الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية كاتب ياسين :، الجثة المطوقة،

Share

فى الوقت الذى اعلن فيه بباريس عن صدور مسرحية جديدة لاحد كبار الكتاب الجزائريين كاتب ياسين . . عنوانها " الرجل الذى انتعل المطاط " وفى انتظار وصولها الى تونس والتعليق عليها ، رأيت من المستحسن ان اقدم للقراء أول مسرحية الفها كاتب ياسين باللغة الفرنسيه سنه 1952 وهى مسرحية " الجثة المطوقة " وقد مثلت لاول مرة بمسرح الهواء الطلق بقرطاج بحمامات انطونين فى صائفة 1958 . مثلتها فرقه طالبيه منتمية الى اتحاد طلبة تونس بإخراج " جان مارى سرو " المخرج الفرنسى المعروف ، وكان كاتب ياسين مقيما بتونس وقد ساهم بنفسه فى الدعاية لجلب النظارة التونسيين الى مشاهدة العرض وكنت آنذاك من بين النظارة ، واعجبت بالمسرحية .

ثم مثلت للمرة الثانية بمسرح " موليير " يبروكسل " فى نفس السنه باخراج " جان مارى سيرو " ايضا يومي 25 و 26 نوفمبر 1958 فى احلك ظروف حرب التحرير الجزائرية .

وترجمت المسرحيه الى اللغة العربية الفصحى وشاهدنا تمثيلها بتونس سنه 1967 اثناء الاسبوع الثقافي الجزائرى بإخراج مصطفى كاتب .              ط . ق .

بلغ كاتب ياسين الاربعين من عمره وهو مقيم فى الغالب بباريس ، وقد الف أربع مسرحيات وهى " الجثة المطوقة " و " سحيق الذكاء " و " مسرحية الجدود اشد شراسة " نشرها فى مجموعة صدرت سنة 1959 عن دار النشر الباريسية " العتبه " ونشر فى شهر نوفمبر الماضى مسرحية " الرجل الذى انتعل المطاط " وكتب قصتين طويلتين قصة نجمة سنة 1956 وقصة " مطلع النجوم " سنه 1966 . بين القصتين عشر سنوات ثانيتهما امتداد للاولى وتوسيع لآفاقها .

كاتب ياسين من مواليد مقاطعة قسنطينة ، كان ابوه محاميا لدى المحاكم

الشرعية انتقل من قرية " نيغوث يوسف " حيث ولد ياسين سنة 1929 الى صدارته حيث تعلم ياسين القرءان والعربية بالكتاب تم الفرنسية بالمدرسة الابتدائية الى السطيف حيث زاول الكاتب تعلمه بالمدرسة الثانوية.

وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية خرج الشعب الجزائرى فى شوارع جميع المدن والقرى مطالبا بحريته واستقلاله ، وقابله المستعمر جندا ومدنيين فرنسيين بالتقتيل والتخريب . وقد جرت اهم مظاهرة وابعدها نتائج يوم 8 ماى 1945 بمدينه السطيف وشارك فيها كاتب ياسين والقى عليه القبض وزج به ق السجن ردحا من الزمن . وقد ذهب ضحية ما سمى " بمجزرة السطيف " 4500 شهيد كان لاستشهادهم الاثر البعيد فى انبعاث الثورة المباركة المظفرة ، ثورة غرة نوفمبر 1954 .

تندلع مسرحية " الجثة المطوقة " من تلك المحنة القاسية وهى متاثرة بها طبعا - تحيى لنا ظروفا عاشها المناضلون قبل تاسيس " جبهة التحرير الجزائرى " وجيش التحرير الجزائرى .

هى مسرحيه الثورة الكلمى والثورة المهزومة هى مسرحية المحافظة على الجذوة والفرار بها وحراستها عندما ينقطع الامل .

الاخضر ورفيقاه مصطفى وحسن مناضلون يجتمعون سويا وينظمون المظاهرات ويقاومون الفرنسيين المحتلين .

الاخضر هو القائد وهو الذى يتحمل كامل العبء لانه هو المسؤول على السير والمسيرة والطريق غامضة مشتبهة لا ينيرها الا ذلك النور الباطنى الذى كان يدفعه للتخلص والخلاص .

طاهر ابوه ينهاه ويقاومه ورفيقاه يطيعانه فى شىء من الشك والحيرة وبائع الفاكهه الفقير الذى انتصب بعربته فى الزقاق الذى تقع فيه الاجتماعات عين من عيون الشرطة لانه له عيال جياع . ويقع الصدام بين المناضلين المخلصين والمستعمرين لان ذلك هو القدر المحتوم . ويسقط الاخضر جريحا بين القتلى من رفاقه ، وتنجده " مرقريت " ابنة الضابط الجلاد فيقع فى ملابسة اخرى ، وسرعان ما يلقى عليه القبض فيذوق من التعذيب الوانا ويطلق سراحه وهو

مجنون يهذى ويأتى أبوه ويطعنه بخنجر لانه رأى فى رجوعه الى الحياة كارثة . وتنتهى المسرحية على صوت مناد ينادى :

يا مناضلى حزب الشعب

لا تغادروا مكانكم

ما زال زمان المعارك بعيدا

يا مناضلى حزب الشعب

المسرحية قائمة تصور مرحلة من مراحل كفاح الجزائر الشقيقة ، يحسن ان يتذكرها لانها بنيت لشعب اعزل انه قادر على خوض معركة بطولية كانت له غنما بقدر ابرازها لما كان كامنا خفيا فى نفسه من مقدرة على قهر النفس الارتقاء بها الى اعلى منازل الفتوة فيفضل تلك المعركه الداميه الاولى اتضح للشعب الحزائرى انه قادر على خوض المعركة اللاحقة والظفر فى نهايتها .

ان المسرحية تسجل لنا الشعور السائد فى تلك الفترة بالذات . مسرحية الجثة المطوقة . مسرحية شعرية ملحمية اهم ما فيها ابراز الفتوة المغربية لان كاتب باسين يحس بانتسابه الى الوطن المغربى المترامى الاطراف . وان من دواعى الاعتزاز بهذا الكاتب ان بدأ مسرحيه بهذه الجملة .

هذا شارع الوندل ، انه احد شوارع العاصمة او قسنطينة او السطيف او قالمة او تونس او الدار البيضاء .

كنا انذاك فى فجر الثورة التونسية وهذا يجر طبعا ان الاخضر بطل الرواية قد يكون تونسيا أو جزائريا او مراكشيا على حد السواء . لا يفرق الاخوة شىء . الجهاد للتخلص وبناء الوطن واحد موحد . ذلك هو الشعور الذى انبعثت منه فى اعماق قلوب مناضلينا وشعوبنا ثورات الخلاص .

كيف تبدو له تلك الفتوة المغربية ، يقول الاخضر : عندما كنت صبيا كان الحقد يخنقنى ، كنت - والحقد والشوق دافعان لى ، انتظر يوما اكون فيه وجها لوجه معهم لاعرف هل هزمونا فعلا .

صورة رائعة من رفض الهزيمة عندما تحل لانه وقع تجاوزها والتوق الى اعادة المعركة فى ظروف افضل .

ويقول الاخضر عن الوضع الموروث ما انفكوا يسلبوننا السلاح منذ مائة سنة حتى كدنا نفقد بنادق الصيد . ونحن نعلم ان بنادق الصيد تلك سددت

رصاصها فى صدور الاعادى بالاوراس سنة 1954 لا سبيل الى اغفال نجمه خليلة الاخضر تلك الفتاة الجزائرية التى تتجسم فيها الجزائر . لا سبيل الى الامساك عن الحديث لاننا نجدها فى جميع مؤلفات كاتب ياسين ولو كانت فى هذه المسرحية فى ثوبها الاول فاقدة للعمق الذى كسبته فى المؤلفات الاخرى بفضل معاشرة الكاتب لها .

يريد كاتب باسين ان يجعل منها صورة للوطن المعذب السليب ومحطه للامال وسندا فى ساعة الضيق . نجمة هى الجزائر او تصور كاتب ياسين فى مقتبل حياته الفنية للجزائر .

مازالت نجمة غزالا شرودا لا يقر له قرار يقول مصطفى احد ابطال المسرحية عنها :

ها هى تقف امام الزقاق المشؤوم ، يبدو لحافها خفاقا فى الليل لكأنها زورق غرق فطفا يدلنا على حد الافق . التحق بها ، سريعا ، قد تختفى فى اسرع من لمح البصر ، ان اذكى مراوغة للغزالة الفارة هى - فى غالب الاوقات ، وقفة على رمية بندقية ، لم تقرب نجمة الاخضر ولم تنله من نفسها ولو احبها واحبته - على طريقتها . ولا يمكن لنجمة ان تحبه كما يريد الا اذا تجدد معدنه فكان اصلب بفضل المحن المتتالية .

ان كاتب ياسين فى هذه المسرحية الاولى لم يصور لنا مناضلا ثرى الشخصية عميق العواطف بعيد النظر . سنجد ذلك فى المؤلفات التى كتبها بعد ذلك العهد . وانى اراه فى نهاية المسرحية يجنح الى نوع سهل من التشخيص والبحث عن الرموز : يطعن الاخضر ابوه بخنجر ملمحا فى ذلك الى ان العدو الحقيقى بين صفوفنا وربما كان اقرب الناس الينا لان كلمتنا لم توحد ولان صراع الاجيال ما زال قائما . واذا بالخنجر يسمر الاخضر الى جذع شجرة فيبدو لنا فى صورة مسيح ثرثار :

ولكن النفس الملحمى المنبعث من هذه المسرحية والشاعرية الرقيقه وقوة التعبير تجعلنا نتجاوز بسهولة نواحى الضعف التى اشرنا اليها .

اشترك في نشرتنا البريدية