الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية العدد :، ليس للثورة قيمة،

Share

الشخصيات

عمار : صانع المتفجرات الشيخ غيث : ثائر شاب صلاح : ثائر شاب يمينة : عشيقة القائد ساسى الصبي : فى حدود الثانية عشرة من العمر

رؤوس الجند وبنادقهم المنظر العام

الزمان : قبيل بزوغ الشمس بقليل ثم وقد اخذ الشفق يصطبغ باللون الاحمر القاني والنور ينتشر شيئا فشيئا . . .

المكان : فسحة في جبل وقد ظهر فى أقصى اليسار السهل والشفق ، وفي الناحية اليمني برزت صخرة ملساء شامخة . . .

اللوحة الأولى

يظهر غيث فى هيئة ثائر يلبس لباس الثوار ويحمل السلاح ومن خلفه عمار يحمل كيسا على ظهره ينوء بحمله ويعرج ايضا .

عمار : ( وهو يتنفس بصعوبة ) لقد اتعبني السير غيث : اننا لا نزال فى أول الطريق عمار : ( متوقفا ثم رافعا بصره الى الجبل ) انها طريق وعره .

غيث : كل الطرق فى هذا الجبل وعره . عمار : كل الطرق فى كل الجبال وعره . غيث : لكنك عرفت مثل هذه الطرق من قبل . عمار : لقد هجرتها منذ مدة بعيدة . غيث : هل تراك اليوم نسيتها أم هى تغيرت في نظرك . عمار : ان رجلى ما فتئت تؤلمنى .

غيث :(هنيهة صمت) لا تفكر فيها . عمار : كيف لا أفكر فيها اننى لا أكاد أقوى على السير . غيث : (فى لهجة شبه حاسمة) علينا ان نصل فى الوقت المحدد ايها الرجل يجب ان تتناسي وجع رجلك هذا . عمار : لكنها توجعني فكيف تريد مني أن أنسى ووخزها يكاد يعصر قلبي .

غيث : بامكانك ان تنسى اذا اردت ذلك . عمار : أقول لك أن الألم يكاد يقصم رجلي ، ألا تستطيع أن تفهم . غيث : ومع ذلك يمكنك أن تنسى . . إذا أردت أن تقهر الألم يجب أن تتناساه ولا تفكر فيه . عمار : (وهو يتطلع فيه باستغراب) من أين تعلمت هذه القواعد .

غيث : (بعفوية) هكذا يقول لنا القائد ساسي كل الناس يعرفون ذلك . عمار : (فى صوت اكثر رصانة) لكن ليست كل الآلام يمكن للانسان ان يتناساها . . هنالك آلام تبقى لا يمكن قهرها . . انني أقول لك هذا عن تجربة ، فأنا أكبر منك عشت طويلا وعرفت الكثير من الاشياء .

غيث : (في غير اكتراث) وماذا تريد أن نفعل الآن إذا كانت رجلك تؤملك ، فنحن مرتبطون بتعليمات . . والنهار بدأ يتضح وربما اكتشف الجنود امرنا . (ينظر الى عمار وهو يتألم فيرق له قلبه ويتقدم منه) اعطني أحمل عنك بعض هذه الاعباء .

عمار :(يناوله الكيس) حسنا فعلت ، الآن اصبحت شابا لطيفا . غيث : فلنكف عن الثرثرة ، وهيا بنا . . هيا ، يجب ان نصل فى الوقت المحدد . عمار : أرجو أن لا يكون احد يتعقبنا .

غيث :(ملتفتا حواليه) يبدو أنا فى مأمن الآن لقد ابتعدنا عنهم عمار :(وهو يشير الى الكيس) لو لم يكن هذا الكيس لما كانوا ليصيبونى ، الخنازير .

غيث :(فى زهو) لكننى فتحت عليهم سيلا من النار . . . عمار : ربما تكون أصبت واحدا منهم . غيث : لقد فروا هاربين . عمار : لا شك في أنهم ذهبوا ليخبروا عنا .

غيث : كان بامكانهم ان يلاحقونا . عمار : انها دورية حراسة قليلة العدد . . توهموا اننا اكثر منهم قوة ، فلم يقدروا على الوقوف فى وجوهنا .

غيث : لا شك في اننا الآن بعيدون عن الخطر . عمار : نعم بعيدون (ينحني يتلمس رجله) أريد أن أرى هذا الجرح . . غيث : (دون ان يلتفت) دعنا من أمر الجرح الآن سنراه فيما بعد . عمار : (وقد جلس على الارض واخذ يعالج رجله) انه لا يزال ينزف دما ...

غيث : لماذا فتحته . . انك تفوت علينا الوقت . . أرني (ينظر فى الجرح) ألم أقل لك انه جرح غير خطير . عمار : انك لم تضع هذه الخرقة كما ينبغى . غيث : دعنى اعد ربطها من جديد ، وعلينا بعد ذلك ان نواصل السير . . عمار : لماذا انت مستعجل الى هذا الحد .

غيث : يجب ان نلتحق بالجماعة قبل بزوغ الشمس . عمار : كم يلزمنا من الوقت للوصول اليهم . غيث : ربما ساعة أخرى من الوقت . عمار : (فى استرخاء) ساعة أخرى .

غيث : على أكثر تقدير . عمار : (وهو يتشاغل برجله) لا أظن اننى قادر على الذهاب معك . غيث : (فى استغراب) لكنني لا أرى فى جرحك ما يدعو الى كل هذا الخوف ، انك تعرضنا للخطر بسبب هذا التصرف لقد بدأ النهار يتضح . . سيكتشفون أمرنا . .

عمار : إذا اردت ان تلتحق بجماعتك اذهب ولا تنتظر منى . غيث : (مستغربا) ماذا تقول ؟ ! عمار : أقول لك لا تنتظرني ، اذهب الى جماعتك . غيث : (وهو يذهب ويجئ) أنا لم أفهم شيئا . . بأى لغة تتكلم ماذا تعنى ، ماذا تريد أن تقول بالضبط . . تكلم معى بوضوح عمار : (فى لهجة حاسمة) قلت لك اذهب الى جماعتك ، لا تنتظرني ، أنا لست ذاهبا معك .

غيث : وأين ستذهب اذن . عمار : لقد قررت الرجوع الى بيتي . غيث : (صارخا) ماذا . . تريد ان ترجع الى بيتك ، هل تعي ما تقول . عمار : نعم قررت الرجوع وأنا أعى ما أقول . غيث : وهل تظن انك قادر على الرجوع .

عمار : وماذا فى ذلك ، اتحسب اننى سأتيه فى هذه المسالك أم انك خبير بها أكثر منى . . اننى ابن هذا الجبل اعرفه بكل تفاصيله من قبل أن تجيء انت الى هنا .

غيث : (مغيرا لهجته) هيا كفانا من هذه الثرثرة يا عم عمار . . أهذا كله بسبب الجرح . . جرح بسيط يغير موقفك ، يا للغرابة ثم ان الجماعة ينتظروننا وسيتولون معالجتك بمجرد أن تصل . لديهم كل أنواع الادوية اللازمة ، لا تخش شيئا . . ان مسألة الرجوع الى بيتك فيها مخاطر كبيرة ، فسيكتشفون أمرك ويعرفون انك اصبحت من الثوار . . خير لك أن تنهض وتنسى حكاية هذا الجرح .

عمار : لأننى قررت الرجوع وليس ذلك بسبب الجرح ، انه كما ترى ليس بذى أهمية (يأتي حركة من رجله) انما قررت الرجوع وكفى . غيث : إذا لم يكن ذلك بسبب الجرح فلأى سبب آخر اذن . . لماذا لم تعارض فى الذهاب منذ البدء . . لماذا لم ترفض رسالة القائد ساسي منذ اللحظ الاولى .

عمار : ها أنا ذا أرفضها الآن . غيث : الآن.  عمار : نعم الآن .

غيث : لم يعد من حقك أن ترفض الآن . عمار : هل أصبحت تفرض على مواقفك . غيث : انت الذى فرضت على نفسك ، لقد قبلت منذ البدء الذهاب معي فلماذا تتراجع الآن .

عمار : أنا حر في أن اختار الموقف الذي أراه وفي اللحظة التى أريدها . غيث : انك تعرضنا للخطر بسبب هذا الموقف ، ثم ان الجماعة قد احتاجوا اليك . . اذا قررت حقا الرجوع فستقوم بعمل غير شريف . . لماذا قبلت منذ البدء بعد ان تعرضت للرصاص وكلفت نفسك هذه المشقة .

عمار : (بعد صمت قصير وقد جلس القرفصاء) اننى استطيع أن أكون أكثر نفعا فى بيتى . غيث : وتستطيع أيضا أن تكون نافعا لنا فى الجبل . عمار : أنا لا أدرى لماذا اذهب معك الى هذا الجبل ؟ !

غيث : تذهب معى من أجل الثورة . عمار : لكنني أريد أن أبقى فى بيتي لا أريد أن أذهب الى الثورة . غيث : أن الثورة سوف تأتيك حتى ولو لم تذهب اليها . . سوف تقتحم عليك باب بيتك .

عمار : لقد كنت ثائر فيما مضى ، والآن لقد اصبحت شيخا ، لا استطيع أن اعيش عمرى كله وأنا ثائر . . أريد أن أبقى فى بيتى . غيث : لكن متى كنت ثائرا . عمار : منذ زمن بعيد (وهو يتفحصه) يوم كنت فى مثل سنك .

غيث : وهل تقاس الثورة عند حدود سن معينة . عمار : (فى شئ من التأمل) هذا يتوقف على قابلية الاشخاص الذين يمارسونها ، فهنالك من يعيش عمره كله ثائرا وهنالك من يثور فيما بعد وثمة اناس ينقطعون عن مزاولة الثورة فى منتصف الطريق .

غيث : وأين تضع نفسك من بين هذه الاصناف . عمار : لا أعرف . غيث : حسنا كيف انقطعت أنت عن الثورة . عمار : انقطعت بسبب زوجتى وأطفالى وبسبب بعض النعاج أيضا .

غيث : وماذا حدث للجماعة الذين معك . عمار : (فى شرود) أية جماعة . غيث : جماعة الثوار . عمار : لم تكن معى جماعة .

غيث : (ضاحكا) إذا كيف تدعي انك ثائر ، لعلك كنت ناسكا . عمار : (فى بلاهة) لم أكن ناسكا .

غيث : لا يمكن أن يوجد ثائر بمفرده . . الثائر لا يوجد الا ضمن جماعة ، ثم انه لا يتخلى أبدا عن قضيته . . عمار : كان ذلك فيما مضى ، أما الآن فقد قلت لك أننى أصبحت شيخا ، اريد أن أبقى فى بيتي من سيرعي النعاج .

غيث : حتى ولو اصبحت شيخا وتريد أن تبقى فى بيتك وترعى النعاج ، ما دام الجماعة الذين تعيش ضمنهم ثوارا الآن فليس بامكانك الا أن تصبح ثائرا مثلهم .

عمار : قلت لك أننى قد تخليت عن كل شئ . غيث : لكنه بامكانك أن تبدأ كل شئ من جديد . عمار : لقد عشت كل هذا العمر وأنا لا أعرف شيئا ولا أريد الآن أن أتعلم شيئا ثم أننى لا أحب أن أقوم بعمل أنا لا أريد القيام به .

غيث : لكنك تعرف كيف تصنع المتفجرات . عمار : تلك مسألة أخرى غيث : بل هي المسألة نفسها التى من أجلها ندعوك للالتحاق معنا بالجبل . عمار : انكم تقودوننى الى الموت . غيث : دعنا من الحديث عن أمر الموت .

عمار : (وهو ينظر في عيني غيث) لكنني سأواجه الموت . غيث : انك ستحمل السلاح معنا ، ألم تقل انك كنت ثائرا فيما مضى . عمار : إذا حملت السلاح فانني سأواجه سلاحا مقابلا . . انني بحملي للسلاح ادعو الآخر الى مقاتلتى ، وأنا لا أريد أن أكون قاتلا ولا مقتولا . غيث : لكن الآخر يتربص بك وسيقتلك حتى ولو لم تحمل السلاح . عمار : لكنني سأتعجل قتلى اذا ما رفعت السلاح فى وجهه .

غيث : انه بدأ يقاتلك من قبل أن ترفع فى وجهه السلاح . . ليس بامكانه ان يحيا دون أن يشرب من دمائك ، ولقد وجدها رخيصة بلا ثمن فاستلذها ... انه يحرث الارض ويحصدها بينما تكتفى أنت صاحب الارض الحقيقى بالنظر اليه . . وتتردد بعد ذلك فى أن ترفع السلاح فى وجه قاتلك . . أنت ميت منذ البدء فلا أقل من أن تقتل ثم تموت .

عمار : اننى بحملى للسلاح استعجل موتى . . غيث : الموت ، الموت . . دائما تتكلم عن الموت ، إذا كنت ثائرا حقيقيا تدافع من أجل تحقيق الحرية والعدل فى وطنك ومت بعد ذلك فانك بموتك تثرى الحياة وتزيدها عمقا وصلابة . . الثائر الحقيقي لا يموت ففي موته تجديد للحياة .

عمار : اعلم أن الثائر يموت شهيدا كما فى الآية الشريفة (يبحث عنها ولكنه لا يجدها) الآية . . . غابت عني الآن ... غيث : (فى ضيق) أنا لم أقل شهيدا أو غير ذلك . . ماذا تعنى كلمة شهيد هذه .

عمار : (وقد اعتدل فى جلسته) تعنى يا بني الآية . . الآية . . آه ولا تظن من يموت فى سبيل الله ميتا بل حى فى الجنة ، صدق الله العظيم .. نسيت الآن الآية لكن معناها أن الذي يقتل من طرف الكفار يدخل الجنة التى فيها انهار من عسل وفيها حور العين . غيث : (ضاحكا) حور العين ، ألم تقل أن لك زوجة .

عمار : لا تحاول أن تهزأ بي يا غيث يا بني . غيث : وما هذا الكلام ، شهيد ، كفار ، حور عين ، جنة ، جهنم أنا لا أفهم هذا الكلام .

عمار : (فى لهجة نصوح) لا تكفر يا بني . غيث : أنا لا أعلم شيئا من هذا ، كل ما أعلمه أننى أضحى ، أهب حياتي لكى يعيش أولادي من بعدى أحرارا سعداء . . ففي العيش الحر الذي سيحياه أولادي من بعدى بعث جديد لى وتجديد لحياتى .

عمار : الذي أعلمه أن الذي يقتل من طرف الكفار يموت شهيدا ويدخل الجنة . . لقد نسيت الآن الآية . . . غيث : أنت اذن تريد أن تموت شهيدا حتى تدخل الجنة . عمار : لا أحد يعرف كيف سيموت .

اشترك في نشرتنا البريدية