الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

مستقبل الغرب، ( تأليف ج . د . بويز )

Share

فى جلسة هادئة وفى احدى الليالى الكثيرة التى كنا نقضيها ونحن نترقب ما تخرجه لنا المطابع .. قبل ان نطوى آخر صفحة من صفحات يومنا ذاك .. فى تلك الجلسة دار نقاش ادبى بيننا نحن الثلاثة : الاستاذ عبد القدوس الانصارى والاستاذ حمزه بوقرى وكاتب هذه السطور .. وكان الاستاذ عبدالقدوس يمثل الفكرة القائلة بان فى ادب العرب كفاية للعرب ولا حاجة لهم مطلقا الى تتبع الآداب الغريبة وتقديمها على التراث العربى القيم الخالد ذلك ان انهماكنا فى الآداب الغربية ونبذنا للآداب العربية هو استعمار فكرى أشد هولا من الاستعمار السياسى وغيره . انما الذى نحتاجه من الغرب هو الصناعة ووسائلها والمخترعات العلمية ووسائل الاقتصاد ، وجرنا الحديث الى حضارة الغرب المادية .. واتفقنا والحمد لله على ان هذا النوع من الجضارة الذى يتحول الانسان فيه الى مجرد آلة لا يمكن ان يستمر ولا ان يجدى الانسانية وان هناك دلائل منه تشير الى احتمال انهياره .. واستعرضنا شيئا مما يؤيد هذا الرأى .. وكان من ضمن ادلتنا تلك هو هذا الكتاب الذى يعتبر دليلا قويا على عدم ثقة مفكرى العرب أنفسهم بمستقبل مدنيتهم .. واستمر النقاش مدة كان خلالها الاستاذ عبد القدوس يصر على اننا لسنا فى حاجة الى الغرب فى الادب وان ادبنا العربى فيه الكفاية لنا ولو حاولنا درسه واستيعابه لاستغنينا عن كل ما يردنا من الآداب الاخرى وانما حاجتنا الى الغرب مقتصرة على التنمية الصناعية والاقتصادية التى برزنا فيها فى العصر الحديث لا الآداب الاخرى بينما كان الاستاذ حمزة يؤكد ان هناك تراثا غربيا يوصف بانه تراث انساني .. ويجب علينا نقله الى لغتنا اذا لم يكن ممكنا الاطلاع عليه فى لغته ونفى أن يكون هذا النوع من نقل الآثار يشكل خطرا على شخصيتنا او مستقبلنا بدليل ان جميع شعوب العالم تبادلت ترجمة آثار بعضها بدون ان يكون فى ذلك اى محو لشخصيتها

بل ان الادب العربى نفسه قد ترجم منه الشىء الكثير الى اللغات الأخرى ولكن الاستاذ عبد القدوس ناهض هذا الراى باننا فى مبدا نهضة ونخشى من المنبطات والرواسب التى تبقى فى اذهان ناشئتنا من هذه الآداب اذا هم عكفوا على دراستها ونقلها فانهم يظلون يقدسونها ويدعون الى اهلها خفية وينبذون ادب العرب ..

وعلى كل .. ومهما يكن الامر فلو لم تكن لتلك المناقشة من نتائج الا انها أدت الى تلخيص هذا الكتاب وعرضه لكفى ..

ان حوادث الساعة فى العالم العربى لتحمل وراءها احداثا كبيرة وعظيمة قادمة .. كما انها تنبىء عما سيكون فالعرب اليوم كقوة لها شأنها فى سير التاريخ اذا اتحدت وشكلت وحدة متماسكة .. وسيكون لها أثر فعال فى سير حضارات العالم .. اذ أن امة حملت مشعل الحضارة لقرون عديدة لا بد لها ان تعود برسالتها الخالدة لتقوم بنصيبها لتراث الانسانية جمعاء .. وعلينا نحن فى هذه الفترة ان نبحث ونستقصى فلسفات العصر الماضى والحاضر ، لنرى ما يقوينا ويشد من ازرنا ، ونبعد ما يؤدى بنا الى الفشل .. ويشاء القدر أن يقع على كاهلنا اختيار الخطوة التى سنخطوها نحو المستقبل فى هذه الفترة الحاسمة        تاريخ العرب وحدهم بل فى               العالم كله ..

الى ثلاثة اقسام : العالم الشيوعى .. والعالم الغربى والدول الآسيوية والأفريقية .. التى تحررت والتى فى طور تحررها

فما هو مدى تأثير هذا الانقسام على العالم وحضارته ؟

ان اتساع رقعة الشيوعية ، وتكتل الدول المتحررة فى آسيا وافريقيا ليقودنا إلى التساؤل .. هل حان اجل الحضارة الغربية ؟

ان كتابا بعنوان «مستقبل الغرب» مؤلف من اربعمائة صفحة لـ ( ج . ج . دى بويز ) يستعرض حضارة الغرب ومستقبلها .. والاطلاع على

هذا الكتاب قد يرينا بعض الشىء .. النظرة التى ينظر بها الغربيون الى حضارتهم .. والطريقة التى يعالجون بها الموقف .. ومدى تقديرهم للاخطار ..

والكتاب مقسم الى ثلاثة اجزاء : الجزء الاول .. يتكلم فيه عن نشوء وانقضاء الحضارات فى العالم .. ويستعرض فيه أشهر نظريتين وهما نظرية ( شبنجلر ) الفيلسوف الالمانى و ( تونبى ) المؤرخ الانكليزى .. ويورد فيه امثلة قليلة لنظرية ( نيقولا دنلفسكى ) الروسى ..

والجزء الثانى يتكلم فيه عن الحضارة الغربية فى الوقت الحاضر .. وفى أى طور هى .. وما يقف أمامها .. ومعها

وفى الجزء الاخير يتكهر ... ويستنتج على ضوء شرحه السابق

الاشياء التى سوف تستجد .. وبمعنى أصح .. مستقبل الغرب .. ويعقد مقارنة فى حالة السلم والحرب بين دول العالم ..

اذن .. فان دراسات كهذه ترينا أين نقف نحن من اعينهم .. واين هى مراكز القوة التى يرتكزون عليها فى تعليلهم .. وما هى نقط الضعف ..

والمؤلف اوروبى من هولندا .. ومع انه قال فى مقدمة كتابه انه « اى الكتاب » عبارة عن عرض واف للنظر بين نظرية ( شبنجلر وتونبى ) الا انه لم يعط شبنجلر حقه من الشرح .. أو التحليل .. بل كان يتحامل عليه فى اكثر الاحيان .. بينما كانت نظرية ( تونبى ) تستهويه وتحمله على الافاضة فى الشرح والتعليق .. ويكفى ان تعلم ان الفصل المعقود عن شبنجلر لم يستغرق أكثر من خمسين صفحة .. ولعل هذا راجع الى ما يحس به المؤلف من الغيظ والغضب نحو شبنجلر .. القائل بان الحضارة الغربية بدأت فى الانحطاط والتقهقر والذى اورد من الادلة والبراهين ما أثبت ذلك ..

وفى المقدمة يقول المؤلف .. ان ألفا من السنين .. مرت على أول شعلة من الحضارة الاوروبية .. ثم بدأت بعد ذلك تلقب بالحضارة الغربية بمجملها .. وانها اليوم فى رأيه لاقدم فى العمر .. وجروحها أعمق .. وأفق التاريخ أمامها أوسع ..

ولكن السؤال الذى يتردد على

لسان الانسان المعاصر : ما هو المخبأ لهذه الحضارة فى المستقبل ؟

منذ خمسين سنة مضت .. لم يكن مثل هذا السؤال يتردد الا على ألسنة بعض الفلاسفة والمؤرخين ..

لقد كانت أوروبا واثقة بنفسها ، لدرجة انها كانت تعتقد عن يقين انها ستحكم العالم .. بثقافتها .. وبرأس مالها .. وانتاجها حتى نهاية الدنيا

واليوم نجد ان ثلث سكان العالم يدينون بأفكار موجهة رأسا ضد الحضارة الغربية .. وفى باقى العالم فان هذه الحضارة نفسها .. قد حوربت داخليا .. وخارجيا . الامر الذى جعل بقاءها ونجاتها محل شك وريبة ..

ولم يعد السؤال مجرد بحث وتكهن عن المستقبل .. بل ان السؤال أصبح الآن .. كيف ستكون حقيقة هذه الحضارة .. لاطفالنا .. بل لانفسنا فى بضع عشرات السنين المقبلة .. لقد صورها ه . ج . ولز

وهكذا فان البحث الذى كان يخص المفكرين والفلاسفة وحدهم .. انقلب الى مسألة حياة أو موت .. ان السؤال الذى يتردد على لسان عبقرى قبل الحرب العالمية الاولى .. والذى ظن انه مجرد نظرية فكرية بحتة ، قد تبلور اليوم ليكون الحقيقة البشعة .. ( هل الحضارة الغربية واصلة إلى حتفها ؟ )

ويستمر المؤلف بمرارة يتساءل

هل اختارنا القدر نحن ابناء هذا العصر لنشاهد سقوط هذه الحضارة الضحمة ؟ .. وان نرى شوارع لندن ونيويورك خاليه من الملايين لتصبح خرائب ؟ .. وهل اطفالنا .. الذين هم فوق كل شىء .. يستطيعون الحياة فى دنيا لا تزال الحياة فيها تستحق العيش ؟ أم أنهم سيكونون أناسا آليين يخضعون لدكتاتور مطلق يحكمهم من مكان ما .. بعيد ؟

حياة وموت الحضارات     ان فكرة « ان التاريخ يعيد نفسه فى سقوط ونهوض الحضارات » .. ليست من اختراعنا .. هذه الفكرة كثيرا ما كانت أساسا ثابتا لابحاث كل من ( ستويسك .. ما كفلى .. مونتجن .. وآخرين كثيرين )

ففى سنة ١٨٦٩ م كتب ( نيقولا دنلفسكى ) عدة مقالات أثبت فيها هذا الرأى بالبراهين والامثلة القاطعة .. وامتازت كتابته بتعمق فى بحث أصول حضارات العالم كله وكان ان استنتج ان الحضارة الاوروبية ليست هى الحضارة العالمية ..

وان استنتاجا كهذا .. كان غريبا فى ذلك الوقت اذ ان الحضارة الغربية ليست هى الوحيدة .. والمجددة .. ولكنها واحدة من عدة حضارات .. ومحيط الحضارة الغربية هو محيط الحضارة الرومانية الجرمانية

ان مجموع تاريخ الانسان مؤلف من عدة ثقافات تاريخية مختلفة .. وكل منها له شخصيته وله فضله ..

ومجهوداته التى يقدمها لمجموعة ثقافه بنى الانسان كلهم ..

بقسم دنلفسكى الناس الى ثلاث مجموعات .. حسب الدور الذى يعلبونه فى الحضارة ..

١ - العاملون وهم الذين يصنعون ويبدعون

٢ - الذين يعلبون دورا سلبيا .. أو دورا مخربا بمساعدتهم على امانه حضارة فى النزع الاخير .. كالمغول والترك فى أوائل أيامهم ..

٣ - الذين لا يصلون إلى درجة الحضارة ولا يمثلون دور المخربين للحضارات الهرمة .. وهؤلاء هم الذين لا يعملون تاريخا سواء كان سلبيا أم ايجابيا . ولكنهم مستعملون من قبل الايجابين أو السلبيين

وتمر الحضارة فى مراحل ثلاثة :    الاولى : مادة السلالة البشرية التى ربما تمتد لآلاف السنين وتنتهى بالاندماج فى سلالة نقية تحيا حياة جماعية حية ..

والمرحلة الثانية أو الوسطى : وهى عبارة عن مرحلة عملية البناء الثقافيه وايجاد السياسة الحرة .. أى جمع وتوحيد القوى المبدعة اللازمة للمرحلة القادمة ..

والمرحلة الثالثة والأخيرة .. مرحلة الحضارة .. فى هذه المرحلة يصل الطابع الثقافى التاريخى مجده وعنفوان قوته المبدعة .. وهذه المرحلة اقصر المراحل .. اذ انها لا تدوم أكثر من

اربعة الى ستة قرون .. لان قوتها الابداعية تنضب .. وليس هناك حضارة تستمر فى التقدم بدون نهاية ولان طبيعة الطاقة العاملة لدى البشر تسير الى الانهيار دائما .

وهكذا فان هذا النضج والازدهار يتبعه انهيار الحضارة والذى قد يعتبر مرحلة رابعة ..

وهذا القانون .. كقوانين كثيرة فى الطبيعة .. فالحرارة فى اليوم مثلا تكثر بعد أن تمر الشمس وسط السماء ، أو كالرجل يشعر ان أعلى نقطة فى حياته هى عندما يبلغ منتصف العمر .. أى بعد المرحلة التى ينتهى فيها أعظم انتاجه ، وهكذا فان الانهيار الداخلى فى الحضارة يبدأ فيها وهى لا زالت فى الاوج .. هنا يأتى دنلفسكى بمثل .. هذا المثل هو او أوروبا بالذات فيقول :

كلما ضعفت القوة الانتاجية المبدعة قويت الرغبة فى الامتداد والتحكم

وانحطاط الحضارة الاوروبية طبقا لنظرية دنلفسكى .. بدأ فى القرن السابع عشر الميلادى . ولكنه .. لم يظهر للعيان الا فى القرن التاسع عشر القوة المبدعة والمغالاة فى الاستهزاء ويقول : لقد بدأ هذا الانحطاط بضعف والرغبة فى التسلط على العالم فى ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة

وبسبب رغبة أوروبا لفرض ثقافتها على كل العالم .. فانه ليس من الممكن

ايجاد صداقة بينها وبين الحضارة الروسية .. التى تعتبر وظيفتها التاريخية أن تحدد شهوة أوروبا للتسلط ..

ويستمر دنفلسكى قائلا : ان الحرب بين الحضارة الاوروبية والحضارة السلافية واقع ..

ان هذه الاقوال أقرب الى الواقع الآن من اليوم الذى كتبت فيه

نظرية اوزولد شبنجلر شبنجلر .. هذا العبقرى الفذ .. تنبأ بمصير الحضارة الغربية كاملا .. فقد أخرج كتابه المشهور ( انحاط الحضارة الغربية ) سنة ١٩١١ فى مجلدين ضخمين .. وعندما انهى آخر سطر فيه ثارت أول طلقة فى الحرب العالمية الاولى التى قذفت بالعالم الى عصر جديد مختلف .. وكانت تقديرات شبنجلر ابان هذه الفترة من أيام الحرب تظهر واضحة مما يدعو الى الدهشة .. وفىخلال الحرب ادخل على مؤلفه بعض التحسينات حتى خرج فى نهايتها مقدرا مصير الحضارة الغربية كلها ..

لقد اثر هذا الكتاب فى أوروبا المرتجفة المهزوزة .. وزعزع اعتقادها انها لازالت قائدة العالم الطبيعية .. ومنبع الثقافات ..

ثم بعد الحرب العالمية الثانية ازداد الاهتمام لنفس السبب .. بآراء شبنجلر ..

بيس من السهل شرح نظرية شبنجلر فى سطور .. اذ انها وسعت مجلدين فى لغة عميقة مستعصية .. ولكن بتبسيطها لدرجة ما لتمثل جميع القوى فى طبيعة الحضارات تتبع طريقا عاما .. من الميلاد .. الى النمو الى الانحطاط .. ثم الموت ..

ولانه من الممكن أن تسحب خطا بين حياة الحضارات المختلفة وتقارن الاطوار المتتابعة لكل حضارة كما هى ممثلة فى شكل سياستها .. واقتصادها .. والدين .. والفن .. والعلوم .. ونواح أخرى من الحياة الاجتماعية المتنوعة .. فان شبنجلر يقدم هذه المقارنات فى مئات من الامثلة مع الناتج الذى يكون فى كثير من الاحيان مدهشا عجيبا لتطابقه

وعلى هذا يبنى شبنجلر ( علم تركيب الحضارات ) أى علم حياة وموت الحضارات ..

وهذا العلم .. اذا كانت اسس مقالة شبنجلر فيه صحيحة .. لا يساعدنا فقط .. لخط مقارنات بين مراحل الحياة القديمة .. بل نسطيع كذلك أن نتكهن عن الطريق الذى ستسلكه حضارتنا فى المستقبل .. هذا ما فعله شبنجلر .. وهذا هو الذى طبع العالم الغربى بطابع عميق من الالم ..

يعطى شبنجلر اربعة مراحل للحضارة هى :

بدائية .. ومبكرة .. ونهائيه ومتحضرة ..

وميلاد الحضارة .. يظهر على شكل اسلوب قوى فى ميدان الفن أو العلوم أو الدين .. واعتماد على هذه الظواهر فان ميلاد الحضارة فى أوروبا يقدر ب ١١٠٠ لما قبل الميلاد .. والفترة المبكرة من الحضارة مشخصة فى ميدان السياسة الاقطاعية .. وهذا يرجع فى أوروبا الى عصر الامبراطورية الجرمانية - الرومانية فى عام ٩٠٠ ما بعد الميلاد .. ومع ميلاد ونمو الدين تبدأ المرحلة الجديدة من الحضارة وهى المرحلة النهائية .. وهذا يشخص بازدهار المدن الدولية

كما حدث فى اليونان .. وفى أوروبا يرجع الى ما بين عام ١٥٠٠ و ١٨٠٠ الميلادى ويمكن تتبع نشوء أصل هذه الفترة بنشوء مدن ايطاليا وفرنسا . وانتهت هذه الفترة على يد الثورة الفرنسية .. وعلامة هذه الفترة البارزة هو ازدهار المدن .. وليس هناك ابلغ مما قاله شنبجلر من ان تاريخ المدينة هو تاريخ الدنيا .. وانها لحقيقة ثابتة عندما نقول ان حضارات العالم العظيمة هى عبارة عن حضارات المدن .. وتاريخ الدنيا عبارة عن تاريخ الانسان الاجتماعى . سياسيا .. ودينيا .. وعلميا .. وفنيا .. وكل هذه تعتمد على شىء مهم هو المدينة .. والمهمة الحقيقة هى ايجاد روح المدينة ..

ان الذى يبرز المدينه على القرية ليس حجمها .. ولكن روحها المدنية تخلق الذين يأخذون مكان القيادة .. وفى هذه الفترة يبدع .. وفى ميدان الفن اشخاص ، وتدعى هذه

الفترة بفترة الاسياد النابغين ( العظماء ) مثلهم مثل النحاتين والفلاسفة والمهندسين فى القرن الخامس باليونان والرسامين فى هولندا وايطاليا .

العملية كلها تتركز فى انتصار المدينة على القرية .. والنقود على الممتلكات الارضية .. والثقافية

على التقاليد والعامة على القلة المحظوظة       ثم تأتى الفترة التى يدعوها شبنجلر بحضارة .. أى استهلاك الحضارة .. نهايتها .. وهذه أهم فترة .. اذ انها الفترة التى دخلتها الحضارة الغربية من عهد نابليون طبقا لنظرية شبنجلر ..

وتنقسم هذه الفترة سياسيا الى قسمين ما يدعى الولايات المتناحرة

وقد مرت الحضارة المصرية بهذه الفترة ما بين ١٧٨٠ و ١٥٨٠ قبل الميلاد بدخول الهكسوس الى مصر ، والعالم الاوروبى الامريكى مقدر له أن يمر بهذه الفترة خلال القرن التاسع عشر والعشرين . فى هذه الفترة ينتقل وسط الجاذبية من جهة الى أخرى كما حدث بعد الحرب

وهذه النقطة مهمة بالذات لدلالتها الواضحة على أن العالم الغربى يمر فعلا الآن بهذه الفترة .. انتقل مركز الجاذبية عبر المحيط الى امريكا ..

وتنتهى هذه الفترة بانتصار احدى الدول المتبارزة بان تصبح السلطة المطلقة لها .. وتنتشر على شكل ما لتغطى كل البقعة .. وهكذا تلد الدولة الامبراطورية وبها يكون آخر وجه للحضارة ..

خلال هذه الفترة تحكم كل الدنيا المتحضرة مباشرة أو عن طريق غير مباشر .. رسميا أو غير رسمى ومن نقطة واحدة وحاكم واحد سواء كان اسمه القيصر أو الامبراطور

وبوجود هذه الامبراطورية تنعدم الحروب العالمية .. وهكذا يستطيع الانسان بحق أن يتكلم عن وجود عصر السلام العالمى

وشتاء كل حضارة سياسيا مكون من فترة حروب عظيمة .. تعقبها فترة حضارة سلام

وعليه فان شبنجلر يؤكد ان حاضر الحضارة الغربية وهو المرحلة الاخيرة الحضارة الغربية هو المرحلة الاخيرة عن ايراد الامثلة والبراهين الكثيرة والمدهشة .. اذ أن كثيرا مما قاله شبنجلر فى الحرب العالمية الاولى قد تحقق بعدها ومازال يتحقق .. وهو من البلاغة بحيث من الصعب تجزئته واليك آخر صورة فى كتابه :

« لنا نحن الذين وضعهم القدر فى هذه الحضارة وفىهذه اللحظة .. من عمر فترتها .. اللحظة .. التى فيها تبتهج النقود لآخر انتصاراتها والقيصرية التى تخلفها قادمة نحونا بقدم هادئة ثابتة .. وفى نفس الوقت فنحن ملزمون مختارون فى حدود .. ان نحيا حياة لا تستحق الحياة .. ليس لنا الحرية فى أن نصل الى هذا او ذاك .. ولكن الحرية فى أن نفعل الضرورى أو لا نفعل شيئا .. وهذا واجب وضعته الضرورة التاريخية سينفذ مع الانسان أو ضده »

والواقع أن عملا جبارا كعمل شبنجلر سيمجد لاجيال قادمة .. ليس فقط لنبوغ العمل وفذاذته .. ولكن للخطوط العظيمة التى رسمها للحضارات .. ومن النادر ان تجد عملا ادمجت فيه العبقرية بالاسطورة الرومانطيقية كعمل شبنجلر

يقول ( هابزلنجا ) الهولندى ان القارىء الناقد ليشعر دائما انه اخذ

فى رحلة جبلية رائعة مع دليل تجد فى عيونه بريق الجنون ..

وكل ما كتب عن عمل شبنجلر ومحص ونقد - لم يهدمه حتى الآن - حتى بعد ان جردت من كل ضعف فيها الشخصية المقنعة والاسس التى وجدت منها نظريته ..

كما يتساوى فى الاهمية أن يكتب شبنجلر كتابه قبل أول طلقة فى الحرب العالمية الاولى فتنبأ بحالة العالم المقبلة مع رؤية حروب العالم القادمة ودموعه وديمقراطية الشعوب والدكتاتورين العظام ونمو مدن العالم ونهوض روسيا وآسيا .. كل هذه الأشياء التى لم تكن بالحسبان قبل الحرب العالمية الاولى قد جاءت فى أعقاب الحرب طبقا لنظرية شبنجلر .. وهذه الاحداث بمجموعها تدل على صحة نظرية شبنجلر فى الخطوط العريضة للحضارات            « البقية فى العدد القادم »

اشترك في نشرتنا البريدية