الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية العدد :, الف لام ميم (*)،

Share

- 3 -

اللوحة الخامسة

الديكور : مكان اشبه بغرفه موصدة . نافذة فى السقف تتسلل منها أشعة مغيرة موحشه باب فى صدر المكان . يجلس عباس إلى اليمين على كرسية يتامل مجهرا . على منضدته البيضاء توجد عقاقير متنوعة يلبس عباس ملابس طبيب على عينيه نظارتان طبيتان . الى اليسار تقف قمر بملابس طويلة شعثاء الشعر .

قمر : ( تقف تحت الضوء المنبعث من نافذة السقف ، تعبث بشعرها ) . كنت جالسة أمام البحر عندما انتصب أمامى الشرطيان ، عيونهما صامدة قوية ، سواعدهما جبارة بلفظهما أمر . قالا لى : ( تقلد صوت رجل ) يجب أن تنعزل عن الشاطئ المهجور وأخذانى ذات مساء وقادانى الى هذا المكان ... عباس : تقصدين : الى هذه المصحة .

قمر : ( تضحك ) هراء محض هراء . ليس هذا المكان مصحة ، ثم ان المصحات عادة تحيط بها حدائق غناء ، تزقزق فيها الطيور الرائعة وتينع فوق أشجارها ثمار شهيه . المصحات فيها الهواء النقى أما هذا المكان ... فهو أبعد ما يكون عن المصحات . ثم هل تقنعنى يا سيادة البحاثة : بأننى فى مصحة وأنا وافرة العافية كما ترى ؟

عباس : الطاعون يا سيدتى . . الطاعون . . هو مرض يرى ولا يرى ، غير محسوس ينخر قلب الانسان وعقله ودمه . . أنا أيضا مصاب بالطاعون ... ان المصابين بالطاعون تصدر فى شأنهم قوانين صارمة ، تعزلهم عن حضيرة الناس . خذى مثال أنت . . فكرى فى نفسك .

قمر : لست مريضة ، أرفض أن انعزل . . . عباس : ارادتك وهم وسراب . . تذكرى ، أنبشى ذكراك لعلك واجدة ... لماذا كنت تجلسين وحدك أمام البحر . . فى شرود عميق .

قمر : كنت ألقى أسئلة على البحر .. عباس : بل كنت تجيبين عن أسئلة البحر . . الانسان دائم الاجابة ، لا يسأل . . وإن تظاهر بالسؤال هو الواقف أبدا فى قفص الاتهام .

قمر : الشك لعبة قديمة ، تستعملونها أنتم رجال العلم كنتم منذ نشأة الحيرة فى تاريخ تطعموننا الشك القاتل ، وتحتفظون باليقين لأنفسكم .

عباس : الشك واليقين ينبتان فى الارض البور ، هما تعويضان عن فشل الانسان .

قمر : دعنى من التحديق الفارغ ، اننى أحس بالاختناق . . آه ما كان أروع امتداد البحر ...

عباس : البحر هو المطلق ... فأنتحرى فى صمت ضاع المطلق . . كما تضيع الأوهام .

قمر : المطلق ليس وهما . . هو الحقيقة يا عباس . ( عباس يذهب لمجهره ) .

عباس : لا حقيقة ممكنة سوى أننا فى مصحة ضيفة ضيقة . . نحن فئران فى مصيدة كبيرة ، أغرانا حب الاطلاع فدخلنا هذا المكان ، وأوصد الباب بعد أن انتصب الشرطيان كالقدر خلف هذا الجدار .

قمر : البحر كان عميقا ، يتصل بالسماء فى أعراس الشفق ، كان البحر غفرانا وتكبيرا عن ذنوب التراب .

عباس : ( يكتشف شيئا تحت المجهر ) ان الحياة تنبعث من عدم الاشياء الميتة تنبثق الحركة ، هنا أمام عينى . . انه الانتصار يا قمر . . انتصارنا جميعا .

قمر : أخيرا اكتشفت الحياة ( فى سخرية )

عباس : بلى بلى . . وجدتها . . هي نقية كالسماء . . بل قولى شرعت فى اكتشافها ، وذات يوم قادم سوف أصنعها من هذا العدم الغامض ، سوف ابلورها وأبعث فيها الروح والشكل والمعنى . . ان حلمى منذ طفولتى هو أن اكتشف مادة أخرى للحياة . . . هو أن أرى العالم مقاما على أساس جديد ... غير الاساس الحالى ...

قمر : وبعد ذلك ؟

عباس : حينئذ فقط يمكن لنا أن ننصرف عن المصيدة بكبرياء ، وتعودين أنت يا قمر للشاطىء تملئين عينيك الشريدتين بمطلق البحر . . . خلاصنا قريب قريب جدا .

قمر : ( تقترب من منضدة عباس وتنظر فى عدسية المجهر ) . أرى أشياء وأجساما معدومة اللون ، بل هى أشبه بالرمادى الداكن .

عباس : اللون لا يهم يا قمر ، تأملى الشكل ، ترى الخلايا الجديدة . ان أصل العالم هو خلية بحرية جزئية ، تطورت وتعقدت وكانت الحياة . . . انطلاقا من حركة مجهرية بسيطة .

قمر : أعلم ذلك ، ألم أقل لك ان المطلق هو سر الكون ؟

عباس : ليس هذا ذا بال أبدا ... أنا أنوى أكتشاف الخلية الاولى فأصنع منها الحركة وتكون أنقى أصلا وأصمد فى وجه الموت . . .

قمر : ان الحياة كما هى رائعة فأتركها وشأنها

عباس : طبعا لكننا لا نحياها .

قمر : آه أيها البحر ، أيتها النجوم ، أيها الهواء النقى . . تصور حتى الماء يمنعونه عنا الا بمقساط ضئيل لا يطفئ حرائق النفوس ولفح القلوب . لو عدت الى شاطئك يا بحر .

عباس : بل قولى ، لو اكتشف عباس خلية الوجود الفاضل .

قمر : من العقل والحكمة أن نقول : لو يفتح هذا الباب الموصد . ( تعود قمر الى الجلوس ويروح عباس يخرج محتويات عقاقير ) .

قمر : زرعتنى يد غريبة فى أرض يباب ( تنكمش لتقلد آنغلاق البذرة ) بذرة من بذرات الميلاد ... عانيت من عطش الأديم ، مددت جذورى أبحث عن قطرة ماء ورواء ( تمد أطرافها كما تمتد الجذور فى الارض ) لا شئ ، الجفاف ، الجماف . أرادتنى الطبيعة شجرة ملعونة وأردت نفسى زيتونة تمنح الظل والزيت والشفاء والضوء . . . .

عباس : قانون الحياة ، نحن عزل مغلوبون على أمرنا . قمر : ( فى أنفجار ) أقتلعتنى عاصفة هوجاء ذات خريف ( تذرع المكان فى

دوار ) . وأخذونى الى هذا المكان بعد ذلك . . نحن اذن فى معزل عن العواصف . . هذا المكان هو ملجأ للخائفين الضائعين ...

عباس : ملجأ ( فى سخرية ) ملجأ ... لا يا سيدتى لا ، انها مصحة ونحن مصابان بالطاعون . . . لا جدوى من وضع الأقاويل وتزييف الحقائق ورفض الواقع .

قمر : وطفولتى . . .

عباس : طفولة بائسة تستحق الرثاء

( يفتح الباب فجأة على مصراعيه ، فيغمر المكان نور كثير ، ويدخل رجل يلبس معطفا ويحمل حقيبة ، يدهش عباس وقمر لدخوله ، أما الرجل فيجلس فى صمت على كرسى يتوسط المكان ، تسرع قمر الى البلد تريد الفرار ، ولكن الباب يوصد بسرعة فتتجه للرجل وتجلس على ركبتيها ) .

قمر : أوصد الباب من جديد ، حتى متى تتواصل اللعبة القاتلة ، لا بد أنك خلاصنا أيها الغريب . . أنت تعرف لا شك سر هذه المصيدة التى يحشروننا فيها . . .

المسافر : ( كأنه يفيق من غفوة ) مصيدة . . عن أية مصيدة تتحدثين انها ثرثرة غامضة ٠٠

عباس : قلت لها فكذبت .

قمر : اذن أين نحن ، ومن أنت ومن نحن ؟ ...

المسافر : اليقين الوحيد هو أننى فى قاعة انتظار بالمحطة ، وبعد ساعتين سيأخذنى القطار الى مدينة توجد بها امرأة أحبها .

عباس : هذه حكاية أخرى ، أقسم أننا لم نهتد اليها .

قمر : إذا كان هذا المكان قاعة انتظار فى محطة ، فلماذا نقاد اليه قهرا ؟ ولماذا لم يأت القطار لاخذنا . ثم انى أعتقد أن المحطات اكثر جمالا لتأنس لها قلوب المسافرين .

عباس : قلوب الضالين . . فان كل مسافر ضال .

المسافر : الضلال أفضل من أهتدائكما ، نحن نبحث عن شئ مجهول ، نحن بلا هوية ، ولذلك تغالب الايام ونحيا ( ينظر إلى ساعته ) ساعتان فقط ونرحل .

قمر : الى أين ؟

المسافر : الى مدينة أسوارها عالية سميكة ، خرافية الأبواب ، يحكمها السأم والجوع .

عباس : مدينة ميتة أيها الغريب .

المسافر : ليست كما تعتقدان ، ففيها ولدت المرأة التى أحب ، عيناها بحيرتان هادئتان ، شعرها حالم حالم كليلة حب ، جبينها فجر رائع نقى يطلع على ديجور العالم . . قدماها من برد . . . هى انبثاق الينبوع فى بوار المدينة . . . آه لو أراك يا معبودتى ...

عباس : هى ككل النساء . . جوع أعمى للشهوة .

قمر : بل جوع مقدس للشهوة . . أرجوك يا سيدى ( المىسافر ) كيف تدعى أننا سنسافر معا ونحن لا نحمل حقائب مثلما تحمل ؟

المسافر : يكفى انكما تحملان بذور التشرد في أعماقكما . . . عباس : التشرد . .

المسافر : بلى . . الشرد هو القدرة على أن نحبط مؤامرات التاريخ والموت .

عباس : لعلك لن تحظى بالوصول الى مدينتك ... انى آسف آسف جدا لذلك ..

المسافر : لماذا ، اننى أختزن حبا جارفا كالطوفان لهذه المرأة ... وفى قلبى ارادة العواصف لأن أعانقها هذا المساء ... سوف تكون على الرصيف أجمل من المساء وأعمق من البحر وأطهر من الفجر .

عباس : ( مشيرا الى المجهر ) انك ترى أن بحثى متواصل لا ينقطع ...

قمر : هو يريد تفجير حياة أفضل من الحياة الحالية ( بسخرية ) وستكون مدينتك وقطارك وأمرأتك حسب رأى البحاثة السيد عباس معرضة جميعها للابادة .

عباس : نعم ، ولكن لا مجال للحزن أو اليأس ، فالخلية البحرية التى أنا بصدد البحث عنها ستلد عالما أجمل ، لا يعرف الجوع أو الحرب أو الأقنعة المزيفة ...

المسافر : العالم بخير كما هو ، ثم ان هذا الهدف جنون ، بحب مراعاة الرأى العام وآستشارة رجال المجتمع والاعتماد على فصول القانون .

قمر : نعم ، رجاحة العقل تفرض ذلك . عباس : الرأى العام ورجال المجتمع وفصول القانون ...

قمر : والساسة ورجال الدين والاطباء والمهندسون ...

عباس : رائع ... كل هذا رائع ، ولكننى ما دمت منعزلا ، يأكلنى الطاعون ، ولا تمتد لى يد بتحية أو يتجه لى فم بحرف ، فكيف يمكن أن أقنع هؤلاء جميعا بسداد رأيى ، ثم ان هؤلاء لا يرضيهم أن يتغير العالم ، بل من مصلحتهم أن يبقى مريضا خاويا .

قمر : هنا تكمن المشكلة . المسافر : والقطار ، هل نسيتما القطار ؟

عباس : قصة القطار والمحطة من صنع خيال مريض ، كل المصابين بالطاعون يحلمون وتصور لهم أنفسهم خيالات وأوهما غريبة مشوهة . .

المسافر : ( لقمر ) هل قال الطاعون ؟

قمر : لا تكلف نفسك عناء التفكير فى دعاوى عباس . . هو نذير شؤم لا ينقطع صوته الأجش . حدثني عن القطار والمدينة .

المسافر : هو جبار ، عجلاته فولاذية تهتك ستر الأرض ، تطوى مساحات الخراب . فى عرباته تجدين الوجوه الضاحكة ، والوجوه العابسة تجدين العيون المطمئنة والعيون الحائرة . مسافرين يثرثرون عن الحرب والسلم والحرية .

عباس : أوهام بائسة .

المسافر : يثرثرون عن الحرية والتاريخ . . مسافرون يحدقون من نوافذ العربات فى الحقول والشواطئ

قمر : آه أيها البحر ، ما أعظم قلبك المعطاء الأخضر . . . أذكر مرة ذات ليلة من ليالى الصيف رأيت عاشقين فى عراء الثمار الطرية . . رأيتهما ينامان بين لفح الماء ويومة الرمال . . وقلت فى نفسى ليلتئذ : ما أعظم ميلاد الانسان وما أكبر قدرته على التجدد . . فالعاشقان كانا يمنحان للمساء والبحر ما لهما من روعة وكبرياء ويأخذان منهما طاقة الميلاد . .

عباس : هى سنة من النوم . . . فترة رقاد وحلم ... ثم يصطدم بالحياة  كما هى .. . جدار صعب التجاوز مستحيل التسلق عسير التحطيم ...

المسافر : العاشقان ... نقاء كامن فى جناية العالم كما تكمن النار فى الصخر هما طفولة الكون . . . طفولة الكون .

قمر : والبحر . . . هو مهد العشاق . عباس : بل مهد الحياة .

قمر : لوحة أسطورية الالوان والمعنى ... جسدان مطروحان على الشاطئ  المجهول وعبرهما تتوالد الاشياء وتتجدد القصة القديمة . المسافر : انها قصة السفر الأبدى والظما الأبدى حيث يبقى اللقاء والوصول من شأن التخيل . . المهم أن نرحل باستمرار ، أن لا تغرينا راحة المحطات فنقبع فى الصمت . . السفر كان لدى دائما بحثا عن الحوار . . وأنا أهرب من الوباء لأنه صمت العالم ، أهرب من الحقد لأنه صمت الانسان . . أهرب من الليل لأنه صمت الزمن ، أهرب من المعبد لأنه صمت التاريخ . . . أما الترحال فهو الكلام الثرى الذى يصنع القصص . . أنا أهوى عيون المسافرين فهم مجهولون دوما ألقاهم فى القطارات والمحطات والموانئ والمطارات ، مشردين فى تطلعهم يبحثون عن شىء جديد .

قمر : حياة خصبة شهية .

عباس : أنت تنقادين بحمق الأرنبة الغريرة . . هذا الرجل عاجز كالدمية الخشبية ، جربى يا قمر . . أطلبي منه أن يفتح الباب . . لتسمعى المد والجزر فى صلاتهما النقية . . جربى .

المسافر : الباب سيفتح من تلقاء نفسه بعد ساعة ونصف وستصاحبيننى يا قمر الى المدينة لنتولى احراقها ثم تشييدها من جديد .

عباس : المرأة لا تستطيع القيام بجنايات فادحة . المسافر : لا تحبط ارادتى ... المرأة قدرة على التجاوز وأنتصار ضد الموت .

عباس : بل هى المخلوق الغريب الذى يخون كما يتنفس . . هى مجموعة خلايا غريبة التكوين عجيبة الكينونة . . . ( لقمر ) لا تصدقيه يا سيدتى ، فهو يحاول أن يفجر فيك بركانا لا تتحمله نفسك الرقيقة الضعيفة . . . هو يا سيدتى أفاك مشرد يبحث عن شريك لارتكاب جريمة خطرة .

قمر : انكما فى عينى متشابهان . عباس : نحن متشابهان الى حد كبير ولكننى أملك الصبر ... أملك الانتظار

البارد . . مهما كان طويلا وقاسيا . . وهذا الرجل يريد أن ينهى أسطورة الزيف ثم ينتهى . . .

قمر : ولكنك كافر جاحد لا تؤمن بالمدائن التى تقام بداية من الصفر وتؤسس على رماد الحرائق .

عباس : أنا كافر بالمعجزات ...

المسافر : المعجزات ... وهل تعتقد أن عملك هذا وبحثك المستمر عن خلية جديدة للحياة هو من أمر الانسان . . . وليس من قبيل المعجزة والوهم .

قمر : هو يريد منافسة الطبيعة فى بعثها ونشورها .

عباس : ذلك حلمى منذ طفولتى ... لقد نشأت فى مدينة مباحة للصوص والوحوش ، ورأيت فى صباى كيف تكون الحياة حلبة موصدة يتقاتل فيها الناس . . ذات يوم أستبيحت أختى وأنا أشاهد ذلك بعينى هاتين . . هل فهمتما . . المأساة تبدأ من الجذور . . . من الأصل . . القضية توجز فى البحث عن الخلية الجديدة ..

المسافر : طفولة أليمة حقا . . . المدن المستباحة كالمدن الموبوءة ... كلها تدفع الى الانتحار أو الى الثورة ...

قمر : أو الى الفرار .

عباس : الفرار هو الطريق المسدودة . . . لأن الذى يفر سعى على خط مستدير ، يعود به الى نفس النقطة . . .

المسافر : وها نحن كلنا فى نفس النقطة . . . يخيل الى أننى فى نقطة الانطلاق ... نقطة الصفر ...

عباس : اننا فى مصحة ... معزولون عن الناس بقرار حكومى رسمى أمضاه الأطباء ووقع عليه رجال الادارة ... مصحة بعيدة عن الضجة ... ولكنها مغلقة الأبواب دائما ...

قمر : اذن هى محتشد ...

عباس : مصحة كافية لشفائنا على كل حال ... ينقصها الهواء والماء الصالح ولكن المهم أن نحيا أن نتحرك ...

المسافر : نتحرك لاحراق المدينة .

قمر : بل للتفتيش عن مفتاح هذا الباب والرحيل للبحر . . آه أيها البحر أين صمتك وعمقك . . .

عباس : اصراركما على التدليس اصرار غريب ...اصرار طفولى على الكلب . . .

المسافر : لا تدليس فيما أقول ولا حيف . . . هذه حقيقة واضحة كالشمس , نحن فى محطة قطار ، وسوف تتأكد من صدق نظرتى للأشياء حينما ترى القطار يأخذنا الى المدينة الموعودة . . . ثم اننى سأحارب التدليس فى المدينة بما أحمله فى نفسى من مواجهة وعراء . . .

عباس : مجرد خضوع لقانون الكون . . . أنت تقاوم التدليس ثم تعود لاستعمال التدليس كآلة عمل حتى تتربع على عرش المدينة العجوز ... هذه هى سنة الثورة والاحراق . . لا بد أن أراك ذات يوم وعلى وجهك قناع الزمن . . ككل الذين يتقنون أدوارهم على المسارح فيصفق الجمهور وينزل الستار ولكن الممثلين يتشبثون بالخشبة لعلوها وراحتها ، فيغيرون أقنعتهم ويظهرون فى فصل آخر بوجوه أخرى ويعاد التصفيق ، هى قصة التدليس ، قانون ومنطق متعارفان . . . هما سلاحك الوحيد . . هما ورقتان رابحتان ... أما هذا المجهر الصامت البارد . . . فهو النافذة المفتوحة على الجزئيات اللامرئية ومنها سينبثق العالم الطاهر الذى يعانقه الفجر . . .

قمر : الفجر . . . حلم بعيد ، اننى أختننق فى هذا المحتشد . . الهواء . . . الهواء . . أريد الهواء النقى يغمر رئتى ويلفح وجهى . . . ( تطرق الباب فى عنف ) الهواء . . . انى أموت ... الرحمة .. . الهواء .

المسافر : لا هواء ولا قطار . . . أيمكن أن يتأخر القطار بهذه الصورة . . . هلا سأسمع ازيزه وهو ينهب هذه المساحات ... ( يجرى الى الباب ويطرقه ) هل تسمعون ما نقول ... هل يصلكم صراخنا . . . هل جاء القطار ... أننا نتوسل اليكم بأن تمننحونا الهواء . . . الهواء ...

عباس : الهواء لا يهمنى ... ان أتى أو لم يأت ، فلقد نشأت فى عفونة المدينة المختلفة ، وعرفت ضغط الزمن المريض . . . وها أنا ذا أصنع الهواء النقى من الصفر ، من البداية . . . ولكن المؤلم حقا أن يبقى ثلاثتنا فى فراغ هذه الصحة . . . ممنوع علينا الحوار . . وبعيد عنا الأمل .

المسافر : ( يركع مع قمر أمام الباب المغلق ) . وحشه قاتلة لكأننا فى حلم مزعج . . نعانى من حمى الانتظار واليأس .

قمر : الهواء . . . الهواء . . اننا نموت صبرا . . من الذى حكم علينا بهذا المصير المقفر . . . ان الدوار العنيف يعذبنى . . لم أعد أتبين ملامحكما . . هل أنا عمياء . . . هل مسخت حشرة حقيرة أدب فى هذا الجحر .

عباس : لا جدوى . . لا حوار . . أتساءل فى أعماقى هل نحن نصنع الحياة أم نصنع أنفسنا على قياس الحياة .

المسافر : نحن فقط ارادة .. . نسعى بالعقل الى البناء والعالم يسعى بالطبيعة الى التحطيم ..

قمر : بل نحن نوجد لننقبل . .

عباس : لنجيب عن أسئلة العالم . . . هي لعبة قديمة نستطيع أن نجربها كالدمى الخشبية . . هذا الرجل مثلا ( يشير الى المسافر ) فيه استعداد وارادة هو الذى يملك طاقة السؤال . . جرب أن تسأل هذه المرأة بحدة وعنف وصمود ...

المسافر : ( ينهض ولا تزال قمر راكعة ) . ما أسمك ؟

قمر : قمر . المسافر : من أين أقبلت ؟

قمر : لقد قادنى شرطيان الى هنا . . . المسافر : ماذا تريدين ؟

قمر : البحر . . . . أريد البحر المسافر : من أنت ؟

قمر : أنا . . . . أنا . . . . من أنا . . . أنا أطالب بالهواء . . أصرخ من أغوارى الهواء . . امنحونى الهواء ( تعود تطرق الباب ) .

عباس : السؤال والجواب . . أريتما كيف يجدب الحوار . . . كيف ينتصر الصمت . . لنصمت ... لنصمت ... لنعانق خشوع ذواتنا . .

قمر: الصمت هو الحكم الذى صدر بعد ادانتنا . . أما أنا فأقتبله راضية مرضية كما يتقبل البحر صلاة المساء . .

المسافر : لن أنطق . . . لن أنطق فالكلمات هشيم تذروه الريح ونحن عزل أمام التاريخ . . أنا لا أعلم تماما هل وقع التصريح بالحكم . . هل أحرقت المدينة ذات يوم من أيام حياتى فالنسيان أتى على وجودى كما تفعل الحرائق . . لا أذكر سوى وقوفى أمام الأسوار المنيعة ووجه الفتاة التى أحببتها فى صباى . .

قمر : اذن لنقبع فى الصمت . .

عباس : هو حكم ظالم لا محالة . . . ولكنه يجنبنا مزالق الكلمات الواهية . . ننطق اولا ننطق شئ ليس فى مستوى الكون الرحب ... وليس على صعيد النظام المطلق .

المسافر : الصمت . . وقضى الأمر . . العالم يدور دورته ونحن نحدق بأطمئنان . . .

( خشوع . . وموسيقى حالمة . . ينفتح الباب لتدلف منه صبية عذراء الملامح نقيه النظرات فى طهر وصفاء وحلم ترتدى لباسا أبيض مسدلا يسحبها من يدها رجل يلبس قناعا . . تدخل وتحدق فى وجوه المسافر وقمر وعباس . . . )

الصبية : من هم هؤلاء . . . انى اراهم كالتماثيل . . هل صدر عليهم الحكم .

المقنع : نعم يا مولاتى . . هم كأبطال الخرافات التى تستمعين لها قبل نومك المقدس أيتها الأميرة المعبودة . . .

الصبية : وجوههم معروفة مجهدة . . . كأصول الأشجار القديمة .

المقنع : ذلك من بقايا اللعنة والزمن يا مولاتى . . هم متعبون يروون لك فى صمتهم ما تعجز عنه الكتب بأسرها .

( تطفأ الأنوار . . . وتبقى الصبية فى حلقة الضوء بمفردها . . ثم يضاء المسافر ) .

صوت المسافر : أيتها الأميرة العذراء . . . أنت العدل . . أنت طريقى التى أعبرها لأنجو من السأم والموت والمسخ . . . أنت مدينتى التى يقطنها الاطفال . . وأنا مسافر أحمل لعنتى منذ آلاف السنين . ( تضاء قمر ) .

صوت قمر : يا أميرتى يا قديستى . . أنت المطلق فى كبريائه وشموخه أنت حريتى وسط هذا المحتشد المغلق . . أنت الهواء النقى نتنفسك ونسبح لك ... وأنا امرأة مسلوبة الارادة منهارة الروح . ( يضاء عباس ) .

صوت عباس : أيتها المعبودة العذراء . . أنت الحياة الجديدة ... بعثتك الطبيعة فجرا وضاحا طلقا عبر ليل العالم وديجور القلب . . . ( موسيقى وضوء ) .

المقنع : تعالى يا سيدة الكون . . . لكى لا تمس نفسك الآمنة الطاهرة أدران هذا المكان الموحش ...

الصبية : هل نترك الباب مفتوحا ؟ ...

المقنع : سيان يا أميرة العالم . . . فهم عاجزون لا يقدرون حتى على الحركة .. . هم أنقاض الارادة والحياة والحب والتضحيه والحرية . . . أطلال العواطف الكبيرة . . هم رماد الحرائق المقدسة . . . وانت وهم رائع وسراب بعيد . . تبقين دائما سرا من اسرار التاريخ ولغزا من الغاز الدنيا . . تباركت السماء فى عينيك وجل الفجر فى جبينك

( ينصرفان . . موسيقى . . الأشخاص الثلاثة فى جمود وتحجر . . . . ثم ينبعث صوت خافت ) .

الصوت : هذه الأنقاض تحتاج الى ترميم . هذه الأنقاض تحتاج الى ترميم . هذه الأنقاض تحتاج الى ترميم .

ظلام ( ستار )

انتهى

اشترك في نشرتنا البريدية