الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مسجد ابن خيرون الأندلسي بالقيروان

Share

يقع مسجد ابن خيرون الاندلسي فى أحد أقدم أحياء المدينة العتيقة الى الجنوب من الجامع الكبير بالقيروان ، وهو المسجد المعروف اليوم بجامع الثلاث بيبان ، كناية عن أبوابه الثلاثة عند الواجهة ، تلك الواجهة التى تمثل بححق عنوان طرافته وأهميته المعمارية والفنية . وهو مسجد صغير الحجم مربع الشكل يسع نحوا من أربعين أو خمسين مصليا . وحوله تنتشر دكاكين عديدة من النساجين لقربهم من السوق المعروفة بسوق الجرابة لبيع الاصواف والمنسوجات

ويعد مسجد ابن خيرون فى تصنيف معالم القيروان القديمة ذات القيمة الاثرية النادرة أحد أهم المزارات المفضلة دينيا وسياحيا ، ويكتسي أهميته من هذه الناحية وتلك فى كونه أحد الشواهد القليلة الباقية من العصر الاغلب ، ذلك العصر الذهبى فى تاريخ الحضارة العربية الاسلامية بافريقية لا يفوقه فى الاهمية سوى جامع عقبة الكبير الذى يعود بناؤه المجدد على نحو ما هو مائل عليه اليوم الى تلك الفترة الاغلبية نفسها التى أقيم فيها مسجد ابن خيرون . ولكنه بالمقابل يمتاز عليه بتلك الواجهة التى تحليه والتى هى مبنية على غير مثال الى اليوم بالقيروان من الحجر الرملي المنحوت والمنقوش فى اعلاه بكتابات وزخارف بديعة الرسم والتشكيل

وهذا المسجد أصبح غريب الاطوار فى تاريخ العمارة بالقيروان وربما فى تاريخ العمارة الاسلامية منذ تناوله الحفصيون في أواسط القرن التاسع ه ( الخامس عشر م . ) بالترميم والزيادة . فقد افترعوا فى أحد أركانه زاوية أقاموا فيها مئذنة وطيدة البنيان لا غرابة فيها بين المآذن سوى غرابة وضعها فى هيكل المسجد بذلك الشكل الذى حتم بناءها مبتورة الجانب عند سافلتها من جهة الواجهة

وبالاضافة الى هذه الطرافة التى تقف وراء بعض أسرار هذا المسجد فقد ألحقه بعض العارفين من علماء الآثار بسبب مشابه فى خطوطه العامة أو بعض مواده الفنية بالنمط المعمارى الاندلسي . ربما أعانهم على ذلك وأوحى به اليهم نسبة مؤسسه الى بلاد الاندلس ، فهو " محمد بن خيرون المعافرى الاندلسي " كما جاء مسجلا على الواجهة فوق الشريط الزخرفي المؤرخ لسنة البناء

والمسمون بابن خيرون عديدون فى تاريخ الاندلس وافريقية ، ولا يعلم على وجه التحقيق نسبة صاحب المسجد من بينهم بأكثر مما ورد في كتابة الواجه التى نقلها ابن عذارى فى البيان المغرب فى قوله : " وفى سنة 252 بني محمد بن خيرون الاندلسي المعافرى المسجد الشريف بالقيروان المنسوب اليه ، بناه بالآجر والحص والرخام ، وبني فيه جبايا للماء " ( ص 114 ) . ثم أشار اليه هو نفسه وكناه فى موضع آخر ( ص 169 ) حين تحدث عن وفاته فى حوادث سنة 301 فى قوله : " وفيها قتل من التجار أبناء الاندلسيين بالقيروان أبو جعفر بن خيرون صاحب المسجد الشريف والفنادق المجاورة للسجن بسعى كان للقاضى المروذى عليه وشهادة شهد بها أن قبله وديعة كبيرة وطولب بها وعذب حتى مات " .

والملاحظ هنا بعد ما بين تاريخ بناء المسجد وتاريخ وفاة صاحب الترجمة الامر الذى دفع بعض الباحثين الى الشك فى صحة تاريخ البناء ، وذهب به إلى الظن بأن محمد بن خيرون هذا انما هو محمد بن خالد الاندلسي ثم الالبيري أحد رواة الحديث الذى سماه ياقوت وقال انه بنى مسجدا يعرف به فى محلة الزيادية بالقيروان ( معجم البلدان ، الزيادية ) . وعلى تقدير ذلك وعلى احتمال ان يكون خالدا تصحيف لخيرون ، فانه يكون قد توفى قبل سميه ، وربما ولده المقتول سنة 301 ه .

ولكن طول السن وحدها لا تقوم مبررا لاثارة الشك فيما أورده ابن عذاري حول ابن خيرون بانى المسجد ، أى حول تاريخ وفاته وتاريخ بنائه المسجد طالما انه - أى ابن عذاري - فى موضعين من كلامه يعرفه بكونه بانى " المسجد الشريف " .

ويظهر أن ابن خيرون صاحب المسجد ليس هو الفقيه المقرىء المشهور الذى كان فى عصر ابن مسكين فى أواخر القرن الثالث ومات بسوسة كما ترجمه

ابن الفرضى . . لان ابن عذاري الذى سمى مؤسس المسجد فى عداد التجار الاندلسيين بالقيروان ما كان ليغفل عن التنويه بمكانته العلمية لو كان الرجل فقيها ومقرئا أو بمنزلة من هم من أصحاب عيسى بن مسكين

ويبدو أن هناك أمران وراء ذلك الشك ، الاول هو اشارة ياقوت المتقدمة الى مسجد لاحد الاندلسيين بحى الزيادية بالقيروان والثانى هو وجود مسجد منسوب لابن خيرون غير هذا المسجد غير بعيد منه يقع عند أول الشارع المسمى الآن بشارع باب القدة ورغم بساطة بنائه فبعض مواده تدل على انه من عصر الاغالبة . فلعله لاحد من آل ابن خيرون غير أبى جعفر محمد بن خيرون التاجر صاحب المسجد المشهور والفنادق المجاورة الذي ذكره ابن عذاري .

فلا وجه اذن للشك فى تاريخ بناء المسجد لمجرد بعد وفاة صاحبه عن ذلك التاريخ بنصف قرن . أما كنيته أبو جعفر فقد يكون يشاركه فيها أكثر من واحد من المحمدين من آل خيرون . وحول موته تحت التعذيب بسبب وديعة فقد يكون أحد من ذهب ضحية تلك الفتنة التى فتن بها أصحاب أبى عبد الله الداعى فى أول قيام الدولة الشيعية بالقيروان حين تم للامام المهدى التخلص منه ومن أخيه على أيدى أبى جعفر البغدادى الذى كان يتولى الكتابة للامام منذ سنة 298 والذي نجده قد تولى البريد مع ذلك فى تلك السنة نفسها التي شهدت تعذيب ابن خيرون على وديعة من قبل القاضي المروذي . فقد كان البغدادى الموصوف بالمكر على اطلاع كبير بشؤون الاندلس والاندلسيين منذ كان هناك داعيا للامام وبقى حين جاء القيروان على صلة وثيقة بأجيال الاندلسيين بها وبغيرهم من الوافدين منهم ، فكان أعرف بمن تحوم حوله من أبناء الاندلسيين تهم التنكر للدولة الجديدة والميل نحو حكام قرطبة خاصة في تلك الظروف التى أعقبت قتل قوم اتهموا بالميل الى أبى عبد الله الداعى دون أن ننسى المضايقات الكثيرة التى تعرض لها فى تلك السنوات الاولى تجار القيروان بسبب تهافت كتامة أصحاب الدولة على جمع الاموال لتوطيد أركان دولتهم . فابن خيرون صاحبنا بانى المسجد المشهور بنسبته اليه الآن هو من التجارة وليس من العلماء البارزين بدليل عبارة ابن عذاري الواضحة فى وصفه بالتاجر وبكونه صاحب فنادق

وان كانت عبارة " السجن " الواردة في كتاب ابن عذاري لتعريف مكان هذه الفنادق لا تبدو لنا لاسباب من علوم اللغة صحيحة ، فقد تكون مجرد

تحريف لكلمة " المسجد " لان تعريف الفنادق بمجاورتها للمسجد أصوب لسانيا . وربما يكون وجود الفنادق هناك مناسبة لبناء مسجد بذلك الصغر كأنما خص به على وجه البر أولئك الزوار وأصحاب الحاجات المترددين الى فنادقه . وكل ذلك يحتاج فى الحقيقة الى معلومات دقيقة عن تخطيط المدينة فى ذلك العصر ومبانيها الرسمية

ومسجد بذلك الحجم ومخصوص لذلك الغرض كان من الطبيعى أن لا يحتاج فيه الى صومعة للآذان ، لان سعته بسعة رواده المجاورين فى الفنادق والدور الغريبة . علما بأن للمئذنة وظيفة فى البناء الاسلامى وليس للتقليد أو التبرك فقط ولها مع ذلك آداب فى اقامتها بحيث لا تكشف على الدور الواقعة في ظلها . ولعله لهذا السبب عندما قامت الدواعي لبنائها فى مربع المسجد في عصر متأخر لم يتطاول فى بنيانها . وكان ذلك فيما يبدو زمن تجديد المسجد فى أواسط العصر الحفصى سنة 1440/844 مما هو مسجل على الواجهة أيضا فى شريط تحت شريط تاريخ بنائه الاول .

والباحث اليوم فى تاريخ بناء هذا المسجد ودراسة الزيادات والترميمات الحادثة فيه عبر العصور تستتوقفه بدون شك عدة مشاكل وقضايا معمارية وفنية وأسئلة محيرة تطرح نفسها عليه بالحاح . ويمكن تلخيصها فيما يلى

أولا : هل كان المسجد يخلو - كما هو الآن - من نوافذ ومنافذ غير أبوابه الثلاثة الامامية ؟ ونجيب بسرعة بانه يستبعد ذلك لاسباب راجعة الى سلامة البناء وضيق المتنفس على المصلين به لو كان كذلك فى أصل بنائه

ثانيا : لماذا فضل بانى الصومعة اقحامها فى بيت الصلاة ولم يتخذ لها مكان مجاورا رغم صغر قاعدتها ، اللهم إلا أن يكون ذلك حلا لقضية حركة الهواء بمعنى أن اقامة الصومعة فى ركن داخلى من أركان المسجد قد يكون حلا معماريا مناسبا لدوران الهواء بداخل المحل بصورة طليقة فيما بين منافذه الخارجية ومدخل الصومعة نحو جسمها الاعلى المجهز بالشبابيك ، فهي منه كالشاروق فى الحمام .

ثالثا : لماذا كان موقعها فى الجانب الايسر من الواجهة وليس فى الجانب الايمن ؟ وهنا ايضا نجيب بسرعة بأن الكتابة الموجودة على الواجهة قد تكون هى التى منعت من بتر الكلام من أوله .

رابعا : من أدرانا يكون الصومعة هى زيادة حفصية وليست سابقة ومتقدمة عن ذلك التاريخ الحفصى المسجل على الواجهة

ونأتى بعد ذلك الى المشاكل التى واجهها بدون شك البناء فى اقامة الصومعة بذلك الشكل المبتور . فالظن أن يكون البناء راعي أمرين معا على الاقل ، أولا : عدم التضييق في الباب الجانبي ، وثانيا : تأمين توازن البناء

ولكن لماذا تراجع حجم القاعدة تدريجيا فى مستوى معين من البناء ولم يتم انحسار ارتفاع الصومعة عن الواجهة فى خط مستقيم الى حدود ذلك المستوى الذى استعادت فيه القاعدة أبعادها الاولى الوهمية فوق سطح الارض . ربما الجواب على ذلك لا يعدو كون البناء كان ملزما بالتدرج فى سبيله الى العودة الى حجم هيكل الصومعة تدريجيا ، لان الطريق العكسية كان يعرض الجسم العلوى لممارسة ضغط كبير على سقف بيت الصلاة ربما تنوء به أكثر من المحتمل فضلا عن ضرورة تماسك جوانب بناء الصومعة فى نصفها العلوى

وهناك أيضا عدة قضايا فنية ينبغى اثارتها بصدد دراسة هذا البناء من أهمها : أولا : تشويه الواجهة بسبب سقوط قدر مهم من الكتابات المسجل عليها فوق تلك الشرائط الحجرية المنحوتة . ويكتسي هذا الامر أهمية بالغة عندما يتعلق ليس فقط بقلة احتفاء البناء بالمحافظة على بقية الاحجار التى تحمل كامل تاريخ بناء المسجد من الشريط الثاني ، بل وبقلة حفاوته ببقية الآية فى الشريط الاول ، فقد أتلفت حجارتها اللهم الا ان تكون قد تآكلت حجارتها أو افتقدت من البناء قبل ذلك ، ومن أجل ذلك ونحوه من أسباب تداعى البناء قامت الرغبة فى تلك السنة المؤرخة فى تجديد بناء المسجد والزيادة فيه بصومعة .

وربما راعي المجدد الحفصى عمل سلفه الاندلسي فلم يتجاسر الا على الشريط الزخرفى الواقع فوق توشيحة الابواب فعوضه بشريط جديد دون فوقه تاريخ التجديد . ومن الواضح أن الواجة كانت مقتصرة على شريطين من الكتابة بينهما شريط من الزخرف النباتى . الاول يحمل آيتين من القرآن الكريم والثانى يحمل اسم المسجد وتاريخ بنائه .

ولا بد هنا من ملاحظة مهارة البناء الاول فى توزيع الكتابة على أحجار الشريط وتناسق الخط عبر أطوال تلك الاحجار وامتداد المساحة المخصصة له

فى حين يبدو صاحبه المتأخر دونه بصورة واضحة تتجلى خصوصا فى تضايق الكتابة فى موضع على الاقل تضايقا شديدا مع بقاء فضلة لديه من أحجار الشريط بدون كتابة .

ومن المحقق بعد قراءة الشريطين الاولين القديمين أن يذهب ظننا الى تقدير بقية الكتابة المنقوصة منهما على أساس نسبة السدس ، ذلك أننا نقرأ اليوم على الشريط الاول : " باسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله... ." ويمكن بتقدير حسابي أن نقدر ضياع أربع لوحات حجرية مدون على كل منها معدل خمسة حروف وهو تقريبا عدد حروف بقية الآية الموالية الواردة في الشريط وهى : ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما "

أما الشريط الثاني فالمبتور منه التاريخ ما عدا الحروف الثلاثة الاولى منه " اثنتين وخمسين ومائتين . واذا جمعنا حروفه وجدناها تناسب المساحة التى عمرتها الصومعة مع احتمال ارتدافها بفراغ يناسب الفراغ المتقدم في أول الشريط .

والغريب الملاحظ أن البناء الحفصى وفق فى مقام حيث كان ينبغى أن يوفق فى مقام آخر حين أعاد الاحجار المنقوشة الى مواضعها الاولى من الواحهة بعد تجديدها ، فالمقام الذي وفق فيه فهو الشريط الزخرفى النباتي المتكون من وحدات ذات مجموعات متشاكلة العناصر ومن وحدات أخرى منفردة كل منها بوردة او وردتين مختلفتين . فقد فضل فى هذا الشريط الاحتفاظ باللوحة الوردية التى كانت حسب التقدير فى الجزء الاخير من الشريط ، فقدمها على اللوحة الزخرفيه المتقدمة عليها فى الاصل مكتفيا ببقاء جزء من هذه الاخيرة لدلالة على بقية زخرفها فى حين أنه لو التزم الترتيب القديم لجعلنا نفتقد تلك الوردة الزخرفية الجميلة

ولكنه لم يوفق فى مقام آخر وهو الشريط الاول وهو الاعلى حين لم يتصرف أدنى تصرف للمحافظة على بقية الآية الثانية الواردة فى الشريط . ولا ندرى كيف تخلص دينيا من التأثيم بسبب ذلك . ولكن يجب أن نقدر انه كان أمام مهمة صعبة بالنسبة لبقية العناصر الزخرفية فى توشحات الابواب فليس من اليسير بدون التقنيات الحديثة ونظام التسجيل والتصوير التوفيق التام في رد الاشياء والجزئيات الى مواضعها الاولى دون نسبة ولو قليلة من الخطأ

والالتباس خاصة اذا قدرنا حالة بناء متداع ولوحات حجرية متآكلة ومبتورة ونحن لا نظن أن التجديد الحفصى الذى ورد بعد ستة قرون كان بازاء واجه متماسكة لتلك الاحجار المنقوشة أو غير متناثرة الجوانب أو مهترئة الاطراف أو مفقودة الاجزاء .

ولذلك فاحتمال تجديد المسجد من أساسه بنفس مواده فى العصر الحفصى هو الاحتمال الاقرب ، لا كون الامر كان مقتصرا على اقتطاع شريط زخرفى من توشيحة الواجهة وتعويضه بشريط كتابي يؤرخ للتجديد

والملاحظ هنا أن التجديد الحفصى لم يعوزه استحضار ذلك الحجر الرملي المتجير المستعمل فى كامل جدار الواجهة لكسوتها بعد تهذيبه وتحت زواياه القائمة ، وقد تكون هذه الصناعة قديمة بافريقية فى عدة أماكن يكثر حولها ذلك الصنف من الاحجار ، وأما استجلابه لبناء العمائر الدينية بالقيروان فان مسجد ابن خيرون يعد أقدم شاهد على استخدامه . وهو أعم استخدام بالمهدية وسوسة حتى فى البناء الاغلب المعاصر لجامع ابن خيرون لوجود مقاطعة بكثرة فى تلك النواحي الساحلية

واذا كان من مشابه بين زخارف جامع ابن خيرون وجامع عقبة ابن نافع فى تجديده وزياداته الاغلبية فهى الدليل على أخوة فنية أو معاصرة وليس من باب التقليد أو المحاكاة ، من ذلك وجود تلك الوصلات الحاملة المنحوتة فى الحجر ذات الاشكال الزخرفية الجميلة وهى تلك التى تحمل المسطحات العليا فوق الواجهة . فمثلها موجود بجامع عقبة بشكل مقارب أو مطابق ، ولكن الماثل منها الآن فقط نماذج فى سقف الجامع منحوتة فى الخشب . وهذه الوصلات سواء كانت حادثة بالقيروان أو مقتبسة من الاندلس فأصولها قد تكون واحدة فى فكرتها الاولى ، بيزنطية وأقدم عهدا هنا أو هناك

وتبلغ هذه المؤاخذة ذروتها الفنية فى عدة عناصر زخرفية أخرى أهمها ذلك العنصر الفريد من التوريق الموجود بطاقية محراب عقبة الاغلب فصورته الكاملة منتشرة بكثرة فى توشيحة أبواب ابن خيرون ، الا أنها على الحجر الرملي كسائر عناصر التوشيحة لا على الخشب .

والغريب أن ابن عذاري حين يشير الى أنواع من مواد بناء الجامع لا يذكر الحجر الرملي من بينها ، وكأنه اقتصر على أهمها حين عدد الاجر والجص

والرخام فقط . فاذا أضربنا صفحا عن الحجر الرملي المكسو به البناء من خارج فان مادة الجص المذكورة مفقودة تماما من الجامع في هيئته الحالية ، وانما كشفت عنه الحفرية التى قام بها أخيرا الاستاذ ابراهيم شبوح مدير البحوث بالمعهد القومي للآثار والفنون بتونس

ففي بعض الاسبار التى عملها بأرضية الجامع بشكل اخدود قبالة المحراب داخل بيت الصلاة أمكن له ملاحظة وجود نثار من الجص المصنوع تدل مخلفاته المنقوشة على احتمال نسبته للبناء الاصلي على سبيل التحلية قبل أن يندثر ويطوى فى ردم أرضية المسجد فى مرحلة من مراحل الترميم

لكن الباحث أوحى له عمق تلك الطبقة من الردم بنحو متر ونيف - مع بعض قرائن أخرى - بوجود بناء سابق بالمكان أقيم على أنقاضه المسجد . بل لا يستبعد أن يكون البناء الاول مسجدا ليس هو مسجد ابن خيرون . وهذا وجه من استنطاق الآثار قد يكون غريبا حتى تحققه الوثائق والتواريخ ، لان القرائن الاخرى التى وجدها فى الحفر لا تمنع من افتراضات أخرى غير افتراض وجود مسجد قديم سابق على مسجد ابن خيرون ، وبعضها أقرب الى الاحتمال من بعض .

فان قرينة الجدار المعترض باسفل المحراب والذي وجد قائما من الآجر على ارتفاع ذلك العمق من الردم قد لا يوحى بما سوى التأسيس للبناء فى جهة المحراب بدليل تلك الزوايا التى يشكلها عند طرفيه للارتباط بمدماك جداري متقدم يناسب كل منها موقع السارية فوقه تماما

والى حدود ما انكشف من هذا الجدار والمدماكين فى هذه الحفرية يوحى الامر بأسس للبناء وحسب ، قد تكون أدخلت عند التجديد الحفصى للمسجد بدليل نوعية الردم المخلوط بمكسرات الجص المنقوش وقد تكون قديمة قدم البناء ذاته مع افتراض وجود نفايا ذلك الجص فى حصالات الانقاض المجلوبة للردم .

والقرينة الثانية التى أوحت للباحث بمسجد سابق على بناء ابن خيرون فهو امتداد جدار المحراب الى أعمق مما ينبغى اعتباره أساسا له .

وقرينته ضعيفة ، لان عمق نصف متر الذى وصل اليه من الحفر تحت المستوى الحالى للمحراب ينبغى أن يطرح منه مقدار نصف الشبر الذى وجده يفصل بين الارض الاصلية لبيت الصلاة والتعلية الحادثة بعدها فى عصور متأخرة .

ورأينا أن تلك التعلية جاءت فى وقت متأخر لتلغي الدرجة التى كانت تعترض بمداخل الابواب فقد كان مستوى الارض داخل المسجد من نفس مستواه خارجه ، وضرورة الدرجتين المتقابلتين المستندتين احداهما والاخرى الى عتبة الواجهة عند المداخل كانت احداهما مقتضية للاخرى ، وبطبيعة الحال فان الدرجة الخارجية هي المقتضية للدرجة الداخلية . ووجود الاولى كان فى الاكثر لعزل داخل المبنى عن خارجه فى مستوى عتبة الابواب منعا لتسرب مياه السيل والاتربة ونحوها من الاوساخ

فلما عرضت مناسبة ترميم المسجد فى العهد الحفصى وربما قبله أزيلت الدرجة الداخلية برفع مستوى قاعة الصلاة بقدرها رفعا للكلفة فى الدخول وما قد يكون فى ذلك من عناء للمسنين ونحوهم . ومثل هذه الدرجات أو مجرد اختلاف مستوى بيت الصلاة عن الصحن أو عن شارع الجامع مشاهد بكثرة فى المبانى بالقيروان

اما مادة الرخام المبنى بها المسجد ، فليس ما يبرر البحث عنها فى غير تلك الاسطوانات المتوزعة على مواقع الارتكاز عند عقود السقف والمحراب والواجهه وتيجانها وربما بعض الوسائد الاخرى . وكلها هناك قائمة رغم حالتها المتآكلة

بقى أنه ليس ثمة ما يوحي ظاهريا بوجود ماجل بهذا المسجد أو حسب عبارة ابن عذاري " جبايا للماء " لكن أعمال الترميم فوق السطح كشفت عن مجار فخارية مما يستعمل عادة للميازيب تنحدر مع الجدار الغربي ولم يكشف السبر وهناك فى هذه الحفرية الا عن وجود جابية واحدة داخل بيت الصلاة أى داخل المسجد اذ هى المسجد كله . ولا يمكن أن تكون خارج بيت الصلاة لانها بهذا الاعتبار تصبح خارج المسجد ، فى حين عبارة ابن عذاري واضحة الدلالة على وجود الجبايا داخل المسجد ، وربما انسدت أو سدت فوهاتها بسبب الرطوبة التى تحدثها حين تناقصت أحوال الصيانة بالمبنى

ومعلوم أن أهل البر بالقيروان كانوا يستكثرون من الجبايا لعموم المحتاجين طلبا للثواب ، فهى هنا فى هذا المسجد لذلك ونحوه من أغراض الطهارة والشرب للمصلين ، خصوصا إذا لم ننس وجود فنادق مجاورة حوله . وهنا اشارات تاريخية عديدة نعدم وجودها - مع الاسف - فى المصادر التى بين ايدينا ، من ذلك وجود ميضاة أو ما يقوم مقامها حول المسجد ولعل وجود فنادق مجاورة هو بعض ما كان يغنى عن اقامة بناء مستقل لها .

كما نعدم الاشارة الى تاريخ تغيير مادة سقف المسجد والاستعاضة بالاقبية الآجرية عما كان يتعامد به من أعواد الاشجار مما كان مفضلا منها لهذا الغرض كشجر العرعار ونحوه .

وستبقى هذه الاستفسارات ونحوها قائمة بشأن فنون بناء هذا المسجد وأساليب زخرفته ومصادر مواده المختلفة فضلا عن معرفتنا معرفة أفضل ببانيه ومجدد بنائه او مجددى بنائه عبر العصور . وقد فتحت هذه الحفرية الجديدة به بابا لدراسة كثير من المواد التى كشفت عنها مع ما كان لها من فضل فى ترميم معلم من أقدم معالم القيروان وأطرفها وابرازه من جديد قبلة للمصلين والزائرين جميعا

اشترك في نشرتنا البريدية