقودها الناس والحضارة . وستكون من اعنف الحروب التى شهدتها البشرية واقساها
واوحشها مصاير . . ولئن انتصرت الديمقراطية او الشيوعية فان العالم سيظل سائرا فى طريقه ذا الوان وصور ونوازع ومبادئ متعددة.. فلن تستطيع دولة ولا مبدأ مهما عتا وتطاول ان يحمل الناس كلهم على اعتناقه . . وتاريخ البشرية يؤيد ما نقول فلم يستطع احد من قبل ان يقول للعالم . . هذه كلمتى فأطعها فيحنى العالم له رأسه ويطيع . . ولن يستطيع احد فيما يستجد من أيام ان يقول مثل هذه الكلمة الا اذا عصف برأسه الجنون ، و شاء له نكد الطالع ان يتحطم
ونعتقد ان المهمة الكبرى للحرب الثالثة هي فى اعطاء درس خلقي لهذا العالم المادى المتفاعل . فالحضارة التى يقودها العقل وحده حضارة محكوم عليها بالزوال ما لم تعتصم بالخلق مهما بدا كيانها وطيدا . فاذا نجحت تلك الحرب فى هذه المهمة الجليلة فسيغتفر لها العالم كل ما يجر "عليه من كوارث وخراب لان الثمن لن يكون باهظا ولهذا فاننا نميل الى التفاؤل قليلا . ونأمل - بالرغم من الدروس السابقة - ان تخفف الديمقراطية - اذا انتصرت - من حدتها المادية وتقارب بين الفوارق والطبقات وتعمل على اقرار مبادئ العدالة بين الناس جهد المستطاع . . وتؤسس مؤسسات دولية "حقيقية" تهدف الى السلام وتعمل له باخلاص تؤازره القوة الحاضرة التى تردع الباغي وتنصف الضعيف ! !
كما ترجح ان الشيوعية -اذا انتصرت- فستكفكف من غلوائها ويجنح الى اشتراكية معتدلة ممكنة التطبيق . . وسيكون زعماؤها اكثر رزانة وحصافة بحيث يتخلون عن عنجهيتهم فيشاركون الجماهير فى افراحهم واحزانهم وآمالهم ، مشاركة فعلية . . ويتنزلون من عليائهم الى الارض التى يضطرب فيها الناس فيعيشون بينهم زعماء تسودهم الاهلية والاخلاص والامانة . لا الجبروت والمراوغة والخواء وبذلك تضيق المسافة بين ما يقال له شيوعية وديمقراطية حتى لا يكون بينهما كبير فرق يضطرهما الى النزاع والتقاتل.. وبذلك يكون الناس احرارا فى اعتناق ما يرتضونه من مبادئ ضمن هذا النطاق الجماعي المفيد المتقارب . . وبذلك يتعاون العقل والاخلاق على قيام صرح الحضارة باذخ ثابت الاساس متين البنيان . . وبذلك -وحده- يكون للبشرية مستقبل طيب مأمول .

