تطور التاريخ
لا يستطيع المرء ان يتصور مستقبلا حقيقيا بمعناه الاجتماعى والسياسى والاقتصادى لاقطار شمال افريقيا الثلاثة الا فى اطار من الوحدة الواسعة الكاملة .
واذا كان التيار التاريخي يتطور بالامم منذ الحرب العالمية الاخيرة نحو التجمع والتكتل متوسلة الى ذلك بالاحلاف العسكرية على وجه الخصوص فإن تكتلها هذا " السطحى " ليس فى نظر المؤرخ - او هو لن يكون فى نظر التاريخ غدا الا خطوة حقيقية فى طريق التجمع الصحيح والاتحاد الثابت مع ملاحظة ان هذه التكتلات تحدث فى اغلب الاحيان بين مجموعات أممية لا تربط بينها الا علاقات متباعدة من المواقف السياسية او المخاوف الحربية التى تتفاوت درجة الحاحها شدة ولينا بتفاوت الازمات الدولية الطارئة
وقد يبدو ان تطور التاريخ ككل شىء فى حياتنا البشرية مؤلف من متناقضات لا يتفطن لها العقل الا نادرا ، وان من هذه المتناقضات ان نشاهد مجموعات بشرية اخرى - فى عصر التكتل هذا - تقوم بينها عناصر الوحدة الكاملة فى حين أنها متمسكة بتشتتها حريصة على انقسامها الفاجع مثل الدول العربية فى الشرق الاوسط او دول الهند الصينية الثلاث فى آسيا او شعوب المغرب العربي ومختلف شعوب افريقيا الجنوبية او الغربية .
ولكن هذه الظاهرة ينبغي ان لا نغترلها كثيرا اذ تعود اسباب انقسام هذه المجموعات البشرية وتشتتها الى عوامل سياسية طارئة او تباطئ اجتماعى موروث اكثر مما تعود الى انسياق التطور التاريخي فى منهجه الانسانى العام ، اما بالقياس الينا نحن ابناء شمال افريقيا فكيف يمكننا ان نتصور مستقبل بلادنا فى اطار هذا التطور؟ وما هو نصيبنا الحاضر والماضى من عوامل وحدتنا المقبلة ؟
شئ من التاريخ
ليس غرضنا ان نأتي هنا بعرض تاريخي لعلاقات الاقطار الثلاثة من الناحية
التاريخية ، وانما نريد ان نسجل نقطة خاصة جدا وهى ان التقلبات التاريخية المعتادة التى طرأت على هذه الاقطار الثلاثة قبل الغزو الفرنسي لها كانت فى الواقع عوامل وحدة بينها اكثر مما كانت عوامل انقسام . وقد يبدو في هذه الكلام شىء من الغرابة . ولكننا نقصد منه ناحية بعينها . وهى ان تلك التقلبات المتوالية بين امراء شمال افريقيا وداياتها وباياتها وقادتها بصفة عامة كانت تمحو كل حدود سياسية يمكن ان تقام بين هذه الاقطار ، وانما كانت الحدود متموجة تذهب وتجىء بين " الجزائر بين " و " التونسيين " او بين اولئك و " المغاربة " بحيث لم تستقر الحدود " فى عهد ما استقرارا كافيا يجعل سكان هذه الاوطان يشعرون بفواصل حقيقية قائمة بينهم . وما يزال هذا الشعور سائدا الى اليوم لدى سكان الحدود التونسية الجزائرية والجزائرية المغربية بحيث لا يستطيع المرء أن يميز شيئا من حياة اولئك عن حياة هؤلاء او يلاحظ انهم هم انفسهم يشعرون بوجود هذه الحدود " فى كل ما يربط بينهم من اسباب العيش والتعامل اليومى فضلا عن أواصر القرابة القوية التى تسود علاقاتهم في الغالب
واذن فمسألة التاريخ ؛ لنسبة الينا هى مثل المسألة الجغرافية والدينية والثقافية ومسألة التقاليد والاذواق والطباع مفروغ منها ولا محل فيها للاخذ والرد او المحاولة الاقناع ، او بعبارة مختصرة فان هذه المقومات التى يذكرها علم الاجتماع لتكوين أمة موحدة قائمة الذات مستكملة العناصر متوفرة فى شعوب أقطار المغرب العربي توفرا كاملا
الا ان هناك عوامل أخرى لابد منها لقيام " الامة " ووحدتها وهي عناصر الاقتصاد والسياسة والارادة الشعبية .
المسألة الاقتصادية
الاقتصاد كان دائما - وهو اليوم اكثر من أي وقت مضى أهم عامل من عوامل تطور التاريخ وتسطير مصاير الامم
واقتصادنا اليوم في شمال افريقيا موحد توحيدا غريبا إن صح التعبير انه من المغرب الاقصى الى الجزائر الى تونس قائم على أسس معينة تسمى " بالاقتصاد الاستعمارى " (Economie coloniale) وهي جعل البلاد المستعمرة سوقا لاستهلاك بضائع الدولة المستعمرة ومستودعا للمصادر الخام التى تستوردها
منها الدول المستعمرة بابخس الاثمان . وتبيع مصنوعاتها فيها باقدح الاثمان نظرا لاحتكار الاستيراد والتصدير معا من قبل الدولة المستعمرة ، والحرص على حرمان البلاد المستعمرة من التصنيع المحلى حتى تبقى خاضعة للمبدأ الاستعماري الثابت من بيع المواد الخام دائما واستهلاك البضائع المفروضة عليها دائما دون غيرها بواسطة ما يسمى بالوحدة الكمركية . ومن هذه الاسس كذلك مسألة الانتاج الفلاحى ، اى اخضاع الارض الفلاحية لخدمة حاجة البلاد المستعمرة من الموارد الزراعية بل لخدمة حاجة الدولة المستعمرة أو خدمة اقتصاد جاليتها على حساب الاقتصاد الشعبي الوطني للبلاد المستعمرة
فكانت نتيجة هذه السياسة الاستعمارية أن وحدت الاوضاع الاقتصادية فى الاقطار الثلاثة وحققت الانسجام بينها فى ابنائها بلاد زراعية فى الدرجة الاولى وحتى زراعتها مسخرة لانتاج الخمر اكثر مما هى مسخرة للاستهلاك الشعبى الضروري .
وهذه النتيجة " السلبية " البائسة نفسها هى اصلح قاعدة لبناء اقتصاد " إيجابى " منسجم بين الاقطار الثلاثة يبنى فيه كل شىء من جديد ويبدأ من صفر كما يقول الالمان عن اقتصادهم بعد الحرب العالمية الاخيرة . والفرق بيننا وبين الالمان هو ان اقتصادنا الوطني خرب اثناء حرب سياسية واجتماعية وعسكرية تطاولت عشرات السنين فنشات عليه آجيال واجيال من شعبنا فقيرة فى اقتصادها وفى نفسيتها هزيلة فى أجسامها وعقولها .
فاذا أردنا اليوم أن نصلح هذا التخريب المتطاول ونعيد لاجيالنا المقبلة صحتها الطبيعية فان الوسيلة الاولى لتحقيق ذلك هى اعادة بناء اقتصادنا على اسسين اثنين يتناقضان تماما مع ما كانت عليه أسس الاقتصاد الحالى فى بلادنا وهما :
١ - استبدال الاقتصاد الوطني بالاقتصاد الاستعمارى ٢ - توحيد مواردنا الاقتصادية المتكاملة فى الاقطار الثلاثة
ولا يسعنا ان ندخل في تفاصيل هذين الاساسين لان غرضنا في هذا الحديث اعم من الاقتصاد . وانما تكتفى بذكر المبادىء العامة التى تتفق فيها الاتحادات النقابية الوطنية فى اقطارنا الثلاثة وهى : ضرورة بناء اقتصادنا الوطني على سياسة تقشفية ، وتشجع التصنيع بجميع الوسائل وحماية الصناعة المحلية وتطويرها وتاميم الثروات الوطنية مثل المناجم ووسائل النقل العمومية والاصلاح الزراعى واستثمار الاراضى استثمارا تعاونيا وتحديد الواردات من الخارج ما أمكن
المسألة الاجتماعية والثقافية :
ان السياسة الاستعمارية قد استطاعت ان تفرق بين الاقطار الثلاثة وتشتت شملها وتمزقها تمزيقا فى الميدان الاقتصادى والسياسى ولكنها لم تستطع ان تبلغ شيئا فى الميدان الثقافى وخاصة وخاصة فى الميدان الاجتماعى
ان تماسكنا الثقافى ووحدتنا الاجتماعية و هيكلنا المعنوي بصفة عامة كلها ثمرة تاريخ طويل حافل بالحيوية والتفاعل . والعناصر المعنوية فى المجتمع اشد امتناعا عن قابلية التهديم من العناصر المادية . فقد سهل على الغزاة الفرنسيين ان يخربوا مؤسساتنا السياسية وانظمتنا فى الحكم الوطني ويقضوا على مظاهر سيادتنا واركان عيشنا ، وان يجعلوا جزءا من بلادنا تحت " الحماية " وجزء آخر منها في شكل مستعمرة كاملة بل ملحقة من حيث التراتيب السياسية بالدولة الفرنسية نفسها . ولكنهم لم يستطيعوا ان يجعلوا للتونسي تقاليد او عادات تختلف عن تقاليد الجزائرى وعادات المغربى . ولم يستطيعوا ان يحملوا الجزائرى بالرغم من المظاهر السطحية التى كثيرا انما اغتر لها الناس على ان يتخلى عن اعتزازه بعروبته وايمانه يقرآنه ، مثله فى ذلك مثل أخيه فى مكناس والرباط او فى صفافس وتونس .
لذلك فان حياتنا الاجتماعية والثقافية - لبناء مغربنا العربي الجديد - لا تحتاج الى ما يحتاج اليه بناء هيكلنا الاقتصادى الوطني او مظاهر سيادتنا السياسية من أسس جديدة ، وإنما نحن فى حاجة فقط الى التخلص فى حياتنا الاجتماعية والثقافية - من رواسب الماضى العتيق ، رواسب العصور الميتة التى سبقت عهد الاستعمار الفرنسى ، والتي كان هذا الاستعمار الفرنسي يوطد فينا اركانه بفضل تدعيمها لانها هى التى مكنته الى حد بعيد من السيطرة علينا أرضا وبشرا . والدليل على ذلك هذا السجل الحافل من معاركنا معه فى الميادين : الاجتماعية والثقافية التقليدية التى تقاومها نحن ويتدخل هو لحمايتها ( مثل معركة الطرقية فى الجزائر على الخصوص ) .
اذن فمستقبل حياتنا الاجتماعية والثقافية يصح أن نقول عنه انه مرتبط بتطور النهضة الثقافية والاجتماعية العامة التى تشمل العالم العربي كله بحيث لانستطيع فى هذا الميدان على الخصوص أن نتصور انفسنا فى شمال افريقيا منفصلين عن الشرق العربى فضلا عن انفصال اقطارنا الثلاثة بعضها عن بعض فيه . بل اننا نذهب الى
القول انه اذا فكر قادتنا السياسيون يوما فى توحيد بعض الوزارات فى حكوماتنا الوطنية الثلاث مثل وزارة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني فان على رجال الفكر فى بلادنا أن يحملوا هؤلاء القادة على توحيد وزارات الشؤون الثقافية وكل مايرجع الى الفنون المعنوية بسبب او على الاقل ان يقع تنسيق بين المشاريع الاجتماعية والثقافية فى البلدان الثلاثة تنسيقا كاملا شاملا . انه من السذاجة حقا بل انه من الجناية الخطيرة على مستقبل اجيالنا أن نتجاهل هذه الوحدة " الخام " القائمة فى حياة شعبنا الاجتماعية ونهمل تنظيمها وتوجيهها وجهتها الصالحة التى تجعل من أمتنا المغربية أمة سعيدة عظيمة فى مستقبل سنواتها واجيالها البعيدة .
ان شعبنا فى اقطار المغرب العربى الثلاثة شعب واحد وحدة اجتماعية ومعنوية شعر بها كل فرد من افراد هذا الشعب . وشعوره بوحدته هذه اذا كان قبل سنوات قليلة شعورا غامضا ممزقا فانه فى سنوات الكفاح قد تبلور وتعزز وتوضح . وهو الكفيل بان يفرض حقيقته السياسية والمادية فى يوم من الايام مثلما يفرضها اليوم فى حقيقتها العاطفية المتعاظمة
والخلاصة ان مستقبل المغرب العربي فى السنوات القادمة ومرحلة الوحدة التى يقدم عليها هو ملك يديه ، مثله فى ذلك تماما مثل ماضه الذى افك فيه وجوده السياسي افتكاكا من قبضة الاجانب بفضل تضحياته وصبره وتماسكه وصدق عزيمته
ولكن مستقبله الاجتماعي والثقافى والسياسي جميعا ومستقبل وحدته على الخصوص يقتضيه كفاحا ايضا ومصابرة وعزما وامساكا بيد قوية على مقاليد القادة الوطنيين انفسهم حتى لا يضيعوا على الشعب يوما واحدا او نرصة ما تركز خطواته نحو مصير العظمة والازدهار الذى يجب ان يكون مصيره
ان شعبنا يحتل جغرافيا اهم منطقة من مناطق الارض . ويقع فى " المحطة " الحساسة بين الشرق والغرب . واننا من ناحية التطور التاريخي في العالم نجتاز مرحلة انقلابية عميقة فى تاريخ الامم ، وهى مرحلة التكتلات البشرية الهائلة وهي من الناحية الاجتماعية والاقتصادية مرحلة تمتاز برفاهية الجماهير وعزة الشعوب ونبل الانسان . وكل هذا يتطلب من شعبنا ان يكون كبيرا عظيما حتى يتمكن من العيش فى هذا العالم العظيم الخطير . ولكن عظمة شعبنا الموحد الجبار تقتضى من كل واحد منا وخاصة قادة الفكر فى كل ميدان ان يشعروا بمسؤوليتهم الثقيلة امام محاسبة الاجيال القادمة
