الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية (( أهل الكهف )) لتوفيق الحكيم

Share

  اتحفتنا الفرقة البلدية فى شهر جانفى المنصرم بتقديم تمثيلية رائعة هي (( اهل الكهف )) لتوفيق الحكيم ، ولعمرى انها قصة كتبها صاحبها لتقرأ لا لتمثل ولتطالع مطالعة فيها كثير من التفكير وانعام التفهم والتمهل ، فلقد صرح فى  مقدمة (( بجماليون )) أنه (( لم يفكر عند كتابة روايات مثل اهل الكهف وشهر زاد وبجماليون ان تظهر هذه الاعمال على المسرح الحقيقى )) . وليس معنى هذا القول ان مسرحيات الحكيم عديمة الصلة بالحياة وان اشخاصه ليسوا سوى مجرد وسائل لابراز فكرة خاصة ، وأنهم لا يمتون الى الانسانية بسبب . وما أبدى الكاتب دهشته وتخوفه يوم فكر بعضهم فى افتتاح الفرقة القومية بمصر عند انشائها سنة 1935 برواية (( أهل الكهف )) الا لان هذا العمل (( على الاقل لا يصلح للتمثيل على الوجه الذى ألفه اغلب الناس . .)) (مقدمة بحماليون) .

  ويمكننا القول مع بعض التسامح ان الفرقة البلدية وفقت فى تمثيلها بتونس ، مما يدل على انها تغلبت على الصعوبات التى تحول دون تمثيلها ، ومما يدل ايضا على ان اللغة العربية الفصحى ليست كما يدعى بعضهم عقبة كأداء فى سبيل المسرح ، واقبل عدد كبير من العامة والمثقفين لمشاهدة (( اهل الكهف )) ، وهذه بادرة خير تجعلنا نرتاح لمستقبل المسرح العربى ببلادنا اذ اصبح عدد كبير من هواة التمثيل بمختلف طبقاتهم وثقافتهم يبحثون عن الادب الحق والتمثيل ذى المستوى الراقى وينبذون ما اعتادت الفرق تقديمه من سخيف الروايات التى ترضى البسطاء ويمجها الذوق السليم .

  والرأى عندى ان الفرقة البلدية لم يقع اختيارها على (( اهل الكهف )) عفوا اذ تعد هذه المسرحية اول مأساة فى تاريخ الادب العربى وتمتاز بطابع انسانى خالد ، الا ان فهم قصة (( اهل الكهف )) الرمزية فهما كاملا صحيحا يستعصى على الجمهور الذى لم يكمل نضوجه الادبى ، وقد تبينت ذلك يوم شاهدت تمثيل المسرحية ، فان المأساة لا تضحك مثلا وقد ضحك بعض الحاضرين يومئذ . ثم ان التجاوب بين الممثلين والجمهور يكاد يكون مفقودا فى بعض المواقف حين يرتفع الحوار ويصبح فلسفيا .

  ولنتساءل بعد هذا من اين استوحى الحكيم قصته ؟ وما موضوعها ؟ والى اى شئ ترمز ؟

تفتح مسرحية الحكيم فاذا بنا نقرأ اول ما نقرأ قوله تعالى : (( فضربنا على

آذانهم فى الكهوف سنين عددا ، ثم بعثناهم لنعلم اى الحزبين احصى لما لبثوا امدا . )) فالمسرحية مستوحاة اذن من سورة اهل الكهف من القرآن الكريم وهى لغز من الالغاز الدينية يشير الى ضرورة قيام يوم الدين .

  وما كان المسلمون ليختصوا بهذا اللغز دون سائر معتنقى الاديان الاخر اذ تناقلته الشعوب وكل شعب اوله حسب ما يوافق عقليته . فان مرجع القصة كما يرى (( ماسينيون )) (1) ثلاثة مصادر قديمة جدا اولها اسطورة سريانية تسمى (( ركود افسوس السبعة )) وثانيها نص اشورى يعرف بحكمة (( أهلبار )) وثالثها عقدة قديمة كانت سائدة بالهند واليابان وحسب هذه العقيدة يقصد من يبغى الخلود حنفية (( جوفانس )) ويطلب منها ان تبقى له شبابه . ويرى (( بهلار )) Beheller ان القصة مستوحاة من (( Les Sept Macabés d'antioche )) وتدور قصة هؤلاء الاشباح السبعة قبل الميلاد . فهى قصة اخوة سبعة آثروا الموت جوعا على اكل لحوم الحيوانات التى تقدم ضحية للأوثان . واقتبس الدينان الاسلامى والمسيحى هذه القصة واعطى المسلمون لسورة اهل الكهف اهمية كبيرة اذ كانت تتلى فى كل صلاة جمعة ، وكان الريضون فى الطرق الصوفية يتلونها يوميا ، وهى تقرأ بكثرة على الاموات . والرأى عند الغزالى ان اهل الكهف بمثابة الابدال اى الصالحين الذين لا تخلو منهم الدنيا ، ويفسر ابن سنا سورة اهل الكهف تفسيرا فلسفيا ، وتذهب الاثنا عشرية الفرقة الشيعية المغالية الى ان الثلاثمائة والتسع سنة هو الوقت الذى يستغرقه حكم المهدى المنتظر عند قدومه ليملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا . وللقصة كذلك أثر بالغ فى المسيحية اذ يحيى رجال الدين المسيحى عيدين لذكرى هؤلاء الرقود .

  لكن كيف استغل توفيق الحكيم هذا الرمز الدينى ، رمز الوجود والاضمحلال والبعث ؟

لقد بسط لنا الحكيم نظريته فى مسرحيته حين قرر ان (( اهل الكهف )) هى قصة البشرية قاطبة فلا يمكن حسب رأيه ان تكون مجرد اسطورة اذ تناقلتها الاجناس والاجيال على اختلافها . فها هو يقول على لسان (( غالياس )) :

(( إذا كانت القصة ضمير الشعب كما يقولون واذا كانت البشرية قاطبة على اختلاف اجناسها واجيالها قد اتحدت وتلاقت فى قصة واحدة أفيمكن يا مولاى لضمير البشرية قاطبة ان يخطئ ؟ )) (ص 52) وترمز الاسطورة الى ان

من مات سوف يبعث ، وقد اقحم الكاتب قصة الفتى الصياد (( اوراشيما )) لا لغرض مسرحى لانها لا تجعل العمل المسرحى يتطور بل لاماطة اللثام عن النظرية التى بسطها فى (( اهل الكهف )) ، ومفتاح اللغز يوجد عند الملك القائل: (( لا ريب عند الناس فى ان من ذهب سوف يعود ! )) ويوجد كذلك عند غالياس القائل : (( ومن مات سوف يبعث تلك قصة البشرية الخالدة )) (ص 52) . هنا يتعدى توفيق الحكيم الرمز الى التصريح ولعله رأى ان الرمز لا يكفي لبسط نظريته وهذه النظرية هى الصراع بين الكائن البشرى وبين الزمن فان الكائن البشرى لا يؤمن بانتصار الزمن عليه انتصارا نهائيا متجسما فى موت نهائى لا بعث بعده ، وان الانسان بصفة عامة اذ يصارع الزمن لعلى يقين من انه لا محالة منتصر عليه . فهو فى قرارة نفسه مؤمن بالبعث وفي البعث خلود أى نفى للموت وللاضمحلال ونفى للزمن الجارف ، ولقد أشار الحكيم فى كتابه (( التعادلية )) الى ان موضوع مسرحية (( أهل الكهف )) انما هو (( التعادل بين العقل والقلب واختلاله فى اطار مشكلة الزمن )) . ووجوب هذا الصراع بين قوتين فى الكون فكرة عزيزة على صاحبنا ، قعودة الى كتابه (( التعادلية )) تجعلك تفهم مذهبه فى الحياة وحتى فى الفن .

اجل بدا له ان الواحد الصحيح يساوى صفرا وان الحياة الايجابية لا تبدأ الا من العدد (( اثنين )) وان (( كل حركة يجب ان تقابلها وتعادلها حركة وكل قوة يجب ان تقابلها وتعادلها قوة )) . ونادى توفيق الحكيم بوجوب التعادل بين قوة العقل وقوة الايمان اى بين نشاط التفكير ونشاط الايمان ، فأزمة الانسان اى قلقه هى نتيجة اختلال التوازن بين عقله وقلبه .

فان الزمن يصارع الكائن البشرى وهو يصارعه بدوره ، وما خلق الانسان مقياس الزمن الا بعقله فلا يستطيع اذن قهره بالعقل ، الا ان فى الانسان قوة اخرى تستطيع هدم مقياس الزمن ، هى - حسب رأى الحكيم - قوة الايمان بالبعث . فهذا الكاتب يقول فى مسرحية (( اهل الكهف )) على لسان مشلينا : (( ان تلك القوة المركبة فينا وهى العقل منظم جسمنا المادى المحدود . . . آلة المقاييس والابعاد المحدودة هو الذى اخترع مقياس الزمن ولكن فينا قوة اخرى نستطيع هدم كل ذلك )) (ص 158) فما هى هذه القوة القاهرة لمقياس الزمن ؟ هاهى (( بريسكا )) فى مناجاتها (( مشلينا )) تعلن عنها :(( الزمن ؟ لا شئ يفصلنى عنك . ان القلب اقوى من الزمن !)) (ص 162)

فكيف تنتهى المأساة ؟ يموت يمليخا بدون ان يعرف الحقيقة ، ويصرح قبيل احتضاره بقوله : (( اشهد الله والمسيح ... انى اموت ولا اعرف هل كانت حياتى

حلما .. ام حقيقة ؟ )) . فان البشرية طبقات ويمليخا من طبقة الذين لا يتساءلون ولا يحاولون النفاذ الى سر الكون ، اما (( مرنوش )) فهو من الطبقة الواعية بالعقل لا بالقلب ، فلذلك ادرك بعقله ان الزمن وحده حقيقة وان لا شىء ينتصر عليه وان كل ما يبقى انما يبقى فى مخيلة الزمن ، فاقرأ لتزداد تيقنا من فكرته ما دار بينه وبين (( مشلينا )) من حديث :

(( - مرنوش : احلام . . . نحن احلام الزمن    - مشلينا : الزمن يا مرنوش ؟    - مرنوش : نعم الزمن يحلمنا    - مشلينا : كى يمحونا بعد ذلك ؟

- مرنوش : الا من استحق الذكر فيبقى فى ذاكرته )) . (ص 156)

ويرجع مرنوش الى الكهف ليقبر حيا ، ويموت وثنيا لانه رأى على حد قوله : (( افلاس البعث )) ويقبل البلى لان قلبه (( كان قد مات )) ، اذ فقد الصلة التى تربطه بالحياة وبالواقع بعد تيقنه من موت زوجه وولده اللذين يهواهما .

وعبثا يحاول (( مرنوش )) اقناع (( مشلينا )) بنظريته ، فلن يحيد مثلنا عن فكرته ، ويبقى طامعا في التغلب على الزمن لانه لم يفقد الصلة التى تربطه بالحياة . فها هو يقول لمرنوش : (( اقر بان قلبى لم يكن قد مات )) (ص 152) ويقول فى موطن آخر :(( لم اجن . انى فتى ، ولى قلب فتى . قلب حى ، كيف تريد ان ادفن قلبي ؟ كيف ادفن نفسى حيا ، ومن احب على قيد الحياة ، لا يفصلنى عنها فاصل !)) (ص 153) . وهنا يقصد (( بريسكا )) ابنة الملك (( دقيانوس )) التى التحقت به الى الكهف . لكن الزمن قهر مشلينا هو الآخر . فكيف مات ؟ مات وهو يتألم ويصارع الموت والزمن . فاسمعه يقول : (( لست أريد ... لست أريد الموت ... رباه ! انقذني . ها هى ذى السعادة .. ها .. قد قهرنا .. الزمن .. القلب قهر ..)) (ص 161 - 162) . وآخر كلمة يلفظها هى (( وا . . أسفاه )) .

يبدو لنا ان مشلينا لم ينجح فى قهر الزمن فهرا مطلقا اذ تلوح له السعادة اى البعث عندما يشرف على الهلاك وتفتر فيه الحركة شيئا فشيئا وما الزمن سوى حركة فاحذف الحركة تكن قد حذفت الحياة . وما انعدم (( مشلينا )) رغم ذلك ، لان ايمانه بالبعث قد قهر مقياس الزمن ولم يبق الزمن هكذا حقيقة مطلقة . فكلمة (( مشلينا )) الاخيرة الى (( بريسكا )) هى : (( الى الملتقى )) . فانه

لم ينعدم شأن (( يمليخا )) الذى ذهب فى البحران وشأن (( مرنوش )) الذى اصبح ذكرى فى مخيلة الزمن . انما بقى (( مشلينا )) رجاء فلذلك لم يضع يده فى يد مرنوش ولا فى يد (( يمليخا )) لانهما قالا :(( الوداع )) . اما هو فقد لفظت شفتاه بقوله (( الى الملتقى )) .

والتحقت (( بريسكا )) بالكهف لتقبر حية هى الاخرى وقبلت الموت كى تنتصر على مقياس الزمن وودعت حبيبها (( مشلينا )) بقولها : (( الى الملتقى )) مما يدل على انها مؤمنة بالبعث . ويريد توفيق الحكيم ان يبين ان دفن فتاة حية ليس بيأس انما هو باب مفتوح على امل ممكن عن طريق القلب . وهذا الامل هو البعث .

تلك هى مسرحية توفيق الحكيم الرمزية الجميلة التى وفقت الفرقة البلدية - مهما يكن من امر - فى تمثيلها وان ظهر شىء من الضعف احيانا فى ادوار الممثلين .

اشترك في نشرتنا البريدية